سما المحمد –
على بعد أمتار من الفرن الآلي في مدينة جرمانا تتراكم أكوام النفايات على طول الشارع، وبجانبها ينتشر عدد كبير من بسطات الخضار والفواكه حتى الوصول إلى مدخل الفرن، في مشهد سوريالي تتداخل فيه صورة الطعام بالقمامة.
هذا المكان ليس وحده على هذه الحال، إذ يمكنك رؤية ذات الصورة في مناطق مختلفة من المدينة، داخل الحارات، قرب محال الألبسة وعلى المنصِّف في الشارع العام، وأينما التفت سترى كومة من القمامة متروكة بين السكان، ما يطرح سؤالاً جديّاً حول طبيعة الحياة التي يعيشها الأهالي في هذه المنطقة وكيف يؤثّر هذا المشهد على حالتهم الصحية والنفسية، خاصّة مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.
مدينة جرمانا ليست الوحيدة؛ إذ تنتشر أكوام القمامة في أماكن أخرى من مدينة دمشق وريفها، وعلى الرغم من الشكاوى المستمرّة من قبل الأهالي، يغيب أيّ تحرك جدّي لحلّ هذه المشكلة المستمرّة منذ وقت طويل.
أسباب أزمة النفايات
لا يمكن اعتبار أزمة النفايات مشكلة طارئة في دمشق وريفها، فقد أصبحت جزءاً من المشهد العام في غالبية المناطق، قد تختفي لبعض الوقت لكنّها تعود لتتفاقم من جديد. تقول مها: “تراكم النفايات، خاصة في فصل الصيف، كارثة فظيعة مع انتشار الروائح الكريهة والحشرات والقوارض. لا يمكنني تخيّل العيش في منزل وبجانبي هذه الكميّة من النفايات”. تعتبر مها نفسها محظوظة لبعد منزلها عن المَكبّ، لكنّها تعاني من المشكلة في مكان عملها الذي يقع قرب إحدى الحاويات الممتلئة بالقمامة، تضيف: “المشكلة تفاقمت منذ سقوط النظام السابق، لا يبدو أنّ هنالك حلولاً لها، أحياناً تبقى القمامة لشهر أو أكثر دون ترحيل، حتى أن بعض الطرقات أُغلقت من كثرة النفايات”.
تعود مشكلة تراكم النفايات في مدينة جرمانا لعدّة أسباب، منها ما يتعلّق بالكثافة السكانية العالية، وأخرى تتعلّق بالخدمات وإمكانية توفّرها. رئيس البلدية، سائر أبو رسلان، يقول لمجلة لحلاح إنّ الكثافة السكانية العالية في المدينة تؤدّي إلى إنتاج كميّة كبيرة من النفايات تصل إلى حوالي 800 طن يومياً مع وجود مجموعة كبيرة من العوائق لترحيل هذه القمامة، ويضيف موضحاً: “هناك قلّة في الموارد البشرية من عمّال وسائقين ومشرفين، بالإضافة إلى وضع الآليّات السيء عند استلامها من شركة E-CLEAN وأعمال الصيانة المتكرّرة للسيّارات المتهالكة والتكاليف العالية لذلك”.
كما يشير أبو رسلان إلى عدم وجود مكان يُستخدم كمرآب خاصّ بالبلدية، وعدم قدرة صرف تكاليف ورشات الصيانة مباشرة، ما يؤدّي إلى عزوف بعض ورشات الصيانة عن العمل، ويؤكّد أنّ ما يزيد من المشكلة وجود حالة من الفوضى وانتشار “النبّاشين” وعدم تقيّد بعض السكّان بأوقات وأماكن رمي القمامة.
من جهة ثانية تشكّل الكثافة السكانية سبباً آخر لهذه المشكلة بالنظر إلى “كثرة عدد الورشات والمطاعم والمعامل والوافدين قياساً للإمكانيات المتوفّرة”، كما أنّ بعد المكبّ الذي يقع في دير الحجر (70 كم ذهاباً وإياباً) يشكّل تحدياً للآليات المتهالكة بالإضافة إلى مصروف المحروقات، كما تضاف إلى ذلك بعض الحوادث الأمنية حيث “يمتنع بعض السائقين عن الذهاب للمكبّ نتيجة تعرّضهم لحوادث أمنية منها الاختطاف والاعتداء بالضرب بشكل مباشر”.
