ليلى جروج –
على ضفة الفرات في دير الزور، اعتاد المهندس أحمد ايدك، خبير التنوّع الحيوي والحياة البرية، مراقبة الطيور وتصويرها، ولأنّ عين الباحث لا تنظر فقط بل تلاحظ وتدقّق، لفتت نظره جحور العقارب في المنطقة، حيث لاحظ وجود جحور على جرف طيني مختلفة عمّا يراه عادةً، “أثارت أماكن الجحور انتباهي، ولأنّ العقارب لاتخرج نهاراً، فقد عدتُ إلى الموقع ليلاً مع مصباح أشعة UV للحصول على بعض العيّنات”.
بدأ الأمر بجمع ايدك لعدد معيّن يكفي للفحص، وبعد الفحص المجهريّ تأكّد أنّه نوع جديد، وكان الاكتشاف: إنه العقرب الأوزاري!
لكن، وللوصول إلى المرحلة التالية كان لا بدّ من الوقوف على ذكريات ايدك المؤلمة، يقول: “أذكر في عام 2001 غادرت البلاد لسنوات.. كنت أملك حينها عيّنات حيوانية من أندر الأنواع، وكان بعضها على حافة الانقراض، وريّما بعضها انقرض اليوم من سوريا.. حاولتُ وضع العيّنات حينها في كلّ من جامعة دمشق وجامعة حلب، لكن رُفض طلبي، مع العلم أنّ مثل هذه المبادرات تُقابل بالترحيب الكبير والتقدير في مختلف أنحاء العالم بما في ذلك الدول العربية”.
افتقار سوريا لوجود متحف للتاريخ طبيعي أو مجموعة تخصّ الجامعات وتكون مسلجّة على المنصّات الدولية المعتمدة يضعها بين الدول الأكثر ضعفاً في هذا المجال، “لذلك نجد أنّ كلّ الأنواع البرية المصنّفة في سوريا موجودة في دول أخرى” يقول ايدك، الذي دفعه حبّه لما يقوم به إلى تقديم عرض تطوّعي لجامعة الفرات، ويضيف موضحاً: “طلبتُ من الجامعة تقديم غرفة مع بعض التجهيزات البسيطة، على أن أتكفّل بنفسي بإنشاء المجموعة وتسجيلها على المنصّات الدولية لتكون أوّل مجموعة سوريّة للعيّنات الحيوانية البريّة، وأن أقوم أيضاً بتجهيز العيّنات، وتدريب الطلاب، ومساعدتهم على النشر العلمي في هذا المجال، لكنّ الفكرة رُفضت مع الأسف”.
هذه الأسباب دفعت المهندس أحمد ايدك إلى الاعتقاد بأنّ “البلاد لا ترحّب بالعيّنات المُكتشفة، بعيداً عن هوية المُستكشِف، فالعيّنات يجب أن تُرسل إلى دول أُخرى ليسجّل النوع المُكتشَف عالمياً”، ثم يتابع: “لذلك اضطررت إلى إرسال هذا النوع إلى صديق تركي متخصص بجنس هذه العقارب”.
أوزارا في قلب الاكتشاف الجديد
بعد الاكتشاف وتوثيق النوع تأتي مرحلة تسميته، وكان ايدك قد قرّر مُسبقاً تسمية أيّ نوع يكتشفه في دير الزور بالأوزاري تيّمناً بأوزارا، الاسم التاريخيّ لمدينة دير الزور في العصر الروماني، رغبةً منه في تخليد اسم مدينته في الأدبيات العلمية العالمية. في منزله الذي جعل منه مخبراً، “فلا مكان آخر للعمل”، عاين ايدك مشاعر الفرح المختلطة عندما اكتشف هذا النوع الجديد من العقارب، مثل أيّ باحث في العالم، يقول: “شعرتُ بفرحة كبيرة جداً بسبب هذا الإنجاز، لأنّه إنجاز علميّ يفخر به أيّ باحث في العالم، وشيء رائع جداً أن تكتشف نوعاً جديداً وتقوم بتسميته”.


بدأ ايديك بمراقبة الحياة البرية في سوريا منذ ما يقارب 25 سنة، وتفرّد بحصيلة من الدراسات وعمليات التصوير والتوثيق للحياة البرية في سوريا، ويُعتبر أوّل من قدّم دراسات حول الفقاريات البرية في سوريا، ومثلها عن الثدييات والبرمائيات والسلاحف، وأول دراسة وكتاب عن الأفاعي، وآخر تحديث لقائمة الطيور البرية، وكلّها نُشر في مجلات علميّة عالمية، يقول: “أراقب كلّ شيء وأوثّق كلّ ما أرى من طيور أو حيوانات أو نباتات، فهي ليست رحلة مخصصة لموضوع واحد فقط”.
