رؤى النايف –
خلال جولة قصيرة في ريف دير الزور الشرقي، وتحديداً على الضفة الشرقية لنهر الفرات، لن تجد سوى صمت مطبق يلفّ مساحات شاسعة كانت إلى الأمس القريب تنبض بالحياة. هناك، حيث يعبر النهر حاملاً إرثاً عريقاً، تقف الأراضي الزراعية شاهدة على واحدة من أقسى المآسي البيئية والاقتصادية التي تضرب المنطقة، مهدِّدةً بتفريغ الريف من عمقه البشري والإنتاجي الذي لطالما شكّل سلّة غذائية متكاملة.
مئات الفلاحين الذين ورثوا الأرض جيلاً بعد جيل، وارتبطت أرواحهم بكل شبر فيها، وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها مُكرهين على هجران حقولهم التي تحوّلت إلى مساحات جرداء. لم يعد المشهد مجرّد تراجع عابر في الموسم الزراعي، بل هو تحوّل جذريّ ينذر بانهيار شبه تام لمنظومة الأمن الغذائي في عموم المنطقة الشرقية، في وقت تتقاذف فيه الأرض موجات الجفاف مع غياب أي شبكة أمان حكومية أو مؤسّساتية، لتبقى العائلات وحدها تواجه مصيراً مجهولاً بعد أن تقطّعت بهم السبل وضاعت مدّخراتهم، إن وُجدت.
يعتبر المزارع جميل الفارس، أنّ تراجع منسوب مياه نهر الفرات وانسداد مصارف المياه أثّرا بشكل مباشر على الأراضي الزراعية، موضحاً أنّ نقص المياه وارتفاع نسبة الملوحة أدّيا إلى تراجع إنتاج المحاصيل وخروج مساحات واسعة من الأراضي عن الاستثمار، يضيف: “نواجه اليوم صعوبة كبيرة في تأمين مياه الريّ، إلى جانب ارتفاع تكاليف تشغيل المضخّات وصيانة الشبكات، في وقت لم تعد فيه المحاصيل تحقّق عائداً يغطّي نفقات الزراعة”.
كما يشير إلى أنّ كثيراً من الأسر التي كانت تعتمد على الزراعة كمصدر دخل رئيسي اضطرت إلى البحث عن أعمال أخرى لتأمين احتياجاتها المعيشية. “نطالب الجهات المعنية بالإسراع في إعادة تأهيل مصارف المياه، وضمان وصول مياه الريّ إلى الأراضي الزراعية، وتنفيذ مشاريع للحدّ من زحف الرمال، إضافة إلى تقديم الدعم للمزارعين للحفاظ على ما تبقّى من أراضٍ صالحة للزراعة”، يقول الفارس.
الجفاف يبتلع كلّ شيء
المزارع خليل العطوان يؤكّد أيضاً أنّ تراجع منسوب مياه نهر الفرات تسبّب بتدهور الواقع الزراعي في المنطقة، لافتاً إلى أنّ ارتفاع ملوحة التربة وزحف الرمال أدّيا إلى انخفاض إنتاجية الأراضي، فيما أصبحت بعض المساحات غير صالحة للزراعة.
يرى العطوان أنّ استمرار الأزمة انعكس بشكل مباشر على دخل المزارعين بعد أن أصبحت تكاليف الزراعة تفوق قيمة المحاصيل المُنتَجة، الأمر الذي دفع عدداً منهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك الزراعة نهائياً، ودعا إلى تنفيذ حلول عاجلة تشمل تأهيل شبكات الري والمصارف، ومعالجة ملوحة التربة، وتثبيت الكثبان الرملية، مؤكّداً أنّ “إنقاذ الأراضي الزراعية يتطلّب تدخّلاً سريعاً قبل اتّساع رقعة التصحّر وخسارة المزيد من المساحات المزروعة”.

الأرقام تكشف فداحة الكارثة التي لا تزال تُدار بكثير من التجاهل، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى خروج ما يزيد عن سبعين ألف دونم من الأراضي الزراعية الخصبة تماماً من دائرة الإنتاج والاستثمار. هذه المساحات الضخمة لا تتوزّع عشوائياً، بل تتركّز في خريطة تشمل بلدات حيوية مثل موحسن، والقورية، العشارة، ومدينة البوكمال، وصولاً إلى امتداد ريف دير الزور الغربي.
لتقريب الصورة أكثر يكفي أن ندرك أن مساحة لا تتعدّى مئة دونم (حيث يساوي الدونم الواحد ألف متر مربع)، كانت قبل سنوات قليلة كفيلة وحدها بإعالة عائلتين كبيرتين بأطفالهم وشيوخهم، بل وكانت تفيض عن حاجتهم لرفد الأسواق المحلية والمجاورة بأطنان من محصولي القمح والقطن الاستراتيجية. اليوم، تحوّلت هذه الحقول التي كانت تتمايل سنابلها ذهباً إلى “أرض بور مقفرة”، تغطّيها طبقات من الأملاح والتشقّقات، وبات الفلاح الذي كان يطعم المئات يبحث عمّن يمدّ له يد العون.
