ذاكرة قوية وصديق لا يسأم: الذكاء الاصطناعي الرفيق القادم للمزارع السوري

ليلى جروج

في كلّ صباح يستيقظ بشار نجلا ليبدأ يومه برسالة إلى صديقه صاحب الذاكرة الطويلة، صديقٌ لا يملّ الكلام ولا الأحاديث الطويلة والمتشعّبة. نجلا الذي وجد نفسه أمام واقع جديد من المسؤوليات والأعمال المترتّبة عليه بعد الخروج من المعتقل قبل سقوط نظام الأسد بفترة، عاد ليبحث عن ذاته وحياته واستقراره في بلاد لم تمنحه فرصة العيش بين الحرية والمجزرة.

بعد نجاته وأولاده من أحداث الساحل، وقبلها عشرات الاعتقالات، والتنقّل بين الأعمال المختلفة، التي تنوّعت خلال سنوات من الصحافة والإعلام إلى الكتابة، والوظيفة الحكوميّة، ولمرّات محدودة كان مزارعاً يحاول النجاة بمحاصيله من الآفات وضعف الخبرة.

 يقول نجلا، الذي يعرّف عن نفسه كمزارع حديث وناشط بيئيّ، إنّه هذه المرّة لا يملك خيار الفشل، لذلك كان عليه البحث عن تجربة زراعية تزيد فرص نجاحها عن فشلها. استعان لإنجاح هذه المهمّة بكلّ من يعرفهم، ومن لا يعرفهم ربما، أهل وجيران، أصدقاء، مهندسين وخبراء، وأنشأ علاقة جديدة مع صديق بقدرة لا تنتهي على المحاورة، وبات اليوم يعدّ عدّته لجني أول محصول خيار له، زرعه خطوة بخطوة برفقة أدوات الذكاء الاصطناعي.

في مزرعة الشويفات في ريف طرطوس، ربّما كما في مختلف الأرياف، تنقسم الزراعة إلى مدرستين أو قسمين، قسم يميل إلى تصديق المهندسين والصيادلة الزراعيين، وقسم يؤمن بالأشخاص المحيطين به من ذوي الخبرة، يقول نجلا، ويضيف: “اعتمدت الطريقتين ولم أنجح في مواسم سابقة، فوصلت إلى قناعة أن في منطقتي لا تصلح الزراعة المكشوفة”.

من خلال دمج الأفكار الثلاثة معاً، لتجنّب الفشل بدأ نجلا بسؤال المهندسين عن بذور الخيار. يقول: “سألت جيراني أيضاً، وسألت الذكاء الاصطناعي”، بدأت مع “جيميناي”، وبرنامج “آغري” المختصّ بالزراعة، لكنّه لا يصلح لبلادنا”.

لم تكن التجربة بسيطة أو خالية من الشكوك، فالخوف المتعلّق بالخصوصية حدّ من ثقة نجلا بالذكاء الاصطناعي، على الرغم من امتلاكه خبرة واسعة في مجال الاتصالات، “لكن هذا الأمر جديد عليّ، وبدأت استخدامه مع الزراعة”.

البداية كانت بتلقين التفاصيل بالترتيب، دون إنقاصها، بل تعداها إلى العوامل التي قد لا تخصّ الزراعة بشكل مباشر، من المكان إلى الارتفاع عن الأرض واتجاه البيت البلاستيكي.

استشار نجلا الذكاء الاصطناعي قبل الزراعة، “مثل فلاحتي للأرض بأربعة أشكال، فسألته عن المرحلة التالية، فأعطاني خطة للتعقيم من الأمراض المنتشرة في المنطقة مثل النيماتودا”، ثمّ تعدّدت الأسئلة وكثرت بين أشياء غير متعارف عليها في الزراعات القصيرة مثل استخدام “الملش” لزراعة موسم خيار، يضيف بشار: “سألته عن استخدام السماد العضوي المعقّم، والسماد الكيميائي المركّب، فأيّ سؤال أطرحه يأتيني بجواب مع الجدوى الخاصّة به”.