عمل طويل رغم غياب الدعم
تصعب سوريا وابتعادها عن الاستكشاف والتوثيق على المهندس أحمد ايديك، ويبقى موضوع تقدّم مختلف الدول، بما في ذلك دول الجوار، في هذه المجالات حاضراً أثناء حديثه عن أهمية توثيق الحياة البرية في سوريا، يقول: ” “تعتبر سوريا كنزاً غير مُكتشَف للتنوّع الحيويّ، وأنا واثق تماماً بوجود العديد من الأنواع غير المُكتشفة، جميع دول العالم بما فيها دول الجوار قطعوا مراحل كبيرة وأشواطاً متقدمة في مجال التنوّع الحيويّ، لكن في سوريا، إلى الآن، لم يعمل أحد من الجامعات السورية بشكل فعليّ في مجال الأنواع الحيوانية مع الأسف إلا ماندر، جميع الأبحاث العلمية للأنواع البرية هي من عمل الباحثين الأوروبيين، باستثناء المرحوم الدكتور عدوان شهاب، والذي خسرناه خلال سنوات الحرب”، ويردف: “انعدام الدعم المقدّم كان وما زال أحد أهمّ التحديّات التي تواجه عمليّات التوثيق والاستكشاف.. لا يوجد أيّ دعم من أيّ جهة لا لهذه الرحلة ولا لغيرها، منذ ثلاثين عاماً وأنا أعمل على حسابي الشخصي”.
قطع ايدك سابقاً مسافات طويلة على كامل الجغرافية السورية، وكان الأصدقاء في مختلف المحافظات هم المساندون الحقيقون له، “على الرغم من وصول ملايين الدولارات لدعم التنوّع الحيويّ إلا أنّها لم تذهب يوماً لصالح الدراسات أو الأبحاث، أو لمكانها الصحيح.”
اكتشاف العقرب الأوزاري هو الأوّل من نوعه في مسيرة ايدك، لكن للتوثيق محطّات مميّزة في حياته، يوضّح: ” كنتُ أوّل من وثّق وجود سمك الحفش في نهر الفرات، وكذلك النمس الهندي، والعديد من أنواع الطيور البريّة أيضاً”، ويُعرف التوثيق بأنّه الوصول إلى نوع موجود في مكان ما من العالم، لكن يتمّ تسجيله للمرّة الأولى في سوريا مثلاً، أما الاكتشاف فهو يتعلّق بنوع غير موجود في العالم، وتمّت تسميته كنوع جديد على مستوى العالم، كما في حالة العقرب الأوزاري.


لم تكن رحلة ايدك للوصول إلى هذا الإنجاز سهلة، فهي هواية طوّرها واهتمّ بها، واجتمع عندها الشغف بالعلم، “حتى الكتب والمراجع التي احتجتها في الزمن الذي لم يكن فيه إنترنت، كنت أطلبها من بريطانيا أو أوروبا على حسابي الشخصي، لأنّ في سوريا لا يوجد توصيل عبر البريد”، وحتى الآن لا تتوفّر هذه الخدمات في سوريا، وهذه الطريقة كانت مكلفة جداً لأن المرجع يكلّف ضعف سعره ليصل إلى سوريا، “في أي عمل علمي لا يمكن أن يكون المال فقط هو كلّ ما يطمح له الإنسان”، يضيف ايدك.
يرى ايدك أنه من الصعب توجيه رسالة إلى “رفاق النجاح”، إذ لا كلمة ولا جملة يمكن أن تصف الأشخاص الذين وقفوا معه وساعدوه، وخاصة الأصدقاء الذين شاركوا في الجولات والوصول إلى العيّنات، ” لا كلام يمكن أن يصف شكري لهم ولدعمهم”، كما يؤكّد أنّ كثيراً من الشباب يحبّون هذا المجال، من تعليم واستكشاف وتوثيق للحياة البرية، لكنّ الإمكانات المحدودة وأيّ محاولة لتطوير العمل، من حيث الجولات وتكاليفها أو شراء كاميرا، تشكّل عائقاً أمامهم، لذا يُعرب عن أمله في أن تهتمّ الجامعات السورية بهذا المجال، ويختم حديثه بالقول: “عندما نقول إن سوريا دولة لا تملك متحف تاريخ طبيعي، والجامعات ليس لها مجموعة مسجّلة دوليّاً لوضع العيّنات، فهو شيء مؤسف جداً، ومع الأسف تلقى هذه الأعمال دائماً ممانعات من قبل بعض المتنفّذين، لأنّ في هذه الحالة ستُكشَف أبحاثهم وأخطاؤهم العلمية”.



