لحلاح –
في الثلاثين من تموز الفائت بلغت البشرية “يوم تجاوز موارد الأرض” (Earth Overshoot Day)، وهو التاريخ الذي نكون فيه قد استهلكنا من الموارد والخدمات البيئية ما يتجاوز قدرة الأرض على تجديده خلال العام نفسه، وفق حسابات Global Footprint Network.
البيانات المتوفّرة تظهر أنّ سكّان الأرض يستخدمون الطبيعة حالياً بمعدّل يتجاوز قدرتها على التجدّد بنسبة 73%؛ أي أن نمط الاستهلاك العالمي يعادل موارد وخدمات بيئية يوفّرها 1.73 كوكب مثل الأرض. وتصف الشبكة مستوى التجاوز في 2026 بأنه الأعلى في التاريخ المُسجّل.

تأخّر التاريخ لا يعني التحسّن
قد يبدو للوهلة الأولى أنّ هناك تحسّناً مقارنة بعام 2025، عندما حلّ يوم التجاوز بتاريخ 24 تموز، أي أن تاريخ 2026 تأخّر ستّة أيّام. لكن؛ هذه القراءة ستكون مُضلِّلة، فبحسب Global Footprint Network، أدّت تحديثات البيانات، ولا سيّما إعادة تقييم قدرة المحيطات على امتصاص الكربون، إلى تأخير التاريخ ثمانية أيّام. وفي المقابل، أدّت التغيّرات الفعلية في الاتجاهات البيئية إلى تقديمه يومَين. وكانت النتيجة النهائية تأخّر التاريخ ستة أيام، لكن ليس بسبب تحسّن بيئي حقيقي، لأنّ يوم تجاوز موارد الأرض هو حساب إحصائي يقارن بين البصمة البيئية للبشرية والقدرة الحيوية للكوكب، وليس يوماً تنفد فيه موارد الأرض حرفياً.
هذا وتختلف الصورة بشدّة من دولة إلى أخرى. ووفق حسابات Global Footprint Network، إذا عاش سكان العالم جميعاً بمستوى استهلاك سكّان قطر، لنفدت ميزانية الأرض السنوية في الرابع من شباط، ما يعني الحاجة إلى موارد تعادل نحو عشرة كواكب. وتأتي لوكسمبورغ في المرتبة التالية في 17 شباط (7.7 كوكب)، ثم سنغافورة في 23 شباط (6.8 كوكب)، والكويت في 3 آذار (6 كواكب). أما الولايات المتحدة فيحل يوم تجاوزها في 14 آذار، بما يعادل استهلاك 5.1 كواكب، بينما يأتي اليوم المقابل للصين في 27 أيّار (2.5 كوكب). من جهة أخرى، لا تسجّل دول مثل الهند وبنغلاديش ونيجيريا يوم تجاوز، لأنّ استهلاك الفرد فيها لا يتجاوز نصيب الفرد من القدرة الحيوية العالمية.

دين بيئي يتراكم
بدأ التجاوز البيئي العالمي في أوائل سبعينيات القرن الماضي. ومنذ ذلك الوقت تراكم ما تسمّيه الشبكة “الدين البيئي”، ويعادل حالياً نحو 20.6 سنة من الإنتاجية البيولوجية الكاملة للأرض، وإذا استمرّ التجاوز بالمعدّل الحالي، فإنّ هذا الدين سيزداد بنحو 0.73 سنة-كوكب كلّ عام.
آثار هذا الاستنزاف تظهر في إزالة الغابات، وتآكل التربة، وفقدان التنوع البيولوجي، وتراكم ثاني أكسيد الكربون، وتزايد مخاطر الظواهر الجوية المتطرّفة وتراجع إنتاج الغذاء.
كما ارتفع، وفق بيانات NOAA التي تستشهد بها الشبكة، تركيز غازات الدفيئة من 367 جزءاً في المليون من مكافئ ثاني أكسيد الكربون عام 1972 إلى 547 جزءاً في المليون عام 2026.
وتمثّل البصمة الكربونية 61% من البصمة البيئية للبشرية، ما يجعل التحوّل في قطاع الطاقة أحد أهمّ مفاتيح تغيير المسار، وتقدر الشبكة أنّ خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري بنسبة 50% يمكن أن يؤخّر يوم تجاوز موارد الأرض بنحو ثلاثة أشهر، إلا أنّ الحلّ لا يقتصر على الطاقة فقط، إذ تدعو الشبكة إلى تغييرات في المدن والغذاء والطاقة وحماية النظم البيئية، إلى جانب تحسين كفاءة استخدام الموارد.
لذلك لا تنظر الشبكة إلى التجاوز باعتباره مشكلة بيئية فحسب، فالاعتماد المتزايد على موارد محدودة يمكن أن يفاقم مخاطر الغذاء والطاقة والصحة ويجعل الاقتصادات أكثر عرضةً للصدمات، وتشير إلى أنّ معظم الحكومات لا تزال لا تضع مخاطر التجاوز البيئي في قلب التخطيط الاقتصادي، رغم أنّ استنزاف الموارد أصبح يؤثّر بالفعل في الاستقرار الاقتصادي.