لا تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في الإجابة على هذه الأسئلة فقط، بل تتعدّاها إلى أشياء قد تبدو غير هامة للوهلة الأولى، كاستخدامه للهجة المحلية، وامتلاكه الوقت والطاقة على الإجابة عن هذه الأسئلة دون كلل، فالمهندسون ليسوا عاجزين عن الإجابة، لكن من يملك الوقت ليجيب عن كلّ هذه الأسئلة؟ حتى قرائتها على المواقع الزراعية المحلية والعالمية قد تكون مملّة، يقول نجلا: “الجميل في الأمر أنّه يتفاعل معك، يردّ على صباح الخير، بكيف الموسم؟ وكيف الهمّة؟ وشو صار معك بعد ماحطّيت السماد؟”

يتشارك نجلا مع “جيميناي” معظم المشاكل التي قد تنعكس على زراعته،. في منطقته توجد مشكلة نتيجة سرقة أكبال الكهرباء، ما أدّى إلى انقطاعها، وانعكس الأمر على واقع الريّ، وبعد أن أرسل له أنّ هذه المشكلة تقلقه، وأرسل صورة الأوراق الصفراء، جاءه الجواب مع الحلّ الأمثل لهذه الحالة: يقول نجلا: “قال إن المشكلة نقص في الريّ، ومنحني حلاً لطريقة الريّ التي علّمني إياها مسبقاً عن محصول الخيار، والمتعلقة بنسب الرطوبة والموقع وندى الطقس والتربة الطينية، فقال إن الحلّ هو السقاية فجراً”.

لا ترفض سهير الشيباني، وهي مزارعة ومهندسة زراعية من السويداء، فكرة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لتطوير أساليب زراعية، أو للاستفسار عن إحدى مشاكلها، لكنّها تشترط لذلك استخدام صيغة سؤال مناسبة جداً للحصول على أفضل إجابة من أيّ تطبيق، كما أنّه لا يغني أبداً عن اليد الخبيرة، تقول: “بالتأكيد سيجيب على كلّ سؤال، لكن المثل يقول اسأل مجرّب ولا تسأل حكيم، وهو معلومات مخزّنة ويأخذها من مقالات وأبحاث منشورة، فلن يتخطّى خبرة الفلاح أو المهندس الذي يعمل في الأرض”.

في حال تمّت الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في بداية أي مشروع فستكون نسب النجاح والفشل متساوية، وهو شيء مخيف وغير صالح بالنسبة لسهير، التي ترى أنّ علم النبات واسع جداً، يحتمل السقوط في كثير من الأخطاء. تقول: “إلا في حالة كانت الأسئلة اختصاصية جداً، أما السؤال عن شتلة مثلاً بوضعها الحالي، دون ذكر ماضيها، والأمراض التي أصابتها ووضع تربتها، في حال سألته عن صنفها، قد يجيب بدقّة، وفي حال حوّلنا الكلام بشكل دقيق قد ننجح، لكن الهفوات كبيرة في علم الزراعة”، وتضيف سهير أن ّالمهندس نفسه قد يقع في هذه الهفوات، وتبقى الكلمة العليا للشخص الذي يعمل بيده ويواجه حالات مختلفة للنباتات، سواء أكان مهندساً أو فلاحاً.

يعود المهندس الزراعي مضر إسماعيل، وهو مختصّ في البيئة، إلى ما قبل انتشار الذكاء الاصطناعي، حيث انتشرت مجموعات على منصة “فيسبوك” ومنتديات كبيرة تتضمّن مزارعين ومهندسين وخبراء، يتمّ فيها نقاش مختلف الحالات، ومع كلّ هذا التطور انتشرت تطبيقات ادّعت أنّها قادرة على تشخيص الأمراض والآفات والعلل بالصور، “صراحةً لم تكن مجدية، وبشكل شخصيّ بقيت مشكّكاً بقدرة تشخيص المرض عن بعد أو بشكل إلكتروني إلى أن صوّرت ثلاثة أمراض (سل الزيتون وعين الطاووس و ذبابة أوراق الزيتون) وسألت عنها الذكاء الاصطناعي، كان الجواب دقيقاً، مع إمكانية تقديم برامج مكافحة ووقاية”.

