ليدا زيدان –
في منزل دمشقي قديم ما زال قيد الترميم، افترشت “أرض الديار” بذور محلية، وتحوّلت المساحات إلى معرض للبذور السورية الأصيلة ومنتجاتها، من القمح والحمص والخضار المختلفة. هذه المرّة لم يكن المنزل الدمشقي حافظاً لحكايات المدينة وشوارعها وتاريخها فقط، بل أصبح مخزناً لتاريخ المواسم والقرى والأراضي وذاكرتها.
على بعد أمتار من “طلعة ساروجة” من جهة شارع الثورة بدأت حكاية سورية مختلفة، إذ اختار مشروع “حقول التضامن والكرامة” أن يفتتح “بيت الحقول” في فعّالية أقيمت يوم الجمعة الفائت تضمّنت تعريفاً بالمشروع وبازاراً لعرض منتجات الموسم، وخُصص هذا البيت الدمشقي ليكون بنكاً للبذور السورية غير المُهجَّنة وسوقاً للمزارعين الذين يزرعون أراضيهم من البذور الأصيلة دون سماد كيماوي أو أدوية.
إحياء البذور المحلية
يهدف مشروع “حقول التضامن والكرامة” بشكل أساسي لإعادة إحياء البذور المحلية بعد اختفائها لسنوات وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وذلك من خلال دعم المزارعين بالبذور الأصيلة وزراعتها في مختلف المناطق السورية، حيث بعمل المشروع على تأمين البذور للمزارعين ليقوموا بدورهم بزراعتها دون استخدام أي مواد كيماوية أو أدوية، وفي المقابل يستردّ المشروع في نهاية الموسم كمية البذور التي قدّمها للمزارعين.
بالإضافة لذلك يُعتبر إنشاء بنك للبذور المحلية مهمّاً للحفاظ على الأصناف المحلية من الاختفاء وحماية التنوّع الوراثي ودعم الأمن الغذائي واستعادة جزء من التراث السوري الزراعي. بحسب منظمة الأغذية والزراعة “فاو” تشكّل الموارد الوراثية النباتية الأساس البيولوجي للأمن الغذائي ودعم سبل العيش للأفراد، وتتألّف من المواد الوراثية النباتية للغذاء والزراعة من تنوّع البذور والأصناف التقليدية والحديثة بالإضافة للأقارب البرّية للمحاصيل.
عن أهمّية الحفاظ على البذور المحلية يقول المنسّق العام لحقول التضامن والكرامة، سليمان دكدوك: ” بذرة القمح السورية غير المهجَّنة كانت غير موجودة واستطعنا جلبها وزراعتها ونعمل حالياً على زراعة كلّ البذور غير المهجَّنة”. بحسب دكدوك، تمّ الحصول على البذور الأصلية من منظمة “جذورنا بذورنا” في لبنان، ويضيف: “هناك تعاون معهم ونسعى لإنشاء بنك للبذور غير المهجّنة هنا في ساروجة”.
استطاع المشروع خلال الفترة الماضية تأمين أنواع مختلفة من البذور الأصيلة للقمح والحمص وغالبية أنواع الخضار، مثل البطاطا والبندورة والبصل والثوم والفول، حيث تمّت زراعة هذه البذور في عدّة مناطق من لبنان وسوريا، مثل سهل عكّار وساعين وجنين وكفرون ومشتى الحلو وسراقب والقامشلي.



بحسب دكدوك زُرع هذا العام ما يقارب 160 دونماً من الأراضي، وهذا قد يتضاعف في السنوات القادمة، إذ أن “حبّة القمح الواحدة تنتج أكثر من حبّة، ومن الممكن أن تنتج 360 حبّة، فالحبّة الواحدة تنتج من سنبلة إلى ستّة سنابل، وتحتوي حبّة القمح على جنين من الممكن أن يكون ثنائي أو ثلاثي الأجنّة”.
