العجز المتراكم يغمر حلب بالمياه

لحلاح –

لم تكن مشاهد المياه التي غمرت شوارع حلب وأحياءها مع الهطولات المطرية في تشرين الأوّل الماضي نتيجة لأمطار غزيرة باغتت المدينة، ففي كلّ مرّة تتكرّر فيها المشاهد نفسها، من السيارات العالقة إلى المحال والأقبية التي تتسرّب إليها المياه، تعود الأسئلة حول قدرة شبكة التصريف على استيعاب الهطولات، وحول الأسباب التي تجعل مناطق بعينها عرضة للغرق.

المعطيات المتاحة تشير إلى أنّ المشكلة أعمق من انسداد مصرف أو تأخّر فرق الطوارئ، فالشبكة الرئيسية صُمِّمت قبل أكثر من خمسة عقود، حين كانت المدينة أصغر بكثير، ثم تعرّضت البنية التحتية لأضرار جسيمة خلال المعارك والزلزال، وتراجعت قدرات الصيانة والتأهيل، بينما توسّعت المدينة عمرانياً وسكّانياً، وتضاف إلى ذلك اختلالات هندسية في بعض المواقع، وطبيعة جغرافية تجعل تصريف المياه أكثر تعقيداً عندما يرتفع منسوب نهر قويق.

تعود التصاميم الرئيسية لشبكة الصرف الصحي في حلب إلى عام 1970، بحسب فرهاد خورتو، عضو المكتب التنفيذي في المحافظة والمكلف بمتابعة ملف الصرف الصحي. أوضح خورتو، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام سورية، أنّ نحو 80% من الشبكة يتكوّن من قنوات مغلقة مبنية بالبلوك، وهي بنية قديمة تحتاج إلى أعمال تأهيل واسعة.

الأرقام التي أعلنها خورتو تكشف حجم المشكلة: نحو 127 كيلومتراً من التمديدات المتدهورة، أُعيد تأهيل قرابة 42 كيلومتراً منها، فيما لا يزال نحو 85 كيلومتراً بحاجة إلى التأهيل، وهذا يعني أنّ جزءاً مهمّاً من الشبكة لا يزال ينتظر أعمالاً تتجاوز التنظيف الدوري إلى إصلاح البنية نفسها.

لكن عمر الشبكة لا يفسّر وحده عجزها الحالي، فالمدينة التي صُمِّمت هذه الشبكة لخدمتها تغيّرت بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، وتشير تقديرات سكّانية تاريخية إلى أنّ عدد سكّان حلب كان أقلّ من 700 ألف نسمة عام 1970، في حين تضع تقديرات الأمم المتحدة عدد سكّان مركزها الحضري المتّصل عمرانياً عند نحو 2.9 مليون نسمة في 2025، أي إنّ عدد السكّان أصبح أكثر من أربعة أضعاف مستواه قبل خمسة عقود.

هذه المقارنة تعطي مؤشِّراً على حجم التحوّل الذي شهدته المدينة، لكنّها لا تعني أنّ عدد السكّان وحده يحدِّد الحمولة على شبكة الصرف، أو أنّ جميع السكّان متّصلون بالشبكة ذاتها، فالتوسع العمراني، وتغيّر كثافة البناء، وامتداد الأحياء، وطبيعة شبكات التصريف فيها، كلّها عوامل تدخل في حساب القدرة الاستيعابية، ومع ذلك، يصعب تجاهل الفجوة بين مدينة تغيّر حجمها وتركيبها العمراني بهذا المقدار، وشبكة يعود تصميمها الأساسي إلى عام 1970، من دون أن تتوافر بيانات منشورة تثبت أن توسعتها وتأهيلها واكبا هذا التحوّل.

سنوات الحرب لم تترك شبكة الصرف الصحي خارج دائرة الدمار، فقد تعرّضت البنية التحتية في حلب لأضرار مباشرة بفعل القصف والاشتباكات، كما تعطّلت أعمال الصيانة الدورية وإصلاح الأعطال، وتراجعت قدرة المؤسَّسات الخدمية على توفير المعدّات والقطع والكوادر اللازمة، وفي بعض المناطق، تراكمت الأنقاض والمخلّفات فوق شبكات لم تكن في الأصل حديثة أو مُصمَّمة لتحمّل الضغوط الحالية.

في تشرين الأول 2026، تحدّث خورتو عن تراجع عدد العاملين في مديرية الصرف الصحي من نحو 950 موظّفاً عام 2010 إلى قرابة 320 موظّفاً حالياً، وهذا الانخفاض لا ينعكس على سرعة التدخّل أثناء الفيضانات فحسب، بل يضعف أيضاً القدرة على تنفيذ أعمال الصيانة الوقائية ومراقبة الشبكة على امتداد المدينة.

