للمياه في مصياف طعم ولون ورائحة: تلوّث جرثومي أم عطل في مضخّة الكلور؟

ليلى جروج –

كلّ شيء بدأ بألم في المعدة، لم تتوقّع نهاد (اسم مستعار) أن يكون ابنها أوّل المصابين في منزلهم، “صيف، وتقلّبات طقسية، لكن لم نتوقّع إصابة تنتقل إلينا جميعاً”. ألم في الأمعاء، إقياء وإسهال، “كأنّكِ تفقدين السيطرة على جسدك، ولا تقدرين على رفع رأسك.. 24 ساعة من النوم المتواصل”.

كلّما حاولت نهاد ترتيب كلماتها ومحاولة تذكّر كيف حدث كلّ هذا، تعود إلى فكرة استبعادها الأوّلي لأن تكون المياه المسبّب له، “كنت وعائلتي قبلها بيوم في المسبح، وتناول الأطفال “السلاش” من السوق، اعتقدنا في البداية أنّه كان السبب، لكنّ الأمر انتقل من بيتنا إلى بيت أختي وإلى جيراننا، ثمّ إلى الحي الذي يبلغ عدد سكانه على الأقلّ 1500 نسمة”.

في مصياف؛ كلّ ثلاثة أو أربعة أيّام تصل المياه إلى حيّ محدّد، تقول مها (اسم مستعار) التي تعيش حالة من الترقّب بعد إصابة بعض أفراد عائلتها، لكنها لم تتعرّض لأي إصابة: “وصلت المياه يوم الجمعة إلى حي القصور، والسبت بدأت الإصابات والأعراض تظهر على الناس بشكل واضح هناك”، وتردف: “غياب المعلومات الرسمية جعلنا نستبعد المياه بشكل مطلق، صرّحوا بداية أنهم يستبعدون تلوّث المياه، بعد إجراء التحاليل اللازمة، إلى أن جاء تصريح وزارة الصحّة الذي قال بوجود تلوّث في المياه، هنا اختلف كلّ شيء”.

التصريحات الرسمية في منطقة مصياف اعتمدت على نتائج فحوصات وعيّنات من مياه الشرب، حيث أكّد رئيس شعبة الهلال الأحمر العربي السوري في مصياف، الدكتور عمار حسامو للمكتب الإعلامي في منطقة مصياف  يوم 12 تموز أن نتائج التحاليل الأولية لم تُظهر وجود أيّ تلوّث في مياه الشرب ناتج عن اختلاطها بمياه الصرف الصحي، مشيراً إلى أنّ المياه خالية من العكارة والروائح، إضافة إلى خلوّها من مادة الأمونيا التي تُعد من أبرز المؤشّرات على حدوث هذا النوع من التلوّث. 

في تصريحها للمكتب الإعلامي في منطقة مصياف قالت مديرة المنطقة الإشرافية الصحية في منطقة مصياف، الدكتورة رانيا الحاج إبراهيم، إنّ فرق التقصي الوبائي قامت بحصر جميع الحالات المبلغ عنها وتوثيق توزّعها السكاني والجغرافي، مشيرةً إلى أن نتائج التحاليل الأولية للزرع الجرثومي والتي ظهرت يوم 13 تموز كانت بمعظمها مطابقة للمعايير الصحية، وأضافت أنّه لم تُسجّل أي مؤشرات أولية على تلوّث مياه الشرب في المواقع التي جرى أخذ العيّنات منها وفحصها، وأكدت مجدداً للمكتب الإعلامي في منطقة مصياف يوم 14 تموز أن نتائج الزرع الجرثومي الثانية لعيّنات مياه الشرب جاءت سلبية، ما يؤكّد حتى الآن سلامة المياه وصلاحيتها للشرب، وعدم وجود مؤشرات مخبرية على تلوّثها، وأضافت أن لجنة متخصصة من مديرية صحة حماة باشرت بسحب عيّنات إضافية من مصادر مياه الشرب في مختلف أحياء مدينة مصياف، وذلك بهدف زيادة التأكّد من سلامة المياه وتعزيز الإجراءات الاحترازية.

كما وكانت وزارة الصحة قد أعلنت عبر موقعها الإلكتروني يوم 15 تموز أن نتائج زرع العينات المأخوذة من المرضى للتحرّي عن الكوليرا سلبية، كما بيّنت نتائج فحص جزء من عيّنات المياه أنها سليمة من الناحية الجرثومية. كذلك أكّدت الوزارة مواصلة فرق الترصد والاستجابة الوبائية عمليات التقصي الميداني، ومراجعة البيانات الصحية، وتحليل التوزّع الزماني والجغرافي للحالات، بالتوازي مع مراقبة مصادر مياه الشرب، وسحب العيّنات، وإجراء الفحوص المخبرية والبيئية، بالتنسيق مع الجهات المعنية.

