رؤى النايف –
تعتبر زراعة الفطر المحاري في سوريا اليوم واحدة من أبرز تجليّات الزراعة الذكية التي انبثقت من رحم الأزمات البيئية والاقتصادية، لتشكّل نموذجاً رائداً في الاستدامة والأمن الغذائي، ففي الوقت الذي يواجه فيه قطاع الزراعة التقليدي تحديّات جسيمة تتعلّق بشحّ الموارد المائية وارتفاع تكاليف الطاقة، يبرز الفطر ككائن حيويّ لا يحتاج لتربة زراعية، بل يعتمد في نموّه على تفكيك السيليلوز واللجنين الموجود في مخلّفات المحاصيل الحقلية، محوّلاً ما كان يُعتبر عبئاً بيئياً يُحرق في الحقول إلى بروتين عالي القيمة وخالٍ من الكوليسترول.
هذا التحوّل نحو الاقتصاد الدائري لا يسهم فقط في تأمين بدائل غذائية منخفضة التكلفة، بل يؤسّس لنمط إنتاجي يحترم التوازن البيئي، حيث يتمّ تدوير المخلّفات الصلبة من قش القمح ونشارة الخشب لتحويلها إلى أوساط إنتاجية، ثم إعادة تدوير تلك الأوساط بعد الانتهاء كأعلاف مدعّمة للمواشي أو سماد عضوي يحسّن بنية التربة المنهكة.
التغلّب على الظروف المناخية
في سابقة هي الأولى من نوعها في شرقي سوريا، أطلق المهندس الزراعي، محمد الفندي، في مشروعاً لزراعة الفطر المحاري في دير الزور، متحديّاً الظروف المناخية القاسية والجافّة التي تُعرف بها المنطقة.
يؤكّد الفندي أنّ المشروع “جاء ليلبّي حاجة السوق لبروتين بديل في ظلّ انعدام مشاريع زراعة الفطر في المحافظة”، مشيراً إلى أنّ الطبيعة الجافّة لدير الزور لم تقف عائقاً أمام الإنتاج، حيث “تمّ الاعتماد على حلول هندسية بسيطة وفعّالة، من خلال استخدام الأقبية الترابية تحت الأرض كغرف معزولة طبيعياً تحافظ على درجات حرارة منخفضة ورطوبة مستقرّة دون الحاجة لاستخدام الطاقة الكهربائية التي قد تجعل المشروع خاسراً”.
ويوضح الفندي أنّ “الفطر المحاري، رغم كونه غريباً عن الثقافة الاستهلاكية المحلية، بدأ يفرض نفسه كبديل اقتصادي وربحي متوفّر على مدار العام، خاصّة وأنّه ينمو بكفاءة عالية على بقايا محاصيل القمح والشعير والذرة المتوفّرة بكثرة في حوض الفرات”.
لم تبقَ هذه التجربة حبيسة النطاق المحلي في المنطقة الشرقية، بل شكّلت جسراً معرفياً ونوعاً من التبادل الثقافي والبيئي الذي بدأ يمتدّ نحو العاصمة، لتتحوّل زراعة الفطر من مجرّد مبادرة فردية إلى ثقافة بيئية واقتصادية عابرة للمدن السورية.
هذا الترابط بين تجربة دير الزور وتوسّعها نحو دمشق يعكس وعياً جمعياً ناشئاً بضرورة توطين الزراعات غير التقليدية التي تتوافق مع الخصوصية المناخية لكلّ منطقة، فبينما نجحت دير الزور في استغلال الأقبية والحرارة الطبيعية، استلهمت دمشق من هذا النجاح آليّات جديدة لدمج الابتكار الزراعي بالنشاط الحضري، ما جعل الفطر المحاري سفيراً بيئياً ينقل رسالة الاستدامة من بساتين الفرات إلى أطراف الغوطة، معززاً مفهوم السيادة الغذائية الذي بات يتبناه المهندسون السوريون كنهج عمل شامل يربط بين حماية البيئة وتأمين لقمة العيش.