كذلك جاء زلزال شباط 2023 ليضيف طبقة جديدة من الأضرار إلى بنية منهكة أصلاً. اللجنة الدولية للصليب الأحمر حذّرت في آذار من العام نفسه من أنّ نظام المياه في حلب، الذي وصفته بالقديم إلى درجة لم تعد معها قطع الغيار متاحة، تعرّض لضغوط متزايدة خلال سنوات النزاع، ثم تفاقمت حالته بعد الزلزال. وأشارت إلى أضرار مباشرة طالت أجزاء أساسية من البنية التحتية، بما قلّل كفاءة النظام ورفع مخاطر تلوّث المياه.

أمّا تقديرات البنك الدولي لأضرار الزلزال، فقد وضعت محافظة حلب في مقدّمة المناطق الأكثر تضرّراً، بخسائر مادية مباشرة قُدِّرت بنحو 2.3 مليار دولار، علماً أنّ هذا التقدير قطاعات متعدّدة ولا يقتصر على مدينة حلب أو على شبكات الصرف الصحي تحديداً. كما أنّ تقييم البنك الدولي اللاحق لأضرار الحرب في سوريا أظهر أنّ البنية التحتية كانت القطاع الأكثر تضرّراً على المستوى الوطني، مع أضرار مباشرة قدرت بنحو 52 مليار دولار بين عامي 2011 و2024.

لا تتوافر، حتى الآن، حصيلة منشورة تفصّل بدقة مقدار الأضرار التي لحقت بشبكة الصرف الصحي في مدينة حلب جرّاء المعارك، وما أضافه الزلزال إليها، وما أُصلح خلال السنوات الماضية، لكن تحذيرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب الأرقام التي أعلنتها المحافظة عن التمديدات المتدهورة، تجعل من الصعب التعامل مع السيول باعتبارها مشكلة موسمية منفصلة عن تاريخ تضرّر البنية التحتية.

من الأسباب الفنية التي تفسّر تكرار تجمّع المياه في حي الفيض، وفق الشركة العامة للمياه والصرف الصحي، ارتفاع منسوب نهر قويق خلال العاصفة المطرية. الشركة أوضحت أنّ منسوب النهر تجاوز مستوى مخارج المصارف المطرية، ما أعاق تصريف المياه باتجاهه وأدّى إلى ارتدادها وتجمّعها في الشوارع.

تعتمد أجزاء من منظومة التصريف في حلب على قنوات تصبّ في نهر قويق، بحسب ما شرحه رئيس قسم الطوارئ في الشركة سامر معتوقي لصحيفة الثورة السورية. وعندما يرتفع منسوب النهر، تتراجع قدرة هذه القنوات على تفريغ المياه، وقد تتحوّل المصارف من منافذ لاستقبال مياه الأمطار إلى نقاط تخرج منها المياه إلى الشوارع. هذا التأثير معروف هندسياً بوصفه تأثير المنسوب المرتفع للمجرى المستقبل على التصريف، إذ يمكن أن يبطئ تدفّق المياه أو يعيقه عندما يصبح مستوى النهر أعلى من مستوى مخارج القنوات.

لكن تفسير الشركة يحتاج إلى استكمال ببيانات فنية منشورة عن مناسيب النهر ومخارج المصارف وتوقيت ارتفاعها، حتى يمكن تحديد مدى مساهمة هذا العامل في كلّ موقع من مواقع الغرق. كما أنّ المشكلة هنا أنّ تنظيف المصارف وحده لا يكفي لمعالجة حالة يكون فيها المجرى الذي تُستقبل فيه المياه عاجزاً مؤقّتاً عن استيعابها، وهذا يطرح أسئلة تتعلّق بتصميم مخارج التصريف، وإمكانية إنشاء حلول هندسية تحدّ من ارتداد المياه، ومدى الحاجة إلى مسارات أو أحواض تجميع بديلة في المناطق المنخفضة.

في مطلع تشرين الأوّل، شهدت أحياء الفيض والفردوس والمشهد والمشارقة والصالحين تجمّعات مائية، إلى جانب محيط دوار الفيض وجسر الحج وجسر 16 تشرين وشارع الفرنسيسكان، ووصلت المياه في بعض المواقع إلى المنازل والمحال التجارية، وأعاقت حركة السيارات والمارّة.

خورتو قال إنّ الهطولات تجاوزت 30 ميليمتراً خلال نحو 20 إلى 22 دقيقة، وفي تصريح منفصل لصحيفة الثورة، تحدّث سامر معتوقي عن تسجيل نحو 40 ميليمتراً خلال عشر دقائق، لكن لا تتوافر معلومات كافية عن مواقع القياس أو منهجية احتساب هذه الأرقام، لذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها قراءة واحدة للعاصفة نفسها أو دمجها في رقم موحّد.

لكن التصريحين يسلّطان الضوء على عامل شدّة الهطول خلال فترة قصيرة، وهي مسألة تختلف عن مجموع الأمطار خلال اليوم أو الموسم، فالشبكة قد تكون قادرة على استيعاب كمية معينة إذا توزّعت على ساعات، لكنّها تتعرّض لضغط أكبر عندما تسقط الكمية نفسها خلال دقائق، خصوصاً إذا كانت القنوات ضيّقة أو متضرّرة أو مسدودة جزئياً.

