ليدا زيدان –
تواجه محافظة درعا أزمة تهدّد معيشة، إذ لم يعد نقص المياه ناتجاً عن انقطاع مؤقّت، بل أصبح خطراً يهدّد شتّى جوانب الحياة، ولا سيّما الزراعة. خلال الأيّام الأخيرة تزايد الحديث عن الآبار غير المُرخَّصة وما نتج عنها من استنزاف للمياه الجوفية، إلا أن المسألة تبدو أكثر تعقيداً، إذ تتداخل عدّة عوامل في هذه الأزمة، منها ما يتعلّق بسنوات الجفاف وقلّة الهطولات المطرية، وسوء الإدارة في توزيع المياه وحمايتها، ومنها ما يتعلّق بالأوضاع الاقتصادية والطلب المتزايد على الزراعة واستهلاك المياه، بالإضافة لعامل أمني وسياسي خطير يرتبط بالتعدّيات الإسرائيلية على مصادر المياه وسيطرتها عليها، فهل يمكن للحكومة الانتقالية ومؤسّساتها حلّ هذه المشكلة، وهل يعتبر خطر حفر الأبار غير المرخصة هو العامل الأكبر في هذه الأزمة ومن الممكن معالجته، أم أن ما يحدث يحتاج لمقاربة أشمل لأسباب استنزاف الموارد المائية في المحافظة؟
أزمة المياه
في الرابع والعشرين من شهر آب الفائت أصدرت محافظة درعا بياناً حذّرت فيه من خطر متصاعد يهدّد الأمن المائي في المنطقة، وأوضح البيان أنّ السبب الرئيسي لهذا الخطر هو حفر آلاف الآبار المُخالِفة والتعدّيات على خطوط دفع وتوزيع المياه، بالإضافة للاستجرار غير المشروع، ما تسبّب باستنزاف الموارد المائية، وبيّن المحافظة أنّها بدأت باتخاذ الإجراءات لإزالة التعدّيات على شبكة المياه.
بدأت أزمة المياه في درعا بالظهور بشكل واضح منذ عام 2025، إذ شهدت مناطق عدّة خلال الصيف الفائت نقصاً حادّاً في مياه الشرب. حينها نُسبت الأزمة لتراجع الهطولات المطرية بشكل رئيسي، بالإضافة إلى التعدّيات على خطوط الشبكة. هذا العام ازداد الحديث عن خطورة الوضع في المحافظة وتحوّل الأزمة إلى خطر استنزاف للموارد المائية.
أحمد (اسم مستعار)، وهو أحد أبناء درعا، يقول: “هناك أزمة حقيقة في توفّر المياه، وهناك بعض البيوت التي لا تحصل على مياه الشرب إلا من خلال استجرارها من آبار الدولة”. يشير احمد إلى تفاقم المشكلة في أشهر الصيف، إذ تصبح المياه قليلة جداً ما يسبّب معاناة للأهالي، في الوقت ذاته ما زال حفر مزيد من الآبار غير المرخّصة مستمرّاً، ما يزيد من المشكلة.
تشكّل أزمة المياه عبئاً كبيراً على الأهالي، إذ أنّ كمية المياه التي تُوزّع على المنازل عبر الشبكة قليلة جداً، ما يدفع بهم لشراء المياه بالصهاريج، ويؤثّر ذلك على حياتهم وسلوكياتهم المرتبطة باستخدامات المياه المنزلية. يرى أحمد أنّه لا يوجد مبرّر لهذا العدد من الآبار، لافتاً إلى أنّ “كلّ شخص يمتلك مالاً ولديه أرض يحفر بئراً”.
خلال الأيّام الفائتة أصدرت وزارة الإدارة المحلية والبيئة تعميماً قالت فيه إنّها شكّلت لجاناً لتوثيق وإحصاء الآبار المخالفة، ومنحت مهلة زمنية لإزالة المخالفات قبل تطبيق العقوبات اعتباراً من 16 أيلول الجاري.
يرى أحمد أنّ “الحكومة أدركت مؤخّراً أنّه لا يمكن حفر بئر دون رخصة، فقامت بمصادرة الحفّارات”، ويتابع: “ما يحدث سيّء جداً، يجب أن يكون هناك بين كلّ بئر وآخر مسافة 2 كيلو متر، لكن في هذه الـ2 كيلو متر يوجد أكثر من بئر”. كما يشير أحمد إلى أنّ هذه التعدّيات ليست الوحيدة التي تشكّل خطراً على المياه في درعا، يقول: “وضع المياه في درعا خطير لأنّ إسرائيل تتحكّم بمصادر المياه الكبرى في المنطقة، وبعد سقوط النظام السابق بات كلّ شخص لديه 200 شجرة زيتون يحفر بئراً”.
الإجراءات الحكومية
لا تقتصر مشكلة المياه في درعا على الحاجة السكّانية لها في الشرب والاستخدامات المنزلية، بل تمتدّ لتؤثّر على مناح أخرى، أبرزها الزراعة، وهي تُعتبر من المحافظات التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة وما تنتجه من محاصيل، لذا فإنّ نقص المياه سيؤدي إلى نقص الإنتاج الزراعي، ما دفع المزارعين لحفر الآبار تفادياً لخسارة محاصيلهم وللتقليل من التكاليف المتعلّقة بضخّ المياه وشرائها، إلا أنّ ذلك تسبّب بأزمة شاملة.
