ليلى جروج –
لا تتوقّع في المرّة الأولى أن تكون شجرة موز! على الأوتوستراد المقابل للبحر، لم تعد مصفاة بانياس هي الوحيدة التي تدلّ على المدينة، فأشجار الموز على جانبي الطريق باتت علامة واضحة. الملفت أنّها تنتشر بأشكال مختلفة، ضمن بيوت محميّة، وخارجها، ضمن حقل كبير، ومنفردة على باب منزل أحدهم. تخبرك الشجرة أحياناً إنّ أحدهم يحاول القيام بتجربة زراعية جديدة، لكنّ رأس المال لم يسعفه في مشروع ضخم، فاستثمر مساحة صغيرة جداً من أرضه، وتخبرك الأشجار المنفردة إنّ هذا المنزل قرّر المغامرة وزراعة الشجرة، كأيّة شجرة مثمرة اعتدنا وجودها في المنازل أو أمام أبوابها، من ليمون أو برتقال أو حتى زيتون، لكنّه اختار زراعة الموز.
بعض الأشجار ذابلة الأغصان، يابسة، تحكي عن عطش شديد تعرّضت له حتى وصلت إلى هذه المرحلة. لكن؛ جميع هذه الأشجار تبدو كسحرٍ حلّ على المكان. أذكر أنّها مزروعة على مدخل أحد الشواطئ، ومزروعة في “تنكة” على باب منزل بسيط، كأنّ هذه الزراعة جاءت كردّ فعل على “عقدة الموز” التي نحملها في هذه البلاد و”مؤشر شراء الموز” الذي يدلّ على رخائنا الاقتصادي، والتي لم نتخلّص منها حتى اليوم.
تجربة سابقة
خاض علي ناصر تجربة سابقة مع زراعة الموز، استبدلها اليوم بالأفوكادو، في توّجه نحو الزراعات الاستوائية في الساحل السوري، لكنّه يشير إلى انتشار هذه الزراعة في العقد الأخير بشكل واسع، بعد أن كانت موجودة على مستوى ضيق وضمن بيوت محمية في بداية التسعينات، يقول: “الحالة الاقتصادية وعودة اهتمام الناس بالزراعة كمصدر للرزق، وانخفاض مردود الحمضيات وتردّي أسعارها في السوق، بالإضافة إلى سرعة الإنتاج، جميعها عوامل ساهمت في انتشار هذه الزراعة الآن”.
سيطرت زراعة الزيتون على نسبة كبيرة من المساحات المزروعة في الساحل السوري، ومع بداية التسعينيات بدأ التحوّل التدريجي نحو البيوت البلاستيكية وزراعة البندورة وثمَّ الحمضيات، لكن موسم الزيتون ينتج كلّ سنتين في الساحل، وهذا كان أحد أسباب تحوّل علي إلى زراعة الموز.
لكن حتى اليوم تُعدّ زراعة الحمضيات جيّدة في الساحل السوري ومنتشرة على مستوى واسع، ولكن التوّجه الأوّل حالياً هو لزراعة الأفوكادو، فكميّة الإنتاج والسعر تفوّقا على كلّ المحاصيل، “يوجد نقطة أراها إيجابية في توقّفي عن إنتاج الموز، لأنّه مستهلِك جداً للمياه الجوفية، وبعض الدول تحدّ من هذه الزراعات الآن لهذا السبب”.
تجربة حالية
خالد جليل (اسم مستعار) مزارع موز حاليّ، بدأ تجربته قبل ثلاثة أعوام تقريباً، عندها كانت معطيات الزراعات المحمية والحمضيات في حالة من التغيّر، “كانت الزراعات المحمية تتطلّب تكلفة عالية، والمواد التي تنتج عنها، كالبندورة والخيار، كانت رخيصة، لذلك كان المزارع يتعرّض لخسارت كبيرة”، يقول خالد ويضيف أنّ السعر المنخفض للحمضيات وضع المزارع أمام رحلة للبحث عن أيّ بديل، “كنوع من البدائل كانت الزراعة عشوائية جداً، لأنّها ذات مردود عالٍ، في الوقت الذي كانت تعاني فيه الحمضيات البلدية في الأسواق السورية، وصل سعر كيلو الموز البلدي إلى ما يقارب 25- 30 ألف ليرة”.
تاريخياً؛ كان الموز في الخمسينات من الزراعات الهامة في الساحل السوري وخصوصاً بانياس، يقول خالد إنّه متأكّد من هذه المعلومة، لكنّ هذه الزراعة فُقدت دون ورود معلومة دقيقة عن السبب، “هناك قصّتين حول الأمر، إمّا التغيّرات المناخية التي حالت دون استمرار هذه الزراعة، أو التهريب واحتكار المستوردين لهذا المُنتَج، أي الموز المستورد، لكن المعلومة المؤكّدة أنّها زراعة كانت موجودة سابقاً بكثافة”.
