النساء في الحسكة يقاومن التغيّر المناخي بأجسادهن

رؤى النايف –

جلستْ تحت ظلّ شجرة مُتعَبة، تلتقط أنفاسها بعد ساعات من العمل الذي بدأ مع أول خيط من الضوء. لم يكن الظلّ كافياً لتبريد جسدٍ أرهقته حرارة الحقل، لكنّه كان المساحة الوحيدة التي تستطيع فيها صفاء الخليل، الشابة من مدينة القامشلي، أن تستعيد أنفاسها قبل العودة إلى العمل.

تقول صفاء وهي تمسح العرق عن وجهها: “العمل في حصد المحاصيل الصيفية لم يعد يشبه الماضي أبداً. قبل سنوات كنّا نتحمّل حرارة الصيف المعتادة، أما اليوم فالشمس أصبحت قويّة منذ ساعات الصباح الأولى. نبدأ العمل في الخامسة والنصف فجراً هرباً من القيظ، لكن بحلول الساعة العاشرة صباحاً يتحوّل الحقل إلى فرن حقيقي. نشعر بالاختناق والدوار والإجهاد، وما يزيد الأمر صعوبة هو جفاف الآبار وشحّ المياه.. أحياناً تكون أبسط حاجاتنا، مثل الحصول على ماء بارد، أمراً صعباً”.

بالنسبة لصفاء، لا يرتبط ارتفاع درجات الحرارة بالطقس وحده، بل أصبح جزءاً من تفاصيل يومية تنعكس مباشرة على قدرتها على العمل وعلى دخل أسرتها، فكلّ ساعة إضافية تقضيها تحت الشمس تعني جهداً أكبر، فيما لا تضمن ساعات العمل الطويلة الحصول على مردود يوازي التعب المبذول، خصوصاً مع تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف تأمين المياه والريّ.

ولا تتوقّف المشكلة عند ارتفاع درجات الحرارة، ففي مناطق واسعة من محافظة الحسكة، بات الوصول إلى المياه واحداً من أكثر التحديّات إلحاحاً بالنسبة للسكان والعاملين في الزراعة، ومع تراجع الهطولات الأمطار خلال مواسم متتالية واستنزاف مصادر المياه الجوفية، أصبحت الآبار التي اعتمد عليها المزارعون لعقود أقلّ قدرة على تأمين احتياجات الأراضي، بينما تواجه بعض المناطق مشكلة ارتفاع ملوحة المياه وتراجع جودتها.

بالقرب من مدينة القامشلي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً في قرية تل بيدر، حيث تمتدّ حقول الذرة والملوخية تحت شمس قاسية. بين صفوف النباتات، تعمل بتول سلطان لساعات طويلة في جني المحاصيل الصيفية، محاولةً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من موسم أثقل عليه الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

تحني بتول ظهرها، وتواصل العمل وسط حقل مفتوح لا يوفّر سوى القليل من الظلّ، فيما تبدو علامات الإجهاد واضحة على العاملات اللواتي يشاركنها ساعات العمل الطويلة.

تقول: “نحن في تل بيدر لا نحصد المحاصيل فقط، بل نحن نحاول إبقاء هذه الأرض حيّة. هذا العام كانت الظروف قاسية جداً؛ جني الذرة والملوخية يحتاج إلى جهد كبير، والحرارة تجعل ساعات العمل أصعب بكثير. التربة تشقّقت من العطش، والآبار التي كنّا نعتمد عليها أصبحت شحيحة، وبعضها تغيّرت نوعية مياهه”.

تضيف بتول: “أعمل لساعات طويلة تحت الشمس، ثم أعود إلى المنزل وأنا منهكة. الأصعب أن ترى موسمك يذبل أمام عينيك، بعدما بذلت فيه كلّ هذا الجهد. الجفاف لم يعد شيئاً نسمع عنه، بل أصبح واقعاً نعيشه كلّ يوم”.

ما تعيشه صفاء وبتول لا يمكن فصله عن أزمة أوسع تضرب القطاع الزراعي في شمال شرقي سوريا، فالحسكة، التي يعتمد جزء كبير من سكانها على الزراعة والأعمال المرتبطة بها، تواجه منذ سنوات تراجعاً في الهطولات المطرية وارتفاعاً في درجات الحرارة وتزايداً في فترات الجفاف، وهي عوامل تضغط مجتمعة على الأرض والمياه والإنتاج الزراعي، وتزداد حدّة الأزمة عندما تتزامن موجات الحرّ مع نقص المياه، فارتفاع الحرارة يزيد حاجة المحاصيل إلى الريّ، في وقت تتراجع فيه قدرة الآبار والمصادر المائية على تلبية هذه الحاجة، ويجد المزارع نفسه أمام معادلة صعبة: محاصيل تحتاج إلى مياه أكثر للبقاء، ومصادر مياه تتراجع قدرتها على تأمين الكميّات المطلوبة.

لا يقتصر أثر ذلك على المحاصيل وحدها، إذ ينعكس تراجع الإنتاج على أسعار المواد الزراعية وعلى دخل الأسر التي تعتمد على المواسم كمصدر رئيسي أو ثانوي للرزق. ومع ارتفاع تكاليف البذار والريّ والنقل والعمالة، تصبح خسارة جزء من المحصول ضربة مباشرة للعائلة التي بنت حساباتها على موسم قد لا يأتي كما كانت تتوقّع.

في هذه المعادلة، تتحمّل النساء العاملات في الزراعة جانباً كبيراً من الأعباء، فالعمل في الحقول خلال أشهر الصيف يبدأ غالباً في ساعات الصباح الأولى، ويستمرّ رغم ارتفاع درجات الحرارة، فيما يفتقر كثير من مواقع العمل الزراعي إلى وسائل الحماية الأساسية، مثل أماكن الظلّ الكافية، ومصادر المياه القريبة، ووسائل التبريد والإسعافات الأولية.

