رؤى النايف –
بينما يغرق العالم في البحث عن حلول تكنولوجية معقّدة لمواجهة الاحتباس الحراري وشحّ المياه، يعكف حرفيون سوريون على إنجاز “فعلٍ ثوري” بصمت؛ إنّهم يحوّلون التراب إلى وسيلة بقاء، في وقتٍ بات فيه الوصول إلى مياه شرب نظيفة تحديّاً يوميّاً يواجه آلاف العائلات في المنطقة الشرقية، التي تعيش اليوم أزمة عطشٍ مزدوجة قوامها نقص الكميات وتلوّث المصادر.
كيمياء الطين في مواجهة التلوّث
في شرق الفرات، لا تقتصر المشكلة على الجفاف فحسب، بل تمتدّ لتشمل نوعيّة المياه التي تصل إلى المنازل. ففي القامشلي مثلاً، حيث يعتمد الناس بشكل أساسي على الآبار والمياه الجوفية، أدّى انخفاض مستويات المياه إلى زيادة تركيز الملوّثات والمعادن الثقيلة، ما جعل الحصول على شربة ماء نظيفة تحديّاً يومياً يهدّد صحّة العائلات وسلامتهم.
هذا الواقع المأساوي يمتدّ ويتجلى بأبشع صوره في محافظة دير الزور أيضاً، كما يصفه الحرفي محمود المحمد بالقول: “نعيش وضعاً بالغ القسوة والتعقيد بعد كارثة فيضان نهر الفرات التي أخرجت أكثر من 55 محطة مياه رئيسية عن الخدمة بشكل كامل. هذا الدمار الهائل في البنية التحتية حرم آلاف العائلات من الوصول إلى شبكات المياه النظامية، ودفع السكان نحو مصادر بديلة وغير خاضعة لأي رقابة صحية، ومع توقّف محطّات الضخّ وتلوّث المجاري المائية، أصبحت الحاجة الماسّة إلى تركيب أنظمة وفلاتر تنقية منزلية مسألة حياة أو موت، ودرعاً أفضل يحمي الأطفال والكبار من شبح الأمراض السارية والأوبئة المتفشية، في ظلّ عجز الجهات المعنية عن تقديم حلول جذريّة وسريعة تُنهي معاناة الأهالي اليومية”.
في مواجهة ذلك، ومن خلال ورشته المتواضعة في قلب مدينة القامشلي، يلخّص الحرفي أنطون بيدروس فلسفة صناعة الفخّار: “إن سر المزملة التراثية يكمن في كيمياء الأرض نفسها وتناغمها الأزلي مع الطبيعة. أنا لا أختار التراب عشوائياً، بل أُنتقي بعناية فائقة وتجربة طويلة التربة الغضارية، تلك التي تتميّز بخصائص فيزيائية فريدة ومسامية دقيقة تكسبها قدرة استثنائية على ترشيح المياه بعد إخضاعها لعمليات حرق دقيقة، وبهذه الصنعة اليدوية المتوارثة التي تختزل سنوات من الخبرة، أنجح في إعادة تدوير نواتج حفريات الأبنية وما تخلّفه من طمي مدفون، محوّلاً إياه إلى ما يشبه الطين الحيّ الذي يعمل كمصفاة طبيعية فائقة الدقّة. هذه المصفاة لا تكتفي باحتجاز الدقائق والشوائب العالقة فحسب، بل تمنح الماء برودة طبيعية منعشة ومذاقاً عذباً يخلو تماماً من أي طعم معدني أو شوائب كيميائية، لتشكّل هذه الحرفة العريقة صفحة مضيئة من الحلول البيئية المستدامة التي تعيد ربط الإنسان بجذوره في مواجهة قسوة شح المياه وتغير المناخ”.

التربة الغضارية وخصائصها
لا يكتفي الحرفيون بجمع أي نوع من الطين العشوائي أو المتناثر على سطح الأرض؛ فسرّ المزملة الكامن في قدرتها الفريدة على التنقية والتبريد يعود إلى كيمياء الأرض نفسها وخبرة متوارثة تمتد لأجيال طويلة من الملاحظة والتجربة، وهؤلاء الحرفيون يبحثون بدقة متناغفة عن التربة الغضارية أو الطين النقي، وهي تربة استثنائية تتميز بمرونتها العالية وقدرتها الفائقة على التماسك والتشكل أثناء الصنعة. لكن السرّ الحقيقي والأهمّ يكمن في بنيتها التي تكتسب مسامية دقيقة ومدروسة عقب تعرضها لعمليات الحرق البطيء في الأفران التقليدية.