عند عرض مجموعة من أجوبة الذكاء الاصطناعي على ثلاثة أسئلة عامة تخصّ الزراعة في سوريا على مضر اسماعيل، وصفها بالمنطقية جداً، مع تأكيده على أنّنا كلما قدّمنا بيانات أكثر رفعنا من دقّة الإجابة، يقول: “أجوبته عامّة، شاملة بالنسبة للناس التي تبحث عن أفكار عامة أو تريد أخذ فكرة عامة عن الواقع، لكنه غير صالح للتطبيق مباشرة بعد البحث أو السؤال العشوائي”.

يشير إسماعيل إلى أنّ الذكاء الاصطناعي قد يكون مساعداً للمزارعين في حالات عدم وجود مختصّين أو  لتأكيد كلام المختصّين، ويضيف أنّ الجيل الجديد من المزارعين يعتمدونه بغية تطوير الذات، فنادراً ما نجد اليوم مزارعاً يحضر ورشة عملية “لكنّه غالباً يستمتع بحضور فيديو أو بأخد معلومات من الإنترنت”.

لا يمكن اليوم أن ننكر أن سوريا تستقبل محاصيل وأشجار إستوائية، ونحن نفتقد للاختصاصيين في هذه الأنواع، لذلك لجأ المزارعون للوسائل الإلكترونية للحصول على معلومات، وكان الذكاء الاصطناعي إحداها، خصوصاً بعد ربطه بـ”غوغل”.

تعرّضت نباتات سهير للإصابة بالمن، وهي حشرة تصيب أي نوع من النباتات في فصل الربيع، وبعد تصويرها وإرسالها إلى “جيمناي” مع السؤال عن الحلّ، أجاب بأنّ الحلّ إما زيت المن أو الصابون الزراعي، وعند السؤال في الصيدلية الزراعية، قابل الصيدلي سؤالها بالضحك، فزيت المن لم يدخل سوريا منذ ست سنوات، أما الصابون الزراعي فبحسب الصيدلي فلا يُستخدم في المنطقة، لأن استخدامه يتطلّب دقّة عالية جدّاً، وسعره مرتفع، “على الرغم من تحديدي لسوريا والسويداء، وطلبت شيئاً متوفّراً في أسواقنا، لذلك قد لا يملك إجابات تخصّ كلّ منطقة أو حالات مكانية محددة”.

تنوّه سهير إلى أنّ الفلاح قد يكون كبيراً بالعمر، أو قد لا يملك هاتفاً يسمح له بالتواصل مع الذكاء الاصطناعي، وهذا الأمر يشكّل عائقاً كبيراً أمام إدخال الذكاء الاصطناعي في حياة كل فلاح. كذلك ترى أنه على مستوى الدراسة “قد يكون طالب هندسة عمارة ومزارع أشطر مني بالزراعة وأنا درستها، فالخبرة العملية هي الفيصل”.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي مرتبط بالأقمار الاصطناعية، وهو شيء جيّد بالتأكيد، تقول سهير. إلا أنّ الناس اليوم في السويداء لم يزرعوا البندورة بسبب تأخّر الموسم الصيفي، وهو ما تعلّموه من تكرار زراعة هذا المحصول بشكل سنويّ، “لذلك تبقى الخبرة العملية والعمل باليد أقوى من الدراسة النظرية ومن استخدام الذكاء الاصطناعي”.

