ليلى جروج –
تضجّ مواقع التواصل الاجتماعي اليوم بحملات التسويق لمنتجات طبيعية، على الرغم من الإدراك المسبق لخطورة شراء أيّ مُنتَج دون استشارة المختصّ المسؤول، إلا أنّنا نضعف أمام مغريات المنتجات ونتائجها السريعة، على الأخصّ عندما تُلحَق بها صفة “الطبيعية”.
بالتأكيد؛ لا يتقاطع هذا الأمر مع الضغوطات المادية والواقع المعيشي في سوريا، فمثل هذه المنتجات لا تُصنّف ضمن الأغذية، وليست بديلاً عنها، وسعرها مرتفع بشكل ملفت جداً مقارنة بفاعليّتها الحقيقية ونسبة الاستفادة منها.
أمان مزيّف
يترك استعمال المنتجات ذات المنشأ الطبيعي حالة من الأمان الضمني، بافتراض أنّها لا تحمل آثاراً جانبية، لكن تجربة هيا (اسم مستعار) تقول شيئاَ آخر. جرّبت هيا بذور الشيا منذ عام تقريباً، على امتداد شهر كامل، منقوعةً بالمياه تارةً ومع الحليب تارةً أُخرى. لم تشك بدايةً أنّ ألم البطن الذي رافقها خلال هذه الفترة كان ناجماً عن استخدام بذور الشيا، لكنّها أدركت لاحقاً أنّها ربّما قد أكثرت من الكميّات، أو ببساطة لم يستجب جسمها لهذه البذور التي تُنقع في المياه لفترة قبل تناولها. تقول هيا، التي تدرس الطبّ البشري إنّها حصلت على البذور من أحد العطّارين في ريف حماة، وتضيف: “باتت هذه المواد تتواجد في محال العطّارين في مدينتي في ريف حماة هذه الأيّام، بعد أن اقتصرت حسب معرفتي في الأيّام الماضية على المدن الكبرى وضمن متاجر متخصّصة”.
تعتبر هيا أنّ هذه المواد لا تنفع مع جميع الناس، ليس لعدم جودتها مثلاً، بل لأنّ كلّ جسم هو حالة خاصّة، كما أنّ التعامل مع المنتجات الطبيعية بعشوائية قد يؤدّي إلى نتائج سيئة، خصوصاً مع موجات التسويق على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تكاد أن تصل إلى التأثير الوهمي، لأنّها تحمّل هذه المواد أداة سحرية تحلّ جميع المشاكل تقريباً.
“لا يمكن اعتبارها فكرة صحيحة بالمطلق، فالمنتج طبيعي لا يعني أنّه آمن وبدون آثار جانبية”، تقول اختصاصية التغذية ندى الشيخ، وتوضّح أنّه يمكن لبعض الأعشاب أن تحتوي على مركّبات تؤثّر بالفعل على الجسم، ومن الممكن أن يكون لها آثار جانبية أو تداخلات مع بعض الأدوية، خاصة عندما تؤخذ بشكل عشوائي. الأهمّ هو التفريق بين مُنتَج طبيعي مُستخدَم بشكل تقليدي، ومُنتَج طبيعي أُثبتت فعّاليته علمياً في علاج أو في تحسين حالة صحية معينة، “وهو شيء أهمّ وأدقّ من كونه منتج طبيعي أو صناعي”.
لا تكمن المشكلة في “الترند” نفسه فقط وسرعة انتشاره، بل أيضاً في الأشخاص ممن يعتبرون كلّ منتج جديد هو الحلّ المُنتظَر لمشاكلهم، وتتمّ تجربته فوراً من غير استشارة، فالتكرار والتنويع بالمواد الطبيعية في فترات متقاربة يمكن أن يؤدّي إلى تجاوز الجرعات الآمنة لبعض المعادن مثلاً، أو أن تتداخل مع بعضها ما قد يسبّب مشكلة، وقد تؤدّي إلى تأثير أو تداخل مع ما يؤخذ بعدها من أدوية، أو حتى ما يؤكل من طعام. لذلك توصف المُكمِّلات الغذائية من قبل مختصّ حسب الحالة الصحية للشخص، وليس حسب رأي المؤثِّرين (الإنفلونسرز).
جيّدة عند الحاجة الحقيقية لها
تمتلك هيا تجربة ناجحة مع عشبة الاشواجندا منذ شهرين تقريباً، فبعد الاعتماد على المهدِّئات الدوائية، قرّرت الانتقال إلى مصدر أكثر طبيعية، لأنّ “الحصول عليها سهل فهي متوفِّرة في الصيدليات، لكنّها مرتفعة الثمن لعدم توفّر مصدر وطني لها”.