بحسب أبو رسلان تحتاج المدينة بشكل شهريّ لما يقارب المليار ومئتي مليون ليرة فقط لترحيل القمامة من كامل المدينة، فيما تبلغ الميزانية للعام الكامل 12 مليار ليرة سورية، ويتابع: “حتى لو لم ندفع رواتب ولا محروقات وبدون آليات أو أي مشاريع خدمية آخرى لن تكفي، نحن بحاجة إلى 14 مليار من أجل إتمام عقد النظافة في العام لتكون المدينة كما نحبّ، فالمشكلة بشكل أساسي تتمثّل بضعف الميزانية”.

المقترحات والحلول
نظراً لعمق المشكلة وتعقيداتها يقترح مجلس البلدية مجموعة من الحلول الممكن تنفيذها للحدّ من تراكم النفايات ولتأمين ترحيلها في الوقت المناسب، ومن هذه المقترحات: “تنفيذ طلب شراء لآليّات جديدة، وإمكانية توظيف عدد من العمال والسائقين، وتأمين مكبّ وسيط لتخفيف تهالك الآليّات وتوفير الزمن والمحروقات وزيادة كميّة النفايات المُرحّلة بشكل يومي”.
بالإضافة لذلك يعتبر أبو رسلان أنّ استعادة الآليّات المُعطّلة الموجودة لدى مديرية النظافة وإصلاحها قد يساعد في حلّ المشكلة، مع إمكانية تأمين مرآب للآليّات، “اقترح مجلس البلدية المبنى الحكومي في أمن الدولة سابقاً، مع تأمين حاويات جديدة لتعويض النقص”.
من ناحية أخرى من الممكن أن يساهم تبسيط الإجراءات الإدارية والمالية بما يخصّ صيانة الآليّات في الحدّ من المعوقات، والتعاون مع الجهات المختصّة لمنع ظاهرة “النبّاشين”، بحسب أبورسلان.
يعتبر مجلس المدينة أن هذه المقترحات قد تخفّف من شدّة الأزمة بشكل كبير إذا تمّ تنفيذها، فيما يعتبر أبو رسلان أنّ عدم إمكانية التنفيذ يترك خياراً واحداً أمام البلدية: “أن يتم توقيع عقد نظافة مع شركة خاصّة من الموازنة المستقلّة لكامل المدينة أو لجزء منها”.

التأثيرات البيئية والصحية
تشكّل أزمة النفايات في جرمانا تحدٍّ كبير يحتاج إلى بنية تحتية داعمة تساعد في التخلّص من هذه المشكلة وتأثيراتها، ويؤدّي التأخّر في حلّها إلى مخاطر تهدّد حياة السكان وصحّتهم، ما يستدعي من الجهات المعنية تحرّكاً سريعاً لمعالجة أسباب المشكلة وآثارها.
هنا لا بدّ من التأكيد على أنّ تأثير المشكلة لا يتوقّف على الجانب الجمالي للمدينة، بل تتحوّل مع مرور الوقت إلى مصدر تهديد للبيئة والصحّة، خاصّة عند تراكم النفايات لأسابيع وتحوّلها لمصدر للحشرات والجراثيم، ومن الممكن أن تتسرّب سوائل ملوّثة منها تتسبّب في تلوث التربة والمياه والهواء على حدّ سواء.
كما تشكّل النفايات بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات والقوارض، وتساهم هذه الأنواع من الحشرات في نقل الأمراض إلى الإنسان وتسبّب تلوّثاً للغذاء، من جهة أخرى تؤثّر الروائح الناتجة عن النفايات بشكل سلبي على الجهاز التنفّسي، خاصّة في حال حرقها، لذلك تحذّر منظمة الصحة العالمية من أنّ سوء إدارة النفايات الصلبة ليست مشكلة بيئية فقط، بل تمتدّ تأثيراتها إلى الجانب الصحي للإنسان نتيجة تلوّث الهواء والمياه والتربة خاصة لدى المجتمعات التي تعيش قريبة من مكبّ النفايات.



