ريكو راو (Rico Rau) – ترجمة لحلاح –
على مدى ثلاثة عقود، هيمن تأثير انبعاثات غازات الدفيئة في كوكبنا ومناخه على النقاش والسياسات المتعلّقة بتغيّر المناخ، ومن المؤكّد أنّ التحوّل بعيداً عن الوقود الأحفوري والانبعاثات الناتجة عنه ضروري ولا مفرّ منه من أجل تنظيم درجات الحرارة عالمياً على المدى الطويل.
لكن، ومع تزايد المخاطر، وفشلنا الجماعي في تحقيق أهداف خفض الكربون، فقد حان الوقت لكي نركّز جهودنا أيضاً على الاستراتيجيات القادرة على تحقيق أسرع تأثير ممكن في تبريد الكوكب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أنظمة الغذاء والمياه.
من بين هذه الاستراتيجيات تأتي استعادة التربة على نطاق عالمي. بحسب تقرير جديد صادر عن Save Soil وConscious Planet، فإن ثاني أكسيد الكربون، وفق المنهجية التي يعتمدها التقرير، يمثّل نحو 5% فقط من ديناميكيات حرارة الأرض، بينما ترتبط النسبة المتبقّية بالمياه وبصحّة التربة التي تنظّم دورة المياه.
تشير بيانات يستشهد بها المقال إلى أن 52% من الأراضي الزراعية في العالم متدهورة بالفعل. كما أنّ ما يقارب ثلث التربة في الولايات المتحدة يعاني من تآكل شديد، وبمعدّلات قد تصل إلى عشرة أضعاف معدّل تشكّل التربة طبيعياً، وفي أوروبا، يُعتقد أنّ 60–70% من التربة غير صحيّة، وخلال الخمسين عاماً الماضية، دُمّر نحو 410 ملايين هكتار من الأراضي الرطبة الطبيعية، وهي مساحة تفوق مساحة الاتحاد الأوروبي بأكمله، بتكلفة قُدّرت بنحو 5.1 تريليون دولار من خدمات النظم البيئية المفقودة، وقد وصف سادغورو، مؤسس حركة Save Soil، تدهور التربة أمام مجموعة من صانعي السياسات الأميركيين بأنه أزمة أمن قومي.
كيف تنظّم التربة درجة حرارة الأرض؟
تكمن الإجابة، بحسب الكاتب، في تنظيم دورة المياه، فالتربة الصحيّة تشكّل منظومة حيّة ومساميّة تحت سطح الأرض، تتكوّن من المادة العضوية والجزيئات المعدنية وشبكات الفطريات ومليارات الكائنات الحية الدقيقة.
تعمل هذه المنظومة على امتصاص المياه وتخزينها وإطلاقها من خلال عملية تُعرف باسم التبخّر-النتح (Evapotranspiration). هذه العملية تنقل قرابة 80 واطًا من الطاقة الشمسية لكلّ متر مربع إلى الغلاف الجوي، وهو ما يجعلها أحد أهمّ منظِّمات الحرارة على الأرض.
يضيف راو أنّ المتر المكعب الواحد من التربة الصحيّة يمكن أن يحتوي على نحو 25 ألف كيلومتر من الخيوط الفطرية، وعندما ندمّر هذه البنية من خلال الزراعة المكثّفة والزراعة الأحادية، فإننا لا نهدّد مصدر غذائنا الأساسي فحسب، بل نُضعف أيضاً إحدى أهم آليّات التبريد الطبيعية للكوكب، ومن هنا يرى الكاتب أنّ استعادة التربة يمكن أن تعيد تفعيل قوّة تبريد هائلة.
المسألة لا تتعلق بالمناخ وحده
حتى لو افترضنا عدم وجود تغيّر مناخي ناتج عن النشاط البشري، فإنّ الكاتب يرى أنّ هناك أسباباً قويّة جداً لاستعادة التربة على مستوى العالم، ويشير إلى أنّ الحرب الأخيرة في إيران ذكّرت العالم بمدى اعتماد نظمنا الغذائية على الأسمدة التي تعتمد في إنتاجها على الوقود الأحفوري، فارتفاع تكاليف هذه المدخلات عبر سلاسل الإمداد العالمية يضغط بشدّة على هوامش أرباح صغار المزارعين، الذين يعمل كثير منهم أصلاً في ظروف اقتصادية هشّة.
ينتج صغار المزارعين نحو ثلث غذاء العالم، ومع ذلك يحصلون على أقل من 1% من التمويل العالمي المُخصَّص للمناخ، وفي إفريقيا وآسيا، يمكن أن تصل مساهمتهم إلى 70–80% من إجمالي الإمدادات الغذائية، وبالتالي، عندما تنهار قدرة هؤلاء المزارعين على تحقيق دخل كافٍ، فإن آثار ذلك لا تتوقّف عند المزارع نفسه، بل يمكن أن تمتدّ إلى النظام الغذائي بأكمله.
