فرح ناصيف –
تحوّلت المؤونة السورية التقليدية، التي كانت عماد مطابخ أهالينا وسندهم الغذائي على الاكتفاء الذاتي خلال عقود من الممارسات اليومية، إلى سلع استهلاكية فاخرة واستعراضية تُباع بأسعار عالية تحت لافتات برّاقة، مثل “عضوي” و”بلدي فاخر”. فبعد أن كانت أعمال صنع المربّى، وعصر الزيتون على البارد، وتحضير المكدوس، وتجفيف الخضار، طقوساً ريفية عفوية تضمن للبيت السوري أمنه الغذائي طوال العام، تحاول منظومة التسويق الحديثة صياغتها لتسلبها روحها البسيطة و تحوّلها من حقّ طبيعي ومتاح للجميع إلى “تقليعة” استهلاكية فاخرة تُغلّف بعبوات أنيقة، وتُباع بأسعار خيالية تحتّ مسمّيات برّاقة تجعل من نمط عيش البساطة مادة للثراء وحكراً على الطبقات الميسورة.
أينما ذهبت اليوم في السوبرماركت، ستجد البرغل والعدس والخضار المجفَّفة معروضة بخيارين: أحدهما بعبوته التقليدية، والآخر بغلاف تحت مسمّى “عضوي” أو “صحّي” بسعر يفوق الأصلي بثلاثة أضعاف أو أكثر! فهل تستحقّ هذه المنتجات “العضوية” أثمانها فعلاً وهل تمنحنا صحّة أفضل، أم أنّها مجرّد دعاية وتسويق؟
زراعة عضوية أم تقليدية؟
في البداية من المهمّ التمييز بين الزراعة العضوية والزراعة التقليدية لتوضيح المفاهيم الخاطئة الشائعة. تتميّز الزراعة التقليدية أو “الصناعية” باستخدام المنتجات الاصطناعية لزيادة الإنتاج، أمّا الزراعة العضوية فتتميّز بزراعة المحاصيل وتربية الماشية دون استخدام المواد الكيميائية الاصطناعية، أو الأسمدة أو المبيدات، أو منظِّمات نموّ النبات، أو أحياناً البذور المُعدَّلة وراثياً.
لكن يبرز سؤال هنا: هل توجد في سوريا زراعة ومنتجات عضوية، وهل موضوع الرقابة والشهادة عليها حقيقي؟
في الواقع توجد في سوريا زراعة عضوية تجمع بين نمطين أساسيين؛ أوّلهما نمط تقليدي واسع النطاق يُعرف محلياً بالمنتجات “البلدية”، حيث يعتمد فيه المزارعون بالفطرة على الممارسات الموروثة والتسميد الطبيعي دون استخدام المبيدات في المحاصيل الجبلية كالزيتون والتين والأعشاب الطبية وحتى القمح أحياناً، وثانيهما نمط حديث منظّم فعّلته وزارة الزراعة عبر مديرية متخصصة لتشجيع التحوّل العضوي ضمن مرسومين تشريعيين رئيسيين: المرسوم التشريعي رقم 12 لعام 2012 الذي يضع الإطار القانوني والتنظيمي للإنتاج والرقابة والمنح في الزراعة العضوية، والمرسوم التشريعي رقم 34 لعام 2015 القاضي بانضمام سوريا إلى الاتحاد الفيدرالي الدولي لحركات الزراعة العضوية (IFOAM).
على الرغم من امتلاك سوريا لمقوّمات زراعية بيئية ممتازة ومخرجات عالية الجودة، كالوردة الشامية والفستق الحلبي وزيت الزيتون الممتاز الموجّه للتصدير، إلا أنّ هذا القطاع يواجه عقبات جمّة تحول دون توسّعه، أبرزها الكلفة الباهظة للحصول على شهادات التوثيق الدولية، وارتفاع أسعار هذه المنتجات مقارنة بضعف القدرة الشرائية للمستهلك المحلي، فضلاً عن صعوبة توفير المستلزمات العضوية البديلة لمكافحة الآفات.
على أيّ حال تُعتبر المنتجات العضوية في سوريا موضوعاً حيوياً يتناول التوازن والجدل القائم بين الحفاظ على أصالة الزراعة التقليدية السورية وما تتميّز به من خواصّ بيئية وطبيعية، وبين محاولات تسليع هذه المنتجات وتحويلها إلى سلع فاخرة موجّهة لشريحة محدودة، ومع اتّساع الاهتمام بالنظام الصحّي تحوّلت هذه المنتجات إلى سلعة تسويقية عبر التغليف الفاخر ورفع الأسعار لتصبح حكراً على الميسورين، مع غياب منظومة شهادات وطنية صارمة وموثوقة ورقابة حقيقية، ما يفتح المجال أمام ادّعاءات تسويقية لا تعكس الحقيقة.