إلى جانب ذلك، أقرّ مسؤولون بوجود عيوب هندسية في بعض المواقع، بينها حي الفيض، وبوجود أتربة ومخلّفات داخل القنوات. كما أشاروا إلى تقصير في تنظيف مجاري الصرف، وإلى تراكم النفايات في الشوارع، وتؤدّي هذه العوامل مجتمعة إلى تقليص المساحة المتاحة لمرور المياه، فتتفاقم آثار الهطولات حتى عندما لا تكون استثنائية على مستوى الموسم المطري.

هذا ولا تقتصر نقاط الاختناق على الفيض، فقد أشار مدير الشركة العامة للمياه والصرف الصحي، أحمد حسن الشيخ، في تصريحات نقلتها الإخبارية السورية في منتصف تشرين الأوّل، إلى مواقع أخرى تشمل جسر الحج ودوار الراموسة وجسر العوارض، ومحيط معمل الألبان وطريق المدينة الصناعية، ونزلة الكسارات في الصاخور وطريق قطع الغيار في الجندول وعقدة الشقيف، واتّساع قائمة المواقع يشير إلى أنّ المشكلة ليست محصورة في حيّ واحد، بل ترتبط بقدرات متفاوتة لشبكة التصريف في مناطق متعدّدة.

الفيضانات والسيول لا تعني تعطّل حركة السير لساعات فقط، ففي حي الفيض ومناطق أخرى، تحدّث سكان وأصحاب محال عن دخول المياه إلى منشآت تجارية وورش وأقبية، وعن تضرّر معدّات وآلات عمل، ما يهدّد بشكل مباشر مصادر دخل عشرات، وربّما مئات، العائلات.

الدفاع المدني أعلن عن سحب 66 سيارة وآلية، وشفط المياه من 23 منزلاً وقبوين ومصنعين، وفتح 72 عبّارة وممرّاً مائياً وخمسة طرق رئيسية، إضافة إلى إزالة أشجار ورفع سواتر ترابية. هذه الأرقام قد تعكس حجم التدخّلات التي جرت، لكنّها لا تقدّم حصيلة شاملة للخسائر الاقتصادية أو عدد المنشآت المتضرّرة.

علاوةً على ذلك، تبرز أيضاً مخاطر صحية محتملة عندما تختلط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي أو بالمخلّفات المتراكمة في الشوارع، غير أنّ ذلك لا ينبغي تقديمه بوصفه واقعة مثبتة في فيضانات حلب الأخيرة، إذ لا تتوافر نتائج فحوص منشورة تؤكّد حدوث تلوّث في المياه المتجمّعة، لكن احتمال التلوّث يظلّ سبباً كافياً لضرورة فحص المياه وتنظيف المواقع المتضرّرة، خصوصاً في الأحياء التي تضمّ منازل ومحالاً وأقبية غمرتها المياه.

بعد موجات الأمطار، أعلنت محافظة حلب تنفيذ أعمال صيانة ومعالجة في أكثر من 50 نقطة ضمن شبكة الصرف الصحي، فيما تحدّثت الشركة العامة للمياه والصرف الصحي عن تنظيف المصافي و”الريكارات” ورفع جاهزية فرقها، وفي 31 تشرين الأوّل، أعلنت المحافظة استمرار أعمال تعزيل المصافي وقشط الترسّبات وتنظيف الشوارع وترحيل المخلّفات.

هذه الإجراءات، على الرغم من أهمّيتها، تبقى في إطار الاستجابة والصيانة ما لم تترافق مع خطّة تأهيل شاملة تستند إلى مسح هندسي حديث للشبكة، فإعادة فتح مصرف مسدود لا تعالج قناة متضرّرة، وتنظيف مجرى لا يوسّع طاقته الاستيعابية، كما أنّ زيادة عدد فرق الطوارئ لا تحلّ مشكلة مخارج تصريف تتأثّر بارتفاع منسوب نهر قويق.

تحتاج المدينة إلى خريطة مُحدَّثة لشبكات الصرف وتصريف مياه الأمطار، تحدّد أعمار القنوات وأقطارها وحالتها الفنية، ومواقع الانهيارات والاختناقات، والارتباط بين المخارج ونهر قويق. كما ينبغي نشر نتائج فحوص ميدانية توضّح الأضرار التي خلّفتها المعارك والزلزال، وما أُصلح منها، وما لا يزال يحتاج إلى تدخّل. من دون هذه البيانات، ستظلّ تقديرات حجم المشكلة موزّعة بين تصريحات المسؤولين ومشاهد الفيضانات وشهادات السكان.

كذلك، فإنّ التوسّع العمراني لا يمكن أن يستمرّ من دون ربط التراخيص والمشاريع الجديدة بقدرة شبكات التصريف على استيعاب الزيادة في المساحات المبنية والمياه المتدفّقة إليها، كما تحتاج المناطق المنخفضة في حلب إلى حلول خاصّة تأخذ في الاعتبار علاقتها بمنسوب نهر قويق، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات عامّة تُطبَّق على مختلف أحياء المدينة.

Scroll to Top