أنواع متعددة واستعمالات مختلفة
تتجاوز ثقافة زراعة الفطريات اليوم حدود الصنف المحاري لتتحوّل إلى قطاع زراعي متكامل يضمّ سلالات متنوّعة تلبّي احتياجات طبية وغذائية مختلفة في عدّة مناطق، فإلى جانب الفطر المحاري (بألوانه الرمادي، الأبيض، والأصفر)، تشهد مناطق اللاذقية وطرطوس وحمص توسعاً في زراعة فطر الأجاريكس (المشروم الأبيض) الذي يتطلّب تقنيات (كومبوست) متقدمة مستفيدة من الرطوبة العالية وتوفّر مخلّفات معاصر الزيتون، بينما تبرز في حمص وحماة تجارب لإنتاج الفطر المحاري بألوانه المتعددة (الرمادي والذهبي) باستخدام قش القمح الوفير في المنطقة الوسطى، فيما تتركّز في مشافي ومختبرات دمشق وحلب تجارب لزراعة أنواع تخصصية مثل الفطر الريشي وفطر عرف الأسد المعروفين بفوائدهما العلاجية.
هذا التنوّع الجغرافي والنوعي يعكس تحولاً جذرياً في الخارطة الزراعية السورية، حيث باتت هذه المشاريع تنتشر في المناطق التي تتوفر فيها رطوبة عالية ومخلفات خشبية في الساحل، وصولاً إلى الأقبية والمزارع المغلقة في المناطق الداخلية والشرقية، ما يجعل من سوريا بيئة خصبة لإنتاج الفطريات الوظيفية التي تدخل في الصناعات الغذائية والدوائية كحلول مستدامة طويلة الأمد.

المهندس مهند ديب، المختص في زراعة الفطر، يرى في هذه الزراعة مخرجاً حقيقياً لمشكلات التلوّث البيئي في ريف دمشق، ويشير ديب إلى أنّ “تأمين الأوساط الزراعية من قش المحاصيل ونشارة الخشب في مناطق مثل الغوطة ساهم بشكل مباشر في الحدّ من عمليات حرق المخلّفات الزراعية التي كانت تلوّث هواء العاصمة”.
يؤكّد ديب على ضرورة تبنّي تقنيات التكيّف المناخي لمواجهة أزمات الطاقة عبر استخدام المكيّفات الصحراوية منخفضة الاستهلاك ومنظومات الرذاذ الناعم (Fogging) التي تقنّن استخدام المياه، وصولاً إلى المكافحة الحيوية باستخدام محلول ماء الكلس المطفئ للقضاء على الآفات دون اللجوء للمبيدات الكيماوية. ويطمح ديب من خلال هذا المسار إلى “تعزيز الأمن الغذائي عبر اختراق السوق الدمشقي بأصناف جديدة كفطر الأجاريكس”، مؤكداً أن الفطر المحاري يظلّ اللحم النباتي الأكثر استدامة، معتبراً أن نجاح التجربة السورية هو رسالة حيّة بقدرة هذا القطاع على الابتكار والتجدّد المستمرّ.
تتحقق الجدوى البيئية النهائية لزراعة الفطر في سوريا عبر ركائز تقنية تضمن كفاءة الموارد والوصول إلى إنتاج خالٍ من النفايات، حيث تساهم هذه الدورة في تحييد الانبعاثات الكربونية الناتجة عن حرق المخلّفات الزراعية عبر تحويلها إلى كتلة حيوية منتجة، مع تعظيم كفاءة استخدام المياه لإنتاج بروتين يستهلك مياهاً أقلّ بنسبة 90% مقارنة بالمحاصيل التقليدية، وصولاً إلى استصلاح التربة المنهكة كيميائياً باستخدام التبن المستنفد كسماد عضوي غني بالنيتروجين، ما يجعل المشروع أداة حقيقية لمكافحة التصحّر وترميم التنوّع الحيوي في البيئة السورية.
علاوةً على ذلك فإن القوة الحقيقية لزراعة الفطر في سوريا لا تكمن فقط في جودة المنتج الغذائي، بل في قدرتها على فرض “عدالة بيئية” تستند إلى استرداد الموارد المهدرة، فمن خلال تحويل التلوّث المحتمل في الحقول إلى أمن غذائي في المطابخ، ويثبت هذا القطاع أنّ الحلول البيئية الأكثر فاعلية هي التي تولد من صلب البيئة المحلية وتتكيّف مع ندرة مواردها، ليرسم بذلك طريقاً واقعياً لزراعة سورية قادرة على الصمود والترميم الذاتي بعيداً عن الاستنزاف التقليدي للطبيعة.