كذلك تواجه الزراعة العضوية تحدّيات تتعلّق بانخفاض الإنتاجية في البداية، وضعف شبكات التوثيق والمعامل، وتراجع القدرة الشرائية، والتغيّر المناخي. فعلياً، ولتحقيق التوازن، يجب إنشاء نظام شهادات وطني مُعتمَد، ودعم المزارعين الصغار للحفاظ على الأصناف البلدية وتعزيز الأسواق المحلية المباشرة من المزارع إلى المستهلك، وحماية الموروث الزراعي بتسجيل الأصناف البلدية كمنتجات محميّة.
يؤكّد المهندس الزراعي، محمد رشيد، وجود زراعة عضوية في سوريا، قبل وبعد الحرب، وحتى إنّ كثيراً من المزارعين لا يدركون أنّهم يقومون بممارسات الزراعة العضوية، لا سيّما وأنّ المزارعين لا يزالون يستخدمون البذور المحلية ويعتمدون على تسميد أراضيهم من بقايا عضوية، أو حتى يستخدمون طفيليات محلية للقضاء على الآفات الزراعية.
يضيف رشيد أنّ هذا المسار كان إجبارياً لدى المزارعين بسبب ضعف الإمكانيات المادية وصعوبة الحصول على مبيدات وأسمدة كيميائية، وعلى الرغم من المردود الاقتصادي الضعيف لهذه الزراعة إلا أنها كانت هي المُعتمَدة، لكنّه في الوقت نفسه حذّر أيضاً من انتشار البذور المستوردة أو الهجينة الموجودة بكثرة في السوق دون رقابة حقيقية.
لكن مع ذلك، ومع عدم فهم ووضوح المفاهيم، تصادف منتجات مكتوب عليها “عضوية” أو “صحية” تُباع بأسعار مرتفعة، بعضها منتجات محلية وبعضها مستورد أو قليل الوجود محلياً. تقول زهرة، إحدى العاملات في محل يبيع منتجات عضوية مثل العسل وبعض أنواع البذور والخضار المجفّفة والتوابل، إنّها تبيع مواد عضوية تقدّمها بتغليف جذّاب من الخيش أو الكتّان، لكن معظم هذه المواد تأتي بأكياس كبيرة، وهي تقوم فقط بجزئية التغليف والتخزين فقط، لكنّها لم ترَ شهادة منشأ أو اختبارات من طرف ثالث تثبت أنّها عضوية.
تضيف زهرة أنّ بذور الشيا والصويا مثلاً هي الأكثر طلباً، ولكنّها تعرف أنّنا لا نزرعها محلياً بشكل يغطي احتياجات السوق، ولا دليل ملموس أنها مستوردة عضوية، وعندما سألنا عن الرخص وفيما إذا طلب الزبون رؤية رخصة أو شهادة معتمدة أضافت أنّ صاحب المحل يريه شيئاً على الهاتف، ولكن نادراً ما يسأل الزبون، فغالبية الوقت يقرأ الزبون المكوّنات أو ينظر للعلبة أو الغلاف ويقرّر.
في الفترة الممتدّة بين 26 و28 تموز الفائت، أُقيم معرض “فود سوريا” بمشاركة عدد من الفاعلين في القطاع الغذائي، بهدف التسويق، والتشبيك، واستعراض أحدث التقنيات العضوية لدعم الإنتاج المحلي وتعزيز قدرته على منافسة المنتجات المستوردة. تذكر رنا أنها زارت المعرض فضولاً للتعرّف على الأغذية العضوية والحصول عليها، لكنّها تفاجأت بأنّ المعروضات لا تختلف عمّا هو متوفّر في الأسواق المحلية، ومع ذلك، أتاحت لها الزيارة فرصة التعرّف عن قرب على الزراعة العضوية وتقنيّات الزراعة المائية، إضافة إلى فهم الفروق بين البذور الهجينة والبلدية، وأشارت إلى أنّ المشارَكات الخارجية تميّزت بتنوّع أكبر في المنتجات العضوية والبلدية مقارنة بالجانب السوري وسط غياب معايير وتعريفات واضحة للمنتج العضوي المحلّي.
بين حيرة رنا وتساؤلات زهرة يذكّرنا المهندس محمد بالحقيقة: “الزراعة العضوية ليست موضة جديدة، بل هي أصل أرضنا وفطرة أجدادنا التي أطعمتنا وحفظت أمننا الغذائي”، غير أنّ واقع المنتج السوري يطرح اليوم سؤالاً حاسماً: هل أصبحت هذه البساطة مجرّد مظاهر للمقتدرين مادياً أم أنّ القصّة كلّها بيع لوهم العضوية في غلاف أنيق؟