بحسب مدير الموارد المائية في المحافظة، هاني عبد الله، تبلغ نسبة الآبار غير المرخّصة من 60% إلى 70% من عدد الآبار الكلّي. يقول: “حتى الآن لا توجد إحصائية دقيقة ولكن هناك عدد كبير من الآبار غير المرخّصة، وفي الفترة الأخيرة زاد استجرار المياه عن طريق هذه الآبار، وتركّز ذلك في طفس وداعل و إبطع وخربة غزالة والحراك وفي المناطق الشرقية من المحافظة”.
أما عن تأثير وجود هذه الآبار على المياه يشرح عبد الله: “وجود هذا العدد الكبير من الآبار غير المرخّصة والعشوائية، والتي حُفرت دون دراسة للمكان، يؤثّر بشكل كبير على المياه الجوفية، وخاصة مصادر مياه الشرب والينابيع، ما يؤدّي إلى استنزافها”.
هذا الشحّ في منسوب المياه الجوفية يزيد الطلب من قبل السكّان، ما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً، فالنقص في المياه يدفعهم لحفر الآبار، وحفر الآبار يعمّق المشكلة، ما أدى إلى حالة الخطر التي تعيشها المحافظة، وفي الوقت ذاته لم تنجح المؤسّسات الحكومية في ملاحقة الظاهرة منذ بدايتها، حيث أصبح عدد الآبار كبيراً جدّاً قبل البدء بالإجراءات الحكومية لتفادي الأزمة، فيما كان يجب أن يقتصر حفر الآبار على مؤسّسة المياه كونها الوحيدة المخوّلة بذلك، أمّا بالنسبة للتراخيص يقول عبد الله: “التراخيص ممنوعة للأراضي الزراعية، وهي فقط خاصة بالمنشآت العامة لأغراض سياحية أو خدمية أو صناعية أو ثروة حيوانية”.
مديرية الموارد المائية بدأت مؤخّراً بالتحرّك لإيقاف التعدّيات، يوضحّ عبد الله: “نحن نقوم بداية بتنبيه المواطنين عن طريق وسائل الإعلام بضرورة الالتزام والانتباه إلى أنّ مثل هذه الآبار هي لمؤسّسة مياه الشرب، والتشديد على الالتزام بالخطّة الزراعية واتّباع الطرق اللازمة لترشيد استهلاك المياه. لم نقم بإجراءات قانونية بسبب التفهّم من قبل المزارعين”.
كذلك، وبحسب عبد الله، تعمل المديرية وفق خطّة للتركيز على الآبار الموجودة داخل التنظيم والآبار الموجودة حول مصادر مياه الشرب والينابيع، وأماكن الريّ الخاصة بمياه الشرب، و استثمار الجزء الأكبر من الآبار لصالح مياه الشرب، وتشميع ما تبقّى وتركها آبار طوارئ تستفيد منها المؤسّسة عند الحاجة، ويردف: “يجب على المزارعين الالتزام بالخطط الزراعية واستعمال طرق الريّ الحديثة واللجوء للزراعات التي لا تتطلّب استهلاكاً للمياه، وأن تكون مساحات الزراعة غير كبيرة، وترشيد المياه للوصول لموسم جيّد دون خسائر”.

التعديات الإسرائيلية وتأثيرها
من جهة أخرى تواجه المحافظة نوعاً مختلفاً من التعدّيات، يتمثّل بالتوغّلات الإسرائيلية المتكرّرة في منطقة حوض اليرموك، وتمركزها في مناطق قريبة من الآبار ومحطّات الضخّ في المنطقة. بدأت هذه التوغّلات بعد سقوط النظام السابق، وازدادت في العام الحالي لتصبح شبه يومية، حيث تعمل القوّات الإسرائيلية على منع السكّان من الوصول لأراضيهم وتجبرهم على التخلّي عن الموارد المائية والزراعية.
بحسب الدكتور، موفق الشيخ علي، ينقسم موضوع أزمة المياه إلى شقّين؛ الأوّل “ناتج عن التمدّد الاسرائيلي في القنيطرة، التي كانت سدودها هي الرافد لسدود وشبكات الريّ في درعا”، أما الشقّ الثاني فهو مرتبط بالتوسّع العشوائي لزراعات شجرية مروية، وخاصّة الرمّان والزيتون، وهي محاصيل خريفية متطلّبة للمياه للوصول لحالة نضج الثمار. هذه العوامل تسبّبت باستنزاف جائر للمياه الجوفية نتيجة الريّ في ترب حمراء ودرجات حرارة مرتفعة مع نسبة تبخّر عالية.
يرى الشيخ علي أنّ الحلول لهذه المشكلة تتمثّل بمنع هذه الزراعات وتحويل القائم منها لريّ حديث مع تطبيق مبادئ الزراعة الحافظة لتقليل التبخّر، فيما يعتبر أنّ الحلّ الأكثر أهمّية هو “استعادة مياه القنيطرة، وخاصة سدود المنطرة ورويحينة ووادي الرقاد”. في ذات الوقت يعتبر أنّ استمرار الاستنزاف سيؤدّي إلى تجفيف الحامل الجوفي، وخاصة مع الأنباء المتداولة عن تجاوزات إسرائيل بالضخّ من أراضي وسدود القنيطرة باتجاه الجولان المحتلّ.