قصة الموز الحالية بدأت بالمردود العالي، تطوّر الأمر لاكتشاف أنّ البيئة جيّدة والتربة صالحة لهذه الزراعة، على الرغم من انتشار بعض الأنواع العشوائية قبل استيراد أصناف جديدة للزراعة. بعض المزارعين اتجهوا نحو زراعته ضمن البيوت البلاستيكية بدلاً من البندورة، لأنّ قدرتهم كانت ضعيفة على التجهيز، “هذه الزراعة ناجحة ضمن البيوت البلاستيكية كونها محمية من العوامل الخارجية؛ الأمطار والرياح والصقيع”.
تتوافر اليوم الشتلات بأنواع مختلفة، مستوردة ومحلية، وبأسعار منطقية. “تكلفة إنتاج هذه الزراعات، والعناية والمتابعة، مع برنامج ري وبرنامج تسميد، خارج البيت البلاستيكي أو داخله، سهلة وممتعة، وغير متطلِّبة”، يوضح خالد أنه حتى أمراض التربة قابلة للعلاج، لكنّ المحزن في كلّ هذا أن هذه الزراعة بدأت بشكل جيّد وتراجعت، “لو أنّ المردود ذاته، أو لو أنّه انخفض بطريقة منطقية، لكانت الناس استمرّت بها.. من تجربتي؛ هذه الزراعة جيّدة في حال تم تأمين ضوابط، العام الماضي زرعت الموز خارج البيوت المحمية، فالطقس في الأعوام الماضية ساعدنا، وكان الإنتاج والمردود جيّدين.. بعنا في السوق بسعر بين 7000 و 11000 ليرة، ولو أنّ السوق يسير ضمن ضوابط محدَّدة للبيع ومصادره كان من الممكن أن نبيع بين 10000 و15000 ليرة بحسب الجودة”.



تحدّيات وسمعة سيئة
الموضوع بشكل جازم مرتبط بتنظيم الأسواق، وليس فقط الزراعة، يؤكد خالد ويردف: “في حال نُظّمتُ زراعتي بطريقة جيّدة، وفي نهاية المطاف وجدت السوق يغرق ببضاعة منافسة عن طريق التهريب، ماذا سأستفيد من هذه الزراعة؟”، معتبراً أنّ هذه هي المعادلة الأخطر والأهمّ برأيه، والتي يتمّ تجاهلها من قبل المسؤولين عن هذه الزراعة، “يجب أن تكون الأسواق أكثر تنظيماً من قبل المديريات المسؤولة، وحتى الوزارة”، فالمزارع، بحسب خالد، قادر على التكيّف مع المناخ والظروف والكميّات بطريقة تخدم الزراعة والمحصول، لكن الخطر يكمن خارج المزرعة، وهذا الأمر ينطبق على مختلف الزراعات.
تتبع زراعة الموز إشاعات كثيرة، أشهرها تقول بإنهاء الموز لوجود الحمضيات في الساحل السوري، يقول خالد في هذا السياق: “أرى أنّها ستشكل حالة من التنوّع، فهي ليست زراعة بديلة عن أخرى، الفواكه الاستوائية لا يمكن أن تكون بديلة عن زراعة الحمضيات، فهي تُزرع ضمن شريط ساحلي يمتدّ من بانياس إلى المنطار، وليس على كامل المساحة، كلّما اتجهنا شمالاً الطقس يصبح أكثر برودة، وجنوباً التربة لا تناسبها”.
أما التخوّف الأكبر من زراعة الموز فيكمن في استهلاك المياه، وبحسب الجليل فهذه الزراعة لا تعتمد هذه على الأمطار بل على الريّ، لكن ريّها سهل، ويمكن تأمين الحاجة الكافية من المياه، “الأمر ليس بالصورة التي نتخيّلها عن هدر المياه، استهلاكها منطقي، والريّ إمّا عن طريق التنقيط أو المساكب، باعتقادي لا تشكّل خطراً على مصادر المياه، العبرة ليست بكميّة المياه بل بطريقة الريّ، فالمياه ستستهلك في أيّ نوع زراعي، لكن أفضّل أن يكون الرأي في هذا المجال لخبير مختصّ”.
في الوقت الراهن لا تتوفّر دراسات حالية تخصّ استهلاك الموز للمياه في الساحل السوريّ، لكن آراء الخبراء تنقسم إلى من يرى أن الزراعة العشوائية غير المحمية تستهلك كميّات كبيرة من المياه بطريقة لا فائدة منها، في حين يرى قسم آخر أنّ اعتماد الزراعة على أنظمة الريّ الحديثة ضمن البيوت المحمية يحدّ من استهلاك المياه ويجعلها ضمن الحدّ الطبيعي.
تعيش زراعة الموز في الساحل السوري تحت مظلّة كبيرة من التساؤلات حول المستقبل الزراعي والدعم المقدّم، والآثار التي قد تلحق بقطاع المياه من جهة، ومستقبل الزراعات المحمية في الساحل السوري من جهة أُخرى، ويبقى التساؤل الأكبر يخصّ المواطن العادي وأولويّة الموز على قائمته الغذائية مقارنة بحاجاته الغذائية اليومية ودخله المتواضع.