في عتمة ورشهم الدافئة، التي تعبق برائحة الفخار، يمزجون تلك التربة بنسب دقيقة ومدروسة بعناية فائقة، محترسين في انتقاء الطين الغني بالمعادن الطبيعية التي تتناغم مع الماء ولا تتفاعل سلباً معه، بل تثريه وتمنحه مذاقاً عذباً نقيّاً يروي العطش. وتعمل تلك الحبيبات المترابطة كمصفاة مجهرية بالغة الدقة، قادرة على احتجاز الشوائب والترسّبات العالقة دون أن تجرّد الماء من خصائصه الحيوية أو تفقده طبيعته النقية.
وهكذا، تتحوّل هذه التربة المستخرجة غالباً من أعماق الطبقات الأرضية البكر التي تظهر أسرارها خلال حفريات البناء الحديثة إلى ما يشبه الطينة الحية التي ترفض الانغلاق أو الجمود؛ فهي تتنفّس مع الماء بحريّة، وتسمح بتبخير أجزاء دقيقة منه عبر المسام لتخفيض درجة حرارته طبيعياً في أشدّ أيّام الصيف قسوة، فضلاً عن تصفيته ببطء وذكاء بيئي مذهل.
هذا التناغم البديع والاتصال العضوي بين الإنسان والأرض يجعل الفخار المصنوع يدوياً يتفوّق بمراحل واضحة في جودته ونظافته وسلامته على الأواني الصناعية البحتة التي تُنتج في قوالب جاهزة تفتقر تماماً إلى هذه الروح الإنسانية، وتخلو من تلك الخصائص الفيزيائية الحية التي تجعل من كلّ رشفة ماء رحلة عودة أصيلة إلى عبق التاريخ وبساطة الطبيعة الأولى.

استدامة طبيعية دون نفايات
على رفوف المنازل، وفي زوايا البيوت، لم تعد المزملة مجرّد تحفة تراثية تُستحضر للزينة أو للحنين العابر إلى الماضي، بل تحوّلت تدريجياً إلى ضرورة ملحّة وأداة بقاء ذكية توفّر بديلاً مستداماً وفعّالاً لا يستهلك واطاً واحداً من الطاقة الكهربائية في ظلّ أزمة انقطاع التيار الكهربائي وشحّ الموارد المائية.
في هذا السياق، يعلّق بيدروس موضحاً: “الاعتماد على المزملة يشكّل تطبيقاً عملياً وعميقاً لمفهوم الاقتصاد الدائري في أبسط وأرقى صوره؛ إذ نستخرج موادنا الأساسية من أتربة كانت لولا فطنتنا ستُطمر كنفايات وبقايا بناء عابرة، لنعيد صياغتها وشويها بحرفية عالية لتتحوّل إلى أوانٍ خزفية تحفظ الحياة وتصون صحّة الإنسان”، ويضيف مؤكّداً على أهمية هذه الصناعة التي تكتسب اليوم أهمية مضاعفة تتجاوز مهمّة التبريد: “تقف البصمة البيئية حاضرة وبقوّة في قلب هذا التطوّر رغم تسارع العصر وحديثه المستمرّ عن التكنولوجيا الخضراء؛ فهذه الأواني تحمي المياه وتنقّيها من أخطار خفية تتمثّل في جزيئات الميكروبلاستيك السامّة التي تفرزها العبوات البلاستيكية ومياه القوارير بفعل حرارة الشمس الحارقة. وإلى جانب ذلك، تتميّز هذه الفخاريات بصداقتها المطلقة للبيئة ودورتها الحيوية المتناغمة مع الطبيعة، فحين تنتهي صلاحيتها وتكمل عمرها الافتراضي، لا تتحوّل إلى نفايات ملوّثة تؤذي الأرض، بل تعود بهدوء تامّ إلى أصلها كعنصر عضوي محايد لا يترك خلفه أيّ أثر ضار”.
هكذا، يثبت هذا الربط الواعي بين أصالة الماضي وتحديّات الحاضر أنّ البيئة تظلّ الحاضر الأكبر في معادلة البقاء؛ فما يفعله الحرفيون، من أمثال أنطون ومحمود، لا يُعدّ مجرّد تمسّك بمهنة قديمة يهدّدها شبح الاندثار، بل هو مقاومة صامتة وذكية، وشهادة حيّة تنطق بأنّ حلول أشدّ المشكلات المعاصرة تعقيداً قد لا تحتاج إلى المختبرات، بل تكمن أحياناً في قبضة طين مفعمة بالحياة، تُشكّلها يدٌ خبيرة وتُحييها الطبيعة بحكمة بالغة.