كثرت التصريحات والشكوك بين تأكيد الأمر ونفيه إلى أن  أعلنت وزارة الصحة عبر موقعها الإلكتروني مساء يوم 17 تموز عن العدد التراكمي للحالات التي راجعت المشافي من تاريخ 11 تموز وحتى صباح 16 تموز والذي بلغ 769 حالة، استدعت الحالة الصحية لـ38 منها القبول في المشفى الوطني و20 حالة في المشافي الخاصة، وجميعهم بحالة صحية جيدة. وفور الإبلاغ عن تزايد الحالات، فعّلت الوزارة ما أسمته بالاستجابة الوبائية، وبعد استكمال التحاليل المخبرية الدقيقة للعيّنات التي تمّ جمعها، أظهرت النتائج سلبية التحرّي عن الكوليرا في الاختبارات السريعة والزرع الجرثومي، بينما كشفت الفحوصات المخبرية عن وجود تلوّث جرثومي في معظم عيّنات المياه المفحوصة، كما أظهرت نتائج الزرع الجرثومي للعينات الغذائية وعيّنات مياه الشرب من مصادر متعدّدة أنها غير صالحة من الناحية الجرثومية.

هنا اختلف كلّ شيء بالنسبة لمها، تملأ “طنجرة” من مياه الصنبور، تضعها على الغاز، وتقول: “لم نتمكّن من الحصول على مياه معلّبة اليوم، لذا يجب أن نغلي المياه لمدّة ست دقائق، وبعدها أنتظرها أنا أو والدتي إلى أن تترسّب وننقلها إلى “الكولر”، وبعدها تصبح صالحة للشرب أو الأكل أو غسيل الخضار”. لا تخفي مها غضبها وإحساسها بالعجز، تطرح سؤالاً على نفسها حول باقي الناس، ماذا يفعل من لا يملك سعر أنبوبة غاز ليغلي عليها الماء، وماذا عن استخدام الطبّاخ الليزري الذي سينعكس غلي الماء باستخدامه على فواتير الكهرباء القادمة.

“في المدينة مجموعة من الآبار التي نعرف عنها أنها تختلط بمياه الصرف الصحي في الحارة الشرقية من المدينة، لكن هذه المرة مختلفة لأن التلوّث شمل حارات جديدة بعد ضخّ المياه مثل حارة القصور، وهو ما شكّل لدينا حالة من الصدمة والخوف من أن جميع أحياء المدينة معرّضة لذات الأمر، لأن المرّات السابقة كانت تحدث بعد المطر وفيضان المياه الجوفية التي قد تختلط، أما هذه المرّة فحدثت في منتصف الصيف”، توضّح مها.

لم يكن إعلان وزارة الصحة آخر ما صدر عن جهة رسمية، حيث أعلنت  مديرية صحة حماة يوم 19 تموز عن تنفيذ جولة ميدانية مشتركة مع الشركة العامة لمياه الشرب في حماة وإدارة منطقة مصياف للاطمئنان على سلامة مياه الشرب في المنطقة، وشملت الجولة أخذ عينات جديدة من المياه لإجراء الفحوصات المخبرية اللازمة، وأوضحت المديرية أن الفحوصات كشفت عن وجود خلل فني في مضخّة حقن الكلور في أحد الآبار، وقد تم إصلاح هذا الخلل فوراً، كما تم التأكيد على عدم وجود أي تلوّث ناتج عن مياه الصرف الصحي.

كما أكّدت المديرية أن نتائج الفحوصات بعد إجراء الصيانة بيّنت أن مياه الشرب في مصياف مطابقة للمواصفات القياسية وخالية من أي ملوّثات، وهي صالحة للاستخدام والشرب، مطمئنة الأهالي إلى عدم وجود ما يستدعي القلق.

تحاول نهاد فهم ما يحصل من حولها، تقول إنّها لم ترَ كائنات دقيقة كتلك التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مياه خزّانها، لكنّها لا تعرف إن كانت تتوهّم ما رأته في حوض استحمامها، “أصبح للمياه لون ورائحة وأحياء دقيقة تعيش داخلها، لا يمكنني التمييز بين الوهم والحقيقة”.

تضيف: “نعتمد اليوم على بيدونات نشتريها بشكل دوري، كل يومين نحتاج خمسة بيدونات للشرب والطهي، انقسم الناس إلى قسمين، كما في مختلف الأزمات التي اعتدنا حصولها في بلادنا، فقد عرض كثير من الناس آبارهم المنزلية للجميع لتعبئة المياه منها، ومنهم من وزّع المياه مجاناً، وعلى الجهة الأخرى هناك من رفع سعر قنينة المياه بحجم ليتر ونصف إلى ضعف سعرها.. لا نعلم إلى متى سيستمرّ هذا الأمر، وإلى أي جهة سنستمع، ولا أعلم حتى إن كنت قادرة على قبول استخدام مياه الصنبور مجدداً”.

Scroll to Top