أزمة صامتة
ما يجري في دير الزور ليس معزولاً عن سياق التغير المناخي العالمي، لكنّه يتّخذ هنا طابعاً كارثياً مدمّراً، ولطالما حذّرت الأمم المتحدة من “التصحّر” باعتباره أزمة صامتة وغير مرئية تعمل ببطء ولكن بثبات على زعزعة استقرار المجتمعات على نطاق عالمي، وهي تُصنّف بين أخطر التحديات البيئية في العصر الحديث، على الرغم من أن قطاعات واسعة من الناس لا تزال تجهل خطورتها أو تعجز عن فهم أبعادها الحقيقية، فهو ليس مجرّد تمدّد للرمال، بل هو قضية إيكولوجية واقتصادية متداخلة تتسبّب سنوياً في تدهور نحو اثني عشر مليون هكتار من الأراضي حول العالم، ملقية بظلالها الثقيلة على نحو أربعين بالمئة من سكان الكوكب، وضربت تداعياتها جميع القارات دون استثناء.
في البيئة الهشّة لمحافظة دير الزور، جاءت هذه الظاهرة العالمية لتلتقي مع ظروف محلية قاسية، لتعمل معاً على تدمير التنوّع البيولوجي والسلامة البيئية، وفتحت باب الفقر والبطالة واسعاً، مهدّدة النسيج الاجتماعي والاقتصادي، ومقوّضة أي فرصة للتنمية المستدامة.

في قراءة لأسباب هذه المأساة، يوضّح المهندس الزراعي غالب جلال الصالح أنّه “لا يمكن أن نحمّل الطبيعة وحدها وزر ما آلت إليه الأمور في دير الزور، فالجفاف وانحسار منسوب مياه الفرات يشكّلان نصف الحكاية فقط، أما النصف الآخر الأكثر مرارة فيرتبط ارتباطاً وثيقاً بسوء الإدارة وغياب البنى التحتية”، مشيراً إلى أنّه على الرغم من كل الصرخات، تكمن الذريعة المباشرة والسبب الرئيسي لخروج هذه المساحات الواسعة عن الاستثمار في مشكلة تقنية بحتة لكنها قاتلة، وهي عدم تعزيل مصارف المياه.
لقد تحوّلت شبكات الصرف الزراعي ومجاري المياه التي تغذّي الأراضي وتصرف ملوحتها إلى مكبّات ضخمة للطمى والأوساخ والأعشاب المائية، وباتت مسدودة بالكامل. ويعود هذا الشلل المروّع في قطاع الريّ والصرف، بحسب الصالح، إلى غياب تام للآليات والمعدّات الثقيلة الكافية لتنفيذ عمليات التطهير والتعزيل الدوري. ومع غياب هذه الآليات، بقيت مياه الريّ محاصرة أو عاجزة عن الوصول، وارتفعت نسب الملوحة في التربة بشكل جنوني، لتصبح الأرض صلبة كالصخر، عاجزة عن احتضان أي بذرة.
ما يمكن إنقاذه!
أمام هذا المشهد القاتم، يؤكّد الصالح أنّ “إنقاذ دير الزور من التحوّل الكامل إلى صحراء قاحلة يتطلّب تدخّلاً عاجلاً وفورياً يتجاوز الحلول الإسعافية البسيطة”، ويضع خارطة طريق عملية تبدأ بمعالجة أصل الداء، عبر إطلاق ورشة عمل هندسية مكثّفة لتأمين الآليات الثقيلة اللازمة لتعديل وتعزيل مصارف المياه وشبكات الريّ في عموم بلدات المحافظة المتضرِّرة، وإزالة الترسّبات التي تخنق شريان الحياة في الأرض.
بالتوازي مع ذلك، تبرز الحاجة الملحّة لتبنّي استراتيجيات إدارة مائية ذكية، تعتمد تقنيات الريّ الحديثة للحدّ من الهدر، وتوظيف حلول الطاقة المتجدِّدة كضخّ المياه بالطاقة الشمسية لتجاوز عقبة نقص المحروقات والكهرباء.
يختتم الصالح رؤيته بالتأكيد على “ضرورة إطلاق حزام غابيّ ومصدّات رياح نباتية تحيط بالحقول وتمنع زحف الرمال، فضلاً عن أهمية تقديم دعم حقيقي وموجّه لصغار المزارعين من خلال توفير التقاوي المقاومة للملوحة والجفاف، وإعادة الاعتبار لمهنة الزراعة التي قامت عليها حضارة الفرات منذ القدم”، معتبراً أنّ ” الأزمان، وإن “حماية الأرض ليست مجرّد شأنٍ بيئيّ، بل هي قضية وجود وكرامة إنسانية وأمن غذائيّ لا تملك المنطقة ترف خسارته”.