ترى صفاء أنّ تغيير ساعات العمل بات أمراً ضرورياً بالنسبة للعاملات، إذ تحاول كثير منهن البدء قبل اشتداد الحرارة والانتهاء في أقرب وقت ممكن، لكن طبيعة العمل الزراعي لا تترك دائماً مجالاً واسعاً للاختيار، خصوصاً خلال مواسم الحصاد التي تتطلّب إنجاز العمل ضمن فترة زمنية محددة.

هنا؛ لا تصبح الحرارة مجرّد عامل مزعج، بل خطراً صحيّاً محتملاً، خصوصاً عند العمل لساعات طويلة مع نقص شرب المياه والراحة.، فالصداع والدوار والإرهاق الشديد تصبح شكاوى متكررة بين العاملات، بينما قد تتطوّر حالات الإجهاد الحراري في حال استمرار التعرّض للحرارة دون استراحة وترطيب كافيين.

إلى جانب ارتفاع الحرارة، يمثّل الجفاف أحد أخطر التحديّات التي تواجه الزراعة في الحسكة، فالمزارعون الذين كانوا يعتمدون في السابق على الأمطار لتأمين جزء كبير من احتياجاتهم باتوا أكثر اعتماداً على الآبار، في وقت تتراجع فيه مناسيب المياه الجوفية في عدد من المناطق.

هذا الاعتماد المتزايد على المياه الجوفية يخلق بدوره حلقة يصعب كسرها: قلة الأمطار تدفع إلى زيادة الضخّ من الآبار، وزيادة الضخّ تؤدي إلى استنزاف أكبر للمخزون الجوفي، بينما تحتاج المحاصيل إلى كميّات إضافية من المياه لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة.

تظهر آثار ذلك في الحقول نفسها؛ تشقّقات التربة، ضعف نمو النباتات، اصفرار بعض المحاصيل وتراجع الإنتاج، كلّها مؤشرات يلاحظها المزارعون خلال مواسم متتالية، وفي بعض المناطق، لا تكمن المشكلة في كميّة المياه وحدها، وإنّما في نوعيّتها أيضاً، مع شكاوى من ارتفاع الملوحة في بعض الآبار، الأمر الذي يزيد الضغط على التربة والمحاصيل.

التغيرات المناخية في الحسكة لا تعني موسماً زراعياً أقلّ إنتاجاً، وإنّما تهدّد منظومة معيشية كاملة تعتمد عليها آلاف الأسر، فالزراعة ترتبط بالعمل الموسمي، وتربية المواشي، والتجارة المحلية، وأسواق الخضار والحبوب، وحتى حركة النقل بين القرى والمدن، وعندما يتراجع المحصول، تتراجع معه فرص العمل والدخل، وتضطر بعض الأسر إلى تقليص إنفاقها أو البحث عن مصادر دخل بديلة، وفي المناطق الريفية، قد يعني استمرار الجفاف لسنوات متتالية التخلّي تدريجياً عن الزراعة أو تقليص المساحات المزروعة، وهو ما يهدّد بتوسّع رقعة الأراضي المتدهورة وزيادة مخاطر التصحّر.

كما أنّ تراجع الغطاء النباتي يجعل التربة أكثر عرضة للانجراف والتدهور، خصوصاً في ظلّ موجات الحرّ والرياح والجفاف الطويل. ومع مرور الوقت، تصبح استعادة خصوبة الأرض أكثر صعوبة، وتزداد كلفة إعادة تأهيلها.

في الحقول، لا تظهر آثار التغيّر المناخي في صورة أرقام فقط، بل تظهر في أجساد العاملات اللواتي يقضين ساعات تحت الشمس، وفي الآبار التي لم تعد تعطي الكميّة نفسها من المياه، وفي المحاصيل التي تحتاج إلى عناية أكبر لتنتج كميّة أقلّ، وفي الأسر التي تنتظر نهاية الموسم لتعرف إن كانت ستتمكّن من تغطية احتياجاتها.

بالنسبة لنساء مثل صفاء وبتول، لم يعد الحديث عن التغيّر المناخي قضية بعيدة ترتبط بالمؤتمرات والتقارير الدولية؛ إنّه واقع يبدأ مع ساعات الفجر الأولى، عندما تحمل كلّ واحدة منهما أدواتها وتتّجه إلى الحقل، وينتهي بعد ساعات طويلة من العمل، وهما تحاولان معرفة ما إذا كان محصول الموسم سيكافئ كلّ هذا التعب.

مع استمرار موجات الجفاف والحرارة وتراجع الموارد المائية، تبدو الحاجة ملحّة إلى إجراءات تحمي مصادر المياه، وتدعم المزارعين والعاملات في القطاع الزراعي، وتساعد المجتمعات المحلية على التكيّف مع الظروف المناخية المتغيّرة، قبل أن تتحوّل الأرض التي كانت مصدر رزق إلى سبب جديد للنزوح والفقر وفقدان سبل العيش.

في الحسكة، لا تقف النساء اليوم في مواجهة حرارة الصيف وحسب، إنّهن يعملن على أرض تتغيّر ملامحها عاماً بعد عام، ويحاولن الحفاظ على محصولها وسبل عيش أسرهن، في وقت أصبحت فيه قطرة الماء أثمن من أن تُهدر، وأصبح الظلّ تحت شجرة استراحة قصيرة في مواجهة أزمة بيئية تتّسع يوماً تلو آخر.

Scroll to Top