رؤى النايف –
في زوايا البيوت البسيطة وأمام شرفات المنازل، في مدينة القامشلي، تطلّ ورقات خضراء وأزهار زاهية تحاول أن تقاوم قسوة الطقس الجافّ وشحّ المياه، إذ لم تعد نباتات الزينة مجرّد أداة لتجميل الفراغات المنزلية، أو لإضفاء البهجة على الديكورات الداخلية، بل تحوّلت إلى ما يشبه الرئة الصغيرة، التي يحاول الأهالي من خلالها استنشاق بعض الحياة في الصيف الحارق أو تحت الغبار المتطاير.
غير أنّ هذه الواحات الخضراء المُصغّرة تحمل في طيّاتها قِصّة أعمق، قصّة صراع بين رغبة الإنسان في تجميل محيطه وواقع بيئي ومائي معقَّد تفرضه، ما يفتح الباب أمام تساؤل مشروع ليس له جواب حاسم: ما الأثر البيئي الحقيقي لنباتات الزينة في بيئة تعاني العطش مع غياب الحلول الجذرية؟
شغف أخضر في بيئة جافة
يقول أبو محمد، وهو صاحب محل لبيع نباتات الزينة وشتلات الحدائق في سوق القامشلي، لمجلة لِحلاح، إنّ لدى الناس في الجزيرة تعلّقاً كبيراً بالخضرة، مرجّحاً أن يكون سبب ذلك طبيعة المنطقة الجافّة، ثمّ يضيف وهو يرتّب أصص النباتات بعناية: “اللون الأخضر يمنح راحة نفسية هائلة.. الإقبال يرتفع، خاصة على النباتات الداخلية مثل البوتوس وزنبق السلام، لأنّها تتحمّل، وتضفي روحاً على المكان، والناس اليوم باتت أكثر وعياً، إذ تسأل عن النبتة التي تنقّي الهواء ولا تستهلك الماء بكثرة”.
يضيف أبو محمد، بصوت يعكس خبرة سنوات من العمل، أنّه في السابق كان أيّ شخص يزرع ما يشاء دون تفكير، أمّا اليوم، ومع أزمة المياه وارتفاع درجات الحرارة، “أصبح الزبائن يختارون بعناية”. لكن، المعضلة تكمن في غياب البدائل والحلول المنظَّمة؛ فالمشكلة لا تقتصر على النبات وحده، بل في طريقة السقاية العشوائية، وأحياناً في دخول أنواع لا تتناسب مع بيئة المنطقة فتؤذي التربة أو تستنزف الموارد، وذلك في ظلّ غياب التوجيه الزراعي الواضح.

أثر عكسي
توضّح المهندسة الزراعية سمر النزهان، العاملة في مجال إكثار وزراعة نباتات الزينة في مدينة القامشلي، أنّ بيئة الجزيرة السورية تتميّز بخصوصية قاسية صيفاً، وهذا يجعل اختيار نباتات الزينة معادلة دقيقة ومُعقَّدة بيئياً، وتتابع: “نحن كمهندسين زراعيين نؤكّد دائماً أنّ نباتات الزينة تُعدّ صديقة للبيئة من حيث قدرتها على خفض درجات الحرارة المحيطة، ورفع نسبة الرطوبة، وتنقية الهواء الداخلي للمنازل من الملوِّثات والمركَّبات العضوية المتطايرة، ولكنّنا نجد أنفسنا أمام معضلة بيئية حقيقية لغياب الحلول الشاملة وقلّة المشاتل المتخصّصة التي توفّر أصنافاً ملائمة لمناخنا الجافّ”.
في هذا الإطار تحذّر النزهان من الأثر البيئي العكسي لبعض الممارسات في ظلّ غياب الرقابة والحلول، لافتةً إلى أنّ “الخطورة لا تكمن في النبات بحدّ ذاته، بل في نوعه وفي طريقة الإدارة المفقودة، فعلى سبيل المثال، بعض النباتات المستوردة أو الغازية تستهلك كميّات مرعبة ومستنزفة للمياه، في وقت نعاني فيه من شحّ حادّ في الموارد المائية، وهناك أنواع أخرى إذا تخلّص منها البعض بشكل عشوائي خارج الحدائق فإنّها تتحوّل إلى آفات تزاحم النباتات المحلية وتدمّر التنوّع الحيوي. كذلك فإنّ الإفراط في استخدام الأسمدة الكيميائية يفاقم تلوّث التربة والمياه الجوفية، وتبقى المشكلة قائمة لعدم وجود استراتيجية بيئية”.
بالمقارنة بين الأنواع، نجد أنّ منطقة الجزيرة تحتضن نماذج إيجابية قوية وقادرة على الصمود؛ كنبات الثعبان المعروف بجلده السميك وقدرته المذهلة على العيش بأقلّ كميّة مياه مع تنقية الجوّ ليلاً، وزنبق السلام الذي يعمل بصمت على امتصاص سموم الهواء الداخلي، إلى جانب الياسمين البلدي واللافندر، اللذين يزيّنان الشرفات الخارجية ويقدّمان خدمة جليلة للنحل والملقّحات المحلية دون تكاليف مائية باهظة، فضلاً عن البوتوس الذي يملأ الفراغات بالحياة.



في المقابل، تبرز الأنواع السلبية التي تترك أثراً بيئياً كارثياً، وتتطلّب حذراً شديداً، مثل النجيل الأجنبي (الثيل)، الذي يستنزف بلا هوادة كميّات كبيرة من المياه في بيئة عطشى، ونباتات مثل اللانتانا كمارا، التي تتحوّل إلى آفة غازية تفرز مواد سامّة تقتل النباتات المجاورة، وصولاً إلى شجيرات الدفلة الشائعة، التي تشكّل عصارتها السامّة خطراً خفياً يتربّص بالأطفال والحيوانات، من دون أن ننسى خطر النباتات المائية الغازية إن وُجدت بالقرب من الضفاف والمجاري المائية حيث تتكاثر بجنون لتخنق الممرّات المائية وتخلّ بالتوازن الإيكولوجي الهشّ أساساً.
نافذة أمل صغيرة
بين أصص الزهور المنزلية وحقول وشتلات الجزيرة، تعبّر الشابة دعد عمران عن شغفها بهذا العالم: “أنا أعشق نباتات الزينة، وأراها عنصراً أساسياً لا غنى عنه يضفي طاقة إيجابية مذهلة على أجواء البيت وحتى على طاولة عملي”.
بالنسبة لدعد، تُعدّ النباتات من أرقى وأحبّ الهدايا إلى قلبها، والتي تحرص دائماً على تقديمها لصديقاتها وللمقرّبين منها في المناسبات، وتجد كتعة كبيرة في رعاية نباتات، مثل البوتوس وزنبق السلام، فهي، على حدّ وصفها، تمنح المكان شعوراً بالحياة والسلام الداخلي. تقول: “على الرغم من كلّ الحديث عن التحدّيات البيئية ونقص المياه، إلا أنّني أؤمن أنّ هذا العشق الأخضر يظلّ نافذة أمل صغيرة نتنفّس من خلالها وسط قسوة الظروف”.



