في ريف السويداء: أرض بلا مزارعين وخسائر غير معروفة

سما المحمد –

كانت السيدة سمر (اسم مستعار) تقف وزوجها دون حراك والبندقية مصوّبة نحوهما من قبل أحد المسلحين، فيما انشغل المسلحون الأخرون بنقل أكياس القمح من مستودع منزلهما إلى شاحنة قريبة. لم يكن بإمكانهما فعل شيء؛ هناك سلاح وحياة مهدّدة ومنزل على وشك أن يُسلب بشكل كامل. حدث ذلك في الرابع عشر من تموز من العام الفائت، وبعد أن سلب المسلحون  كلّ أغراض المنزل، بما في ذلك نتاج موسم القمح، اصطحبوا الزوجين تحت تهديد السلاح.

كانت سمر تعيش مع زوجها في قرية الدور في الريف الغربي لمحافظة السويداء، وكانا يعتمدان في حياتهما على أرضهما وما تنتجه، لكن في ذلك اليوم تغيّرت حياتها للأبد، حيث خسرت منزلها وكلّ ما تملكه هي وزوجها من أراضٍ ومواسم بعد أن أُجبروا على مغادرتها. 

“دخل علينا ما يقارب الثمانية مسلحين، بدأوا بنقل ألف كيلو من القمح إلى سيارتهم، وكرروا ذلك في كلّ منازل القرية، أخدوا القمح من المستودعات، ورأيتهم بعد ذلك يحرقون الحصاد الذي ما زال على البيادر”، تقول سمر.

في تموز 2025، وبعد دخول قوات الحكومة الانتقالية ومجموعات مسلحة من العشائر إلى الريفين الغربي والشمالي من محافظة السويداء، خسر المزارعون في تلك المناطق مواسمهم بشكل كامل، حيث سُرق بعضها فيما أُحرق الباقي، ومع استمرار سيطرة قوات الحكومة الانتقالية والعشائر على تلك القرى، ظلت الأراضي دون زراعة هذا العام، ولم يستطع أصحابها العودة للاعتناء بها وزراعتها.

تقول سمر: “كنا نملك ما يقارب 25 دونماً من الأراضي التي نزرعها كلّ عام، حتى اللحظة لا نعرف عنها شيئاً ولم نستطع الوصول إليها”.

تضمّ قرية الدور ما يقارب 10000 دونم كانت تُزرع عادةً بمحاصيل القمح والحمص بشكل متناوب، وينتظر أهالي القرية الموسم في كلّ عام لتخزينه وبيع الفائض منه وتأمين احتياجاتهم الأساسية من أرباحه.

تمثّل خسارة موسم القمح واحدة من كثير من الانكسارات التي عايشها أهالي الريفين الغربي والشمالي للسويداء، ويبلغ عدد القرى التي تسيطر عليها القوات الحكومية ما يقارب 35 قرية، وبحسب أهالي تلك القرى فالغالبية يعتمدون بشكل كامل على مواسم أراضيهم. هذا العام لم يستطع المزارعون الوصول إلى أراضيهم وزراعتها بسبب خطورة الوضع الأمني، فيما تضررت مساحات كثيرة وخسر الأهالي نتاج موسم 2025 بسبب الحرائق والعمليات العسكرية. 

يقول رئيس الجمعية الفلاحية في قرية الصورة الكبرى، خالد عليوي: “الخسائر في الموسم كبيرة، حيث يبلغ إجمالي أراضي القرية 3962 دونماً جميعها لم تُزرع من قبل أصحابها هذا العام، فيما سُرق أو حُرق نتاجها في 2025”. يملك عليوي 1360 دونماً من الأرض يستثمرها في عدة مشاريع زراعية، يتابع “كنت قد زرعت 20 دونماً منها قمحاً مروياً في 2025، وخسرتها بالإضافة لمواسم أخرى من الشعير والفول”.

