العمارة الطبيعية: القشّ والتبن كدرع في مواجهة التغيّر المناخي

رؤى النايف –

حين تدخل الغرفة المُرمَّمة بالقشّ والتبن وسط موجة الحرّ، تشعر فوراً بالفرق الشاسع مقارنة بالغرف المبنيّة بالأسمنت. “الجدران هنا تتنفّس، لا تحبس السخونة في جوفها، بل تمنح برودة طبيعية تريحنا من الاعتماد المستمرّ على المكيّفات”. بهذه الكلمات تروي لطيفة مسعود لمجلة لحلاح تجربتها وهي تستعيد جزءاً من منزلها في مدينة القامشلي باستخدام مواد طبيعية. 

توضح لطيفة: “لم يكن دافعنا اقتصادياً بحتاً للهروب من غلاء الإسمنت، بل هو رغبة واعية في العيش في بيئة داخلية خالية من المواد الكيميائية، فالترميم بالنسبة لنا ليس مجرّد حاجة طارئة، بل هو طقس سنوي ننتظره بشوق، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بعواملنا البيئية ومناخنا القاسي”.

تستعرض لطيفة محاسن هذا النوع من البناء، مشيرة إلى أنّ التبن والقشّ يمنحان المنزل عزلاً حرارياً فريداً وطقساً داخلياً لطيفاً، لكنّها لا تتردّد في ذكر بعض التحدّيات والمساوئ: “في المقابل، فإنّ استخدام الطين والقشّ يتطلّب صيانة دورية وجهداً كبيراً لا يستهان به، كما أنّ الجدران تتأثّر بشدّة إن تعرّضت لرطوبة أو تسرّب مياه مباشر لفترات طويلة إذا لم يتم تعشيبها وطلاؤها بحرفية ودقّة”.

يروي حسن عطو، من سكّان قرية تنورية في ريف القامشلي، تفاصيل هذا “الطقس” المرتبط بالأرض: “لا تخضع عملية ترميم البيوت الطينية للصدفة، بل تحكمها دورة إيكولوجية ومناخية دقيقة. نختار فترة أواخر الصيف وبداية الخريف مباشرة بعد جني المحاصيل وقبل هطول أمطار الشتاء الأولى للقيام بأعمال الترميم والبناء”.

يتابع حسن شارحاً الأسباب البيئية لهذا التوقيت: “هذا التوقيت ليس اعتباطياً، فالطين المدموج بألياف القشّ يحتاج إلى جفاف بطيء وثبات تحت أشعة الشمس المتبقية لكي تتداخل أليافه وتتصلّب جدرانه بصورة طبيعية تمنع تشقّقها لاحقاً”. هذه المواءمة بين رزق الأرض وإيقاع فصولها تمثّل استجابة ذكية تحترم المناخ المحلي، وتضمن أن تكون الجدران قد اكتسبت صلابتها الكاملة قبل أن تلامسها قطرات المطر الأولى.

خلافاً لصناعة الأسمنت والحديد التي تتصدّر قائمة مسببي الانبعاثات الكربونية والاحتباس الحراري عالمياً، يعتمد البناء الطيني المدعم بألياف القشّ على مواد خام لا تترك أيّ أثر كربوني يُذكر. هذه الألياف لا تدخل في خطوط إنتاج مصانع ملوّثة، بل هي في جوهرها مخزن طبيعي للكربون التقطه النبات من الجوّ طوال فترة نموّه في الأرض، لتقدّم عزلاً حرارياً فائقاً يواجه درجات الحرارة المرتفعة دون استهلاك مفرط للطاقة.

في ريف الحسكة، يأخذ الأمر أبعاداً أعمق ترتبط بروح الاقتصاد الدائري والتخلّص من الممارسات الضارّة؛ فبدلاً من ترك مخلّفات الحصاد عرضة للتلف أو الحرق العشوائي الذي يلوّث هواء القرى، يُعاد تدويرها بحرفية عالية.

يرويه ضياء عبدان، من ريف الحسكة، لمجلة لحلاح تفاصيل تجهيز هذه المادة مع انقضاء موسم الحصاد: “العمل يبدأ فور انتهاء موسم القمح والشعير؛ نقوم بفرز القشّ والتبن وتجفيفه بعناية، ثم تقطيعه بأطوال مدروسة ليمتزج بسلاسة مع الطين والماء. هذه الألياف تعمل تماماً مثل شبكة تسليح دقيقة تمنع الطين من التصدّع أثناء الجفاف تحت شمس الصيف، وبذلك نحوّل ما كان يُعتبر نفايات زراعية إلى خلطة صلبة ومقاومة، تستقبل أمطار الشتاء بمرونة مذهلة ودون الحاجة لأي طلاء كيميائي”.

يختم ضياء حديثه بابتسامة تعكس ارتباطه بأرضه وخبرته الطويلة، ويقول: “بهذه الطريقة نحمي أرضنا، ونعيد تدوير عطاءاتها الموسمية، ونبني بيوتاً ترحم جيوبنا ولا تؤذي كوكبنا”.

بين مدينة تبحث عن واحة باردة وسط جوّ صيفيّ حارّ، وريف يعيد اكتشاف حكمته القديمة عقب كلّ حصاد، تثبت هذه التجارب أنّ الحلول الأكثر استدامة لم تكن يوماً بعيدة عنّا، بل كانت كامنة تحت أقدامنا ومن حولنا. إنّها دعوة صادقة لإحياء ثقافة بناء متناغمة مع البيئة لا تترك خلفها سوى أثرٍ طيب، وخطوات واثقة على كوكب يستحقّ منا كثيراً من الرفق.

Scroll to Top