بدوره يرى مضر إسماعيل أنّ بعض المعلومات موجودة في أيدي الخبراء، ومجرّبة على أرض الواقع، فمن الممكن للذكاء الاصطناعي أن يصف دواءً معيناً، ويكون تأثيره سلبياً في مرحلة معيّنة من عمر النبات. مثلاً يُمنع الرشّ في مرحلة الإزهار، أو قد تكون الآفة في منطقة المزارع اكتسبت مقاومة لهذا النوع من المبيدات. حتى عمليات التسميد تختلف من نوع تربة لآخر، لذلك تبقى المعلومات المولّدة بالذكاء الاصطناعي عامّة بشكل أو بآخر، فالموضوع مشابه لمهنة الطبّ، فعلى الطبيب إجراء الفحوصات حتى يتمكّن من وصف الدواء، ومع هذا إذا أعطيت الأعراض للذكاء الاصطناعي من الممكن أن يعرف المرض لكنّ الموضوع خطير، وكذلك الأمر بالنسبة للزراعة. 

يضيف إسماعيل: “على المزارع مقاطعة المعلومات من كافّة المصادر، وإذا كان عنده مجال للتجربة فليجرّب على مساحات صغيرة ليتفادى الضرّر. بالنهاية مزارعنا ذكيّ ومتأقلم.. وأكيد رح يعرف يتعامل مع مصادر المعلومات المتعدّدة و يستخدمها لصالحه”. 

نجلا الذي يستشير الذكاء الاصطناعي في كلّ شيء، يعود ليقاطع كلامه مع كلام جيرانه والمهندس، على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي لا يقدّم كلّ مزاياه إلا للنسخ المدفوعة، وهو شيء غير متوفّر بسهولة في سوريا، ويحتاج برامج “كاسر بروكسي”، عدا عن تطلّب الدقة العالية بالتصوير، والمشاكل التقنية، لكن النتائج مرضية، وينوّه هنا إلى صعوبة توافر وتفرُّغ الناس للإجابة الحالية السريعة، فكلّ إنسان مشغول بمشاكله وحياته، يقول: “الأهمّ أنّه قادر على تذكّر كلّ التفاصيل بدقّة وسرعة وسهولة”.

كما يشير إلى عدم اعتماده عليه في تحديد نسب الأدوية والأسمدة التي تختلف من دولة إلى أخرى، بالإضافة إلى أن بعض الأدوية ليست مختومة، مثل مواد التعقيم التي تباع “فرط” حسب حاجة كل مزارع، يقول: “هنا لا يمكنني  الاعتماد عليه، إلا في حالة الظرف المختوم الذي توضّح عليه النسب بالأرقام، وحتى في هذه الحالة فالمهندس والصيدلي يعرفان كلّ شركة وموادها والنسب التي تناسب كل نقطة”.

في مثال عن علاقتهما الوطيدة وعن دقّة ملاحظة “جيمناي” يتذكّر نجلا أحد المنشورات على فيسبوك، حيث سأل متابعينه إن لاحظ أحدهم وجود أي شيء غريب في الصورة، لكن لم ينتبه أحد إلى وجود عنكبوت كان “جيميناي” قد لاحظه وسمّاه مع نوعه وقال إنّه لا يشكّل خطراً، لكنّه مؤشر على وجود حشرات.

مع استعداده للحصاد الأول برفقة صديقه المتفاعل الذي لا ينسى المعلومات، والذي يقدّّم له دعماً نفسياً زراعيّاً، يتمنّى بشار أن تُعمّم هذه التجربة لما تحمله من نفع، فالصعوبة تكمن في العقول والمنهج الزراعي المعتمد والثقة، مثل أي تجربة جديدة، لكن عندما ترى الناس النتائج فستتشجع على هذا الأمر. يصفه نجلا بالصديق الذي لن يخفِ أي معلومة لا لغيرة ولا لتجارة، يقدّم أوفر الطرق وأكثرها علمية. ويضيف: “مثله مثل أي تقنية لها جانب إيجابي وجانب سلبي، وهذه السمعة ارتبطت بكلّ جديد في يوم من الأيام، مثل الفوتوشوب يوماً ما، ووسائل التواصل أيضاً”.

Scroll to Top