بحسب عليوي زُرعت الأراضي هذا العام من قبل العشائر المتواجدة في القرية، “الآن لا يمكننا الوصول إلى أرضنا والجماعات الموجودة في القرية قامت بزراعة الأرض وحصاد الموسم”.

تعتبر المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف أن حرق المحاصيل أو الأراضي الزراعية دون ضرورة عسكرية يعتبر انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، حيث يُحظر مهاجمة أو تدمير الأشياء الضرورية لبقاء السكان المدنيين من المواد الغذائية، ومناطق إنتاج الغذاء والمحاصيل والماشية ومصادر مياه الشرب وشبكات المياه والري، سواء كان ذلك لتجويع السكان إو إجبارهم على النزوح، ولا يجوز أن تكون هذه الأشياء هدفاً للانتقام، كمل تنص المادة 46 من لوائح لاهاي عام 1907 على حظر مصادرة الملكية الخاصة أثناء النزاع، وفي المادة 8 من نظام روما الأساسي يعد نهب المحاصيل والمعدات الزراعية من الأفعال التي قد ترقى لجريمة حرب بحسب كل حالة.

من جهة أخرى شهدت المناطق الأخرى في محافظة السويداء إنتاجاً مرتفعاً هذا العام من محصول القمح مقارنة بالسنوات السابقة نتيجة الهطولات المطرية الغزيرة، وحدد اتحاد الفلاحين السعر الأقصى للكيلو الواحد من القمح ب5300 ليرة سورية على أن يخضع لتقييم نسب التجريم، وبحسب رئيس رابطة الفلاحين، نعيم كيوان، فإن الموسم جيد جداً قياساً بالسنوات الماضية، يقول “هذا العام الإنتاج أفضل بكثير خاصة في قرى الريف الجنوبي مثل امتان وملح والقرى المجاورة التابعة لمنطقة صلخد، ويقدر الإنتاج ب 15 ألف طن”. أما بالنسبة للتسويق فما زال في بدايته، يضيف: “حالياً يتم نقل المحصول إلى مكتب الحبوب في مطحنة أم الزيتون، وهناك يتم طحن القمح وتخزينه وتوزيعه على الأفران داخل المحافظة”.

لا تتوقّف الخسائر في حرق الأراضي الزراعية أثناء النزاع والعمليات العسكرية على الخسائر الاقتصادية فقط، بل تتعدى ذلك لتشكّل تهديداً على البيئة وتحمل آثاراً مدمّرة على التربة والأراضي وصلاحيّتها للزراعة، ما يؤدّي إلى تهديد الآمن الغذائي للمجتمع ككلّ.

بحسب الأمم المتحدة قد تؤدّي الصراعات والاستخدام غير المشروع للأراضي إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتأجيج الصراعات، وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر فإن القتال قد يضرّ بالنظم البيئية ويدمّر التنوّع البيولوجي ما يؤثّر على حياة السكّان وصحّتهم، كما يمكن أن تمتدّ آثار العمليات العسكرية لفترة طويلة مسبّبةً تلوثاً للتربة وباطن الأرض والمجاري المائية، فيما تشكّل الحرائق والتدمير الناتج عن هذه العمليات خطراً بسبب المكوّنات السامة للأسلحة والمتفجرات، وتؤثّر الحرائق على التربة حيث تُفقدها خصوبتها وتؤدّي لتعريتها وقتل الكائنات الدقيقة فيها.

حتى اللحظة لا يعرف أبناء الريفين الغربي والشمالي ما لحق بأراضيهم من أضرار وخسارات في خصوبتها وإنتاجيتها، وفي أحد أكثر الأعوام غزراة في الهطولات المطرية وزيادة في الإنتاج خسر هؤلاء مواسمهم ومصدر رزقهم الوحيد دون وجود بديل أو حلول لتعويض خسارتهم. تقول سمر: “الخسائر كبيرة، يجب أن نعود إلى منازلنا وأراضينا، أن نراها ونعرف ما حلّ بها  ونقدّر حجم خسارتنا”.

Scroll to Top