يوضّح دكدوك أنّ الفرق الرئيسي بين البذور السورية الأصيلة والمهجَّنة هو أنّ الأولى تحتوي على جنين وذاكرة تمتدّ لألاف السنين ما يجعلها تخزّن جميع الظروف التي مرّت بها وتتكيّف مع جميع التغيّرات المناخية والبيئات بناءً على هذه الذاكرة، أمّا البذور المهجَّنة فهي بذور قُتل جنينها وذاكرتها، ولذلك يضطر المزارع أن يشتري البذار في كلّ موسم ويستخدم الأدوية بحسب الأمراض والظروف البيئية.
كما يشير إلى أمثلة حيّة على هذا الفارق، ففي العام الفائت تسبّبت الهطولات المطرية المتأخّرة بأضرار لمعظم أنواع القمح ما جعل المزارعين يستخدمون الأدوية والأسمدة، إذ أنّ الأمطار المتأخّرة تُضعف ساق القمح المُهجَّن ما يتسبّب بكسره وهذا يعيق عملية الحصاد. أمّا بالنسبة لزراعة البذور المحلية هذا العام فقد كانت بعلية، واستُخدم السماد فقط في منطقة سهل عكار “لأنّ الأرض هناك زُرعت لعامين متتالين بالقمح، ويستخدم مشروع حقول التضامن سماداً من دودة الأرض (دودة السماد- الكمبوست) عن طريق تحويل المخلّفات العضوية للدودة إلى سماد”.
بالإضافة للقمح استطاع المشروع زراعة البندورة الجبلية بدون سقاية، وهي نوع بدأ بالاختفاء من سوريا، ووصل وزن الحبة إلى 720 غرام في العام الفائت.

إنتاج أكبر وعودة للتراث
يوضح سليمان دكدوك أن الاعتقاد السائد بأن إنتاج البذور المهجّنة أكثر من إنتاج البذور الأصلية غير صحيح، إذ يحتاج الفلاحون من 25 إلى 40 كيلو من البذور المهجّنة للدونم الواحد، بينما يحتاج فقط إلى 13 كيلو من البذور المحلية لزراعة الدونم، ومن خلال تجربة في سهل عكّار “قام أخوَان من المزارعين بزراعة 20 دونماً لكلّ منهما، أحدهما بالبذور المحلية والآخر بالمهجّنة، وكان إنتاج البذور المحلية أكثر بنسبة 30%”، ويضيف أنّ القائمين على المشروع يسعون لإقناع الفلاحين بأن الأنتاج الأكبر ليس ربحاً أكبر، “فبطريقتنا مصروفك صفر، نحن نعطيك البذور بدون أسمدة وأدوية وتعيدها لنا في آخر الموسم، وبهذا نحافظ على البذور المحلية، لكن هذه التجربة أثبتت أنّ الإنتاج من الممكن أن يكون أكثر”.
في ذات الوقت يسعى المشروع لإعادة إحياء عادات قديمة مرتبطة بالمجتمع السوري، يقول دكدوك: “كنا ننظف القمح في المعمل ب400 ليرة للكيلو، لكن اخترنا أن نغيّر ذلك، والآن هناك ما يقارب 42 سيدة يقمن بتنظيف القمح في منازلهن مقابل 300 ليرة للكيلو. نفعل ذلك لنعيد تلك القصة التاريخية عن تنظيف القمح في المنازل”.
من جهة أخرى يشتري بيت الحقول الكميّات الناتجة بسعر أعلى من سعر الدولة، والهدف من ذلك نشرها في مناطق أكثر والحفاظ عليها، “يجب أن تتواجد البذرة في كلّ مكان حتى لو في مساحات صغيرة، بحيث يمكنها خلال 5 سنوات أن تتكاثر بشكل كبير”.
حتى الآن استطاع المشروع أن يحقّق وصولاً إلى أرياف حمص وحماة وطرطوس واللاذقية والقامشلي، ويسعى حالياً للعمل في ريف حلب، بالإضافة لذلك يطرح منسّق المشروع فكرة إنشاء “حواكير” في المنازل، يقول: “أكبر ثورة بالنسبة لي هي ألا تشتري المواد الغذائية وتحقق الاكتفاء الذاتي في منزلك، وقد تمّ تطبيق ذلك في عدّة أماكن”.
