** أنتج هذا التقرير بالتعاون مع شبكة الصحافة الحرة
بدأ الخطر يهدد محصول القمح في سوريا، والذي يُعدّ أساس الأمن الغذائي المحلي والمحصول الإستراتيجي الأوّل في البلاد، إذ تعاني زراعة القمح من تراجع مستمرّ في مناطق مختلفة، كما بدأت تتقلّص المساحات المزروعة ويقلّ الإنتاج في كلّ عام عن سابقه، والأسباب وراء ذلك متعدّدة؛ منها ما يتعلّق بالعمليات العسكرية وتدمير أجزاء من الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج على المزارعين، ما منعهم من زراعة أراضيهم، كما لعب الجفاف في السنوات الأخيرة دوراً إضافياً في الحدّ من زراعة القمح، حيث تعتبر الهطولات المطرية شرطاً أساسياً للزراعات البعلية.
احتجاجات المزارعين
مؤخّراً شهدت مناطق الحسكة والرقة ودير الزور وحماة احتجاجات واسعة من قبل الفلاحين، عبّروا فيها عن رفضهم لتسعيرة بيع القمح التي أقرتها وزارة الصناعة. المزارعون الذين عانوا لسنوات من قلة الإنتاج وشح المياه والتغيرات المناخية، رفضوا بيع محاصيلهم بهذا السعر، وأعلن عدد منهم عن التوقّف عن زراعة أراضيهم بعد الآن ما يجعل زراعة القمح وهو أحد المحاصيل الرئيسية في سوريا في خطر.
الوزارة حدّدت السعر سعر طن القمح بـ46 ألف ليرة بالعملة الجديدة أي ما يعادل 330 دولاراً أمريكياً، ما أدّى إلى خروج مظاهرات غاضية في عدد من المدن والأرياف، وتزايدت ردود الأفعال الغاضبة، وما زالت الاحتجاجات مستمرة لليوم الثالث على التوالي.
المزارع سعيد حمدان، من قرية تل معروف في ريف القامشلي، أكّد أنّه لن يبيع محصوله، يقول: “لن أبيع، وسيبقى المحصول لدي، أستهلك منه حاجتي، وسأوزع الباقي، ولن أزرع مرة أخرى”.
حمدان واحد من مئات المزارعين الغاضبين بسبب القرار الذين يعبّرون عن استيائهم بطرق مختلفة، يضيف: “بعض المزارعين الذين أعرفهم قاموا بتكسير الزرع، والجميع في قريتي يرفض البيع بهذا السعر”. الغضب الذي سببه القرار أدى لقيام بعض الفلاحين بحصاد محاصيلهم وهي خضراء.
تتمثّل المشكلة الأساسية بالفارق بين تكاليف الإنتاج وسعر بيع القمح، حيث تحتاج زراعة القمح إلى الأسمدة والمحروقات ووسائل النقل وجميعها تكلفتها عالية خاصة مع امتناع الحكومية عن توفير المحروقات للمزارعين، وبحسب المزارعين تبلغ تكلفة الدونم الواحد من مررحلة الحرراثة إلى الحصاد 1380000، حيث يحتاج الدونم الواحد إلى 150 ألف ليرة من تكاليف الحراثة، و165 ألف ليرة تكلفة البذارر إذ يحتاج الدونم الواحد 30 كيلو، بالإضافة لري المحصول لأربع مرات بقيمة 400 ألف ليرة، وتكاليف السماد التي تبلغ 359 ألف ليرة والأدوية التي تستخدم لمكافحة الديدان، فيما ينتج الدونم الواحد وسطياً من 200 إلى 300 كيلو.
الجفاف وتأثيراته
يعتبر الجفاف أحد المشاكل الرئيسية التي تدفع بالفلاحين للعزوف عن زراعة القمح، إذ أنهم ينتظرون في كل عام تحسن الهطولات المطرية، ويعتمدون على الأمطار، إذ أن (زراعة القمح بعلية) وتحديداً في محافظتي الرقة والحسكة، هذا العام تأخّرت الهطولات أيضاً ما أثّر على زراعتهم، والسبب في ذلك يعود للتغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة، وقد أدت الموجات المتكررة من الجفاف إلى تضرر مساحات واسعة من الأراضي البعلية، وانخفاض إنتاجية الدونم الواحد بالنسبة لسنوات سابقة.
هذا وتعتبر موجة الجفاف التي شهدتها سوريا من أسوأ سنوات الجفاف خلال عقود، وبحسب بيانات لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تستهلك سوريا أربعة ملايين طن من القمح سنوياً، التقرير الذي صدر في حزيران 2025 قال أن 40 بالمئة من الأراضي الزراعية زُرعت فقط، فيما تسبب الجفاف بإتلاف جزء كبير من الأراضي خاصة في الحسكة وحلب وحمص.
هذا العام وبالرغم من تحسن الهطولات المطرية اقتربت سوريا مرة أخرى من الاكتفاء الذاتي، ألا أن السياسات الحكومية المتمثلة بفرض أسعار منخفضة عادت لتسبب مشكلة تدفع بالفلاحين للامتناع عن زراعة أراضيهم، وبحسب المؤسسة السورية للحبوب من الممكن أن يصل الإنتاج إلى 2,5 مليون طن، إلا أن الاحتجاجات الأخيرة واللجوء للتخلص من المحاصيل من قبل المزارعين تعبيراً عن غضبهم قد يغير هذه الأرقام ويؤدي لخسارات جديدة في الأراضي المزروعة والمحصول.
الزراعة التي كانت تعتمد بشكل أساسي على جهد الفلاح وخبرته باتت اليوم تحتاج إلى ميزانية كبيرة مع كل خطوة يقوم بها، فالحراثة أصبحت أكثر كلفة بسبب الجفاف، وأسعار البذار ارتفعت بشكل لا يتناسب مع دخل المزارعين، فيما باتت الأسمدة الكيماوية عبئاً إضافياً قد يضطر البعض للاستغناء عنه رغم أهميتها في تحسين الإنتاج.
كما ترتفع كلفة تشغيل الآليات الزراعية بسبب الاعتماد الكبير على المازوت، الذي لا يصل للفلاحين دائماً في الوقت المناسب، رغم وجود أربع دفعات مدعومة مخصصة لمزارعي القمح، وفي حال تأخرها يضطر المزارعون لشراء الوقود من السوق بأسعار أعلى بكثير، ما يزيد من قيمة الخسارة المتوقعة حتى قبل بدء موسم الحصاد.