الزراعة التجديدية
يرى الكاتب أن الزراعة التجديدية (Regenerative Agriculture) ينبغي أن تكون جزءاً من الحلّ، فمن خلال إعادة بناء المادة العضوية في التربة، يستطيع المزارعون تقليل اعتمادهم على المدخلات الاصطناعية، وزيادة قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه، واستعادة إنتاجية الأراضي التي استنزفتها أساليب الزراعة الصناعية.
هنا يشير المقال إلى بحث أُجري في ولاية كانساس الأميركية، يفيد بأن الانتقال الكامل إلى الممارسات الزراعية التجديدية يمكن أن يؤدّي، مع مرور الوقت، إلى زيادة ربحيّة المزارع بنسبة تصل إلى 120%. كما يورد رقماً لافتاً: فكلّ زيادة بنسبة 1% في المادة العضوية للتربة يمكن أن تمكّن الهكتار من الاحتفاظ بنحو 250 ألف لتر إضافية من المياه، أي ما يعادل تقريباً كميّة المياه الموجودة في مسبح صغير.
يؤكد راو أنّ العالم يحتاج إلى استراتيجيات مناخية تحقّق نتائج سريعة، ويلفت إلى أنّ عام 2026 يتّجه، بحسب المقال، ليكون عاماً آخر حافلاً بالظواهر الجويّة القياسية، مع توقّع أن يؤدّي عودة نمط إل نينيو (El Niño) إلى زيادة حدّة موجات الحرارة والجفاف التي أصبحت بالفعل غير مسبوقة.
في الوقت نفسه، أصبحت موجات الحرّ والفيضانات والجفاف أكثر تكراراً وشدة، وأكثر تكلفة من الناحية الاقتصادية. يذكر المقال أنّ الأضرار العالمية المرتبطة بالجفاف تتجاوز حالياً 307 مليارات دولار سنوياً، ويرى الكاتب أنّه لا يمكن للعالم أن يعتمد فقط على خفض الكربون، لأنّ استقرار درجات الحرارة يتطلّب وقتاً طويلاً، أما استعادة التربة، فيمكن أن تبدأ آثارها من اللحظة التي تبدأ فيها الأرض المتدهورة بالتعافي.
يُقدِّر المقال أنّ اختلال توازن الطاقة الذي يقود الاحترار العالمي يبلغ حالياً نحو 0.9 واط لكل متر مربع، بينما يمكن لاستعادة التربة الصحية والغطاء النباتي أن تعيد تفعيل قوّة تبريد تصل إلى 3 واط لكلّ متر مربع، كما يمكن لتحسين صحّة التربة في الأراضي الزراعية عالمياً أن يؤدًي إلى احتجاز ما بين 3 و5 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، ولهذا يخلص الكاتب إلى أنّ استعادة التربة يجب أن تسير بالتوازي مع خفض انبعاثات الكربون، وليس بدلاً عنه.
التربة كجزء من البنية التحتية العالمية
لا يقتصر دور استعادة التربة، بحسب المقال، على التخفيف من ارتفاع درجات الحرارة، فهي يمكن أن تساعد أيضاً في الحدّ من ندرة المياه، ودعم أنظمة الغذاء التي تواجه ضغوطاً متزايدة، وحماية المجتمعات الزراعية من تقلّبات تجارة الأسمدة الدولية، وتخزين الكربون، وتنظيم دورة المياه والحرارة.
لذلك يدعو راو الحكومات إلى التوقّف عن النظر إلى صحّة التربة باعتبارها قضية زراعية فقط، فالتربة الصحية، في رأيه، تمثّل بنية تحتية وطنية وعالمية أساسية، فهي خزّانات للمياه، وأساس لإنتاج الغذاء، ومخازن للكربون، ومنظِّمات للحرارة، وأحد الأسس التي يقوم عليها بقاؤنا الاقتصادي.
يدعو الكاتب إلى إنشاء إطار عالمي ملزم لحماية التربة، على غرار الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمناخ والمحيطات، ويختتم فكرته بتحذير واضح: إذا تعاملنا مع التربة على أنّها مجرّد “تراب” فسوف تتحوّل بالفعل إلى مجرّد تراب، أما إذا تعاملنا معها باعتبارها نظاماً حيّاً وأساسياً للحياة على الأرض، فإنّ استعادتها يمكن أن تصبح واحدة من أسرع الأدوات المتاحة أمامنا لمواجهة التغيّر المناخي، وحماية المياه والغذاء، ودعم المزارعين.
** ريكو راو (Rico Rau): اقتصادي بيئي ألماني، يشغل منصب نقطة الاتصال العالمية لشباب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD Youth Caucus)، كما يعمل مستشاراً في السياسات لدى Save Soil في جنوب الهند.
** نُشر المقال الأصلي بتاريخ 5 حزيران 2026 في موقع Earth.Org.