يتعامل البعض مع المصادر الأجنبية والطبيعية على أنّها أشياء تصلح للاستخدام بأمان، لكن يبقى دور الاستشاري أو الطبيب هو الفيصل، وليس مواقع التواصل الاجتماعي، أو الفيديوهات العشوائية التي تعرض أعراض ومشاكل معينة، وتطرح هذه العشبة أو غيرها كحلول سحرية.
الأخطر اعتبارها غير مؤذية للاستخدام الخارجي مثلاً، فاستخدامات المواد الطبيعية بعشوائية لا تقتصر على ما يؤكل أو يُشرب، فالتعامل مع “فيتامين سي” على أنّه جيّد للبشرة بصورته الطبيعية هو دمار لها، كوضع الليمون على الوجه مباشرة، لكن السيرومات الطبية تُعالج لتصبح صالحة للبشرة دون أن تتسبّب تهيّجها.
تؤكد ندى مجدداً أن كون هذه المواد طبيعية لا يعني أنّها آمنة، مثلاً بالنسبة لبذور الشيا يمكن القول عنها آمنة بالكميّات المعتدلة أو الطبيعية، لكن زيادتها بشكل مفاجئ قد تسبّب مشاكل هضمية، أما البربرين فبعض الأبحاث تتحدّث عن فعاليته في تحسين مؤشّرات سكّر الدمّ عند مرضى السكري من النمط الثاني، لكنه وحتى اللحظة لا يعدّ بديلاً عن العلاج الطبي أو الدوائي، “ولا يُعتبر حلاً سحرياً للشهية وتنزيل الوزن”، ومن النقاط الهامّة أيضاً أنّ له آثار جانبية، كالغثيان والإمساك والنفخة، كما أنّه قد يتداخل مع بعض الأدوية، لذا هو لا يصلح للاستخدام العشوائي.
أما الخطر الأكبر يكمن في التسويق لهذه المنتجات على أنّها حلّ سحري يعالج السكري، أو يقضي على الشراهة، وعلمياً هذا الكلام غير منطقي. تقول ندى: “كمختصّة في التغذية أتعامل من منطلق جزئية التغذية في العلاج، لكنّها ليست بديلاً عن العلاج الطبي، أحاول دعم العلاج الطبي أو الدوائي عن طريق التغذية إن كان ذلك ممكناً، وعندما تتوفّر منتجات طبيعية لها فائدة حقيقة ومثبتة ومجربّة وآمنة، فلن يخفيها الأطباء عن المرضى”.
أكثر ما يثير استغراب ندى هو تكرار حالات لأشخاص يقتنعون بأنّ منتج طبيعي واحد سيصنع فرقاً كبيراً في الصحّة، وتأتي هذه القناعة غالباً من حديث عشوائي مع الأصدقاء أو تجارب الجيران أو إعلان عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ” أحاول عدم رفض الفكرة بشكل كامل في حال كان للمنتج فائدة مُحتمَلة، لكن من واجبي توضيح أن المنتجات والمكمّلات هي a cherry on top لنمط الحياة المناسب للحالة”.
جندرة المواد الطبيعية
منذ زمن التلفاز، والإعلانات التي تخصّ أيّ مواد تجميلية، كانت تتوجّه بصيغة التحدّث إلى النساء بصورة أكبر بكثير من الرجال، واليوم تتواجد هذه الصيغة بقوّة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، “تتوجّه معظم هذه الإعلانات إلى النساء، ما يزيد من نسبة استهلاكهنّ للمواد مقارنة بالرجال، الذين يسألون عن المنتجات الدوائية أكثر من الطبيعية”، بحسب ندى.
كذلك ترى هيا أن ربط هذه المنتجات بالشكل الخارجي وتحسينه يجعل الإعلانات وحملات الترويج تتوجّه إلى النساء أكثر بكثير من الرجال.
لكن المثير للاهتمام ليس فقط التوجّه إلى النساء والسيّدات في عمليّات التسويق، وتطبيع استخدامهن العشوائي لهذه المواد، بل حرمان الرجال من التجربة حتى، والتي قد تكون بشكل سرّي بالمطلق بسبب النظرة الاجتماعية، وتجدر الإشارة إلى أنّ معظم الرجال، ممن تواصلنا معهم، رفضوا الحديث -على غير عادة- عن تجاربهم مع استخدام المواد الطبيعية، حتى ولو بأسماء مستعارة.