لا يغفل القائمون على المشروع الارتباط الوثيق بين الأرض والطبيعة والفنّ والتراث، فبالإضافة لاختيار منزل دمشقي تهدّمت معظم جدرانه، كان الفنّ التشكيلي جزءاً أساسياً من المعرض في ساروجة، إذ توزّعت اللوحات على الجدران القديمة في المنزل، وعن اختيار هذا المنزل بالتحديد يقول دكدوك: “هذا نابع من رغبتنا في إحياء شيء قديم، من خلال إعادة ترميم المنزل وإعطاء الحياة لشيء كان على وشك الاختفاء والموت”.



فوائد اقتصادية وغذائية
لا تقتصر إعادة إحياء البذور المحلية على الحفاظ على البذور وزيادتها فقط، بل لذلك جانب آخر يتمثّل بالفوائد الصحية والغذائية والبيئية والاقتصادية الناتجة عن زراعتها، إذ أنها تحمل صفات وراثية تراكمت عبر الأجيال وتمتلك قدرة على التكيّف مع مختلف أنواع التربة والتغيّرات المناخية، كالجفاف وقلّة المياه، كما أنّها مقاومة للأمراض والآفات وتستطيع تحمّل الظروف البيئية المحتلفة.
النحّات ميسان سليمان، وهو أحد أصدقاء المشروع، يقول: “العودة للمنتجات الطبيعية دون الكيماويات وسيطرة شركات البذور والأسمدة له فائدة اقتصادية كبيرة، بالإضافة للفوائد البيئية والصحية”.
يعتبر سليمان أنه حتى في سنوات الجفاف من الممكن إيجاد سياسات لمواجهة ذلك، والبذور المحلية مناسبة لجميع البيئات والتغيّرات، بالإضافة إلى أنّ عائداتها الاقتصادية ليست أقلّ من البذور المهجَّنة كما يشاع.
إلى جانب ذلك يسعى المشروع لتشجيع السكان من بيئات مختلفة، الذين هجروا قراهم أو توقّفوا عن زراعتها، لكي يجدوا الإمكانية للعمل في الزراعة دون تكاليف وتحقيق مردود من ذلك. يضيف: “تراجعت الزراعة في سوريا لأسباب عدّة، منها السياسات القديمة منذ عام 2005 من رفع الدعم والخصخصة وفتح السوق بالإضافة للحرب التي دمّرت مجتمعات وبيئات زراعية كاملة”.

يُرجع سليمان سبب اختفاء هذه البذور لسياسات حكومية ودولية وشركات سيطرت على البذور وعملية توزيعها: “بذور مهجّنة، لكلّ بذرة نوع مختلف من المرض، ولكلّ مرض نوع مختلف من الأدوية، ومع ذلك أعتقد أنّه بأمكاننا إعادة إحياء البذور الأصيلة، ولكن ذلك يتطلّب جهوداً مكثّفة من المجتمعات والمزارعين والمهتمّين بالزراعة والبيئة”.
كذلك يشير إلى وجود مراكز بحثية لديها عيّنات من البذور السورية، ويبيّن أن المزارعين يتجاوبون مع المشروع: “همّ المزارع ألا يخسر، ومع التجربة سيكتشف المزارعون أن هذا الأسلوب مربح من نواحٍ مختلفة، وحتى بالعائد الاقتصادي”. أمّا بالنسبة للفوائد الغذائية فهي أكبر بكثير من فوائد منتجات البذور المهجّنة، فالمنتجات هنا ستكون مزروعة بدون أسمدة أو أدوية أو هرمونات.
يمثّل “بيت الحقول” خطوة هامّة في حفظ البذور المحلية، ونشر الوعي بما تحمله هذه البذور من تنوّع زراعي راكمته عبر الأجيال، وذاكرة مرتبطة بالظروف المناخية للأرض السورية وطرق الزراعة وعمليّات التكيّف، ولا تتوقّف أهميته عند حفظ البذور وتخزينها فقط، بل يشكّل محاولة لحفظ ذاكرة الزراعة السورية والتراث الزراعي والعودة للطبيعة الأصيلة دون الحاجة للمواد التي تشكّل خطراً على البيئة والإنسان.



