ليلى جروج-
من خلال رسالة “واتساب” كان التعارف الأوّل بين آيلا وحلا؛ حلا الحلواني التي تعيش في حمص وصلتها رسالة من والدتها تقول: “شوفي شو صار عنّا”. لكن، قبل التعلّق، سألت حلا بوضوح، هل ستبقى عندنا أم أنها في زيارة مع أحدهم؟، “لأنه أمر إشكالي بالنسبة لأهلي”، تقول حلا، وتضيف أنه من خلال صديق لوالديها وصلت آيلا إلى منزلهم، وأصبح لها اسم وباتت جزءاً من العائلة.
في المدينة ذاتها، تخشى ناديا (اسم مستعار) الخروج بعد وقت محدِّد من المنزل، على الرغم من أن الأوضاع الأمنية قد تكون سبباً قوياً، لكن الكلاب الشاردة هي المسبّب الأكبر، ” قد تكون غير مؤذية، وأعلم مسبقاً أن للإنسان يد في كلّ ما يحصل لها، لكنّ الخوف منها خارج عن إرادتي”.
في حمص أيضاً يعمل اليوم أحد الملاجئ المحلية على حملات تهدف لنقل الحيوانات الشاردة في المدينة إلى مكان أكثر أماناً للناس والحيوانات، كما تظهر صفحة الفريق التطوعي المسؤول عن إدارة الملجأ على “فيسبوك”، عرض الحيوانات الموجودة للتبنّي، لتفتح صفحة جديدة في حياة الحيوانات في المدينة، وتطرح الأسئلة من مربّي الحيوانات والمهتمّين برعايتها حول أهمية هذا العمل وانعكاساته على الحيوان والإنسان.
رحلة الوصول إلى المنزل
وصلت آيلا بعمر شهر واحد، بحجم قبضة اليد، بوبر أبيض قصير يتناسب مع نوعها – أنجورا- وعيون خضراء، مع نقاط سوداء حول أنفها وعيونها، مع لطخة رمادية على رأسها -اختفت الآن بعد أن طال شعرها- وفطور نتيجة الاستحمام وعدم التجفيف الجيّد. “كانت بتمزع القلب”، تقول حلا عن قطّتها التي تألف المنزل اليوم، وتميّز رائحته وأهله، تحبّ شرفته الصغيرة، وتشعر بتوتر عند إخراجها من المنزل، بحسب حلا التي تسعى لتأمين الراحة لها، “لذا يقتصر الأمر على زيارة الطبيب البيطري”.



“عندما وصلت ورأيتها عرضتها على جاري، وهو طبيب بيطري، شرح لي حالتها، وقدّم لي شرحاً مفصّلاً عمّا قد نحتاجه نحن الآن كعائلة مربّية لحيوان أليف في المنزل”، تضيف حلا إن أوّل أسبوعين كانا اختباراً لهم، لمعرفة الأماكن التي ترتاح فيها، والأشياء التي يمكن أن تأكلها، تأخذ لقاحاتها بشكل دوري، وباستشارة الطبيب حصراً، تحمل اليوم دفتراً شخصياً لها، مع اسمها وتاريخ ميلادها التقديري.
ميشا وصلت بدورها منزل قمر الديبان في حمص قبل ست سنوات، بعد أن تبنّتها من سيدة مقدمة على السفر، بلونها البني الأقرب إلى الكريمي، ونوعها الهجين -لولو فوكس وبيشون- أقامت ميشا في منزل قمر، وأنجبت منذ سنتين جيسي من نوع بيشون وباكو أبيض من نوع لولو فوكس، يقيمون جميعاً في منزل قمر.
أما قصّة مايلو مختلفة قليلاً، فوصوله إلى منزل مؤيد العلي كان بعد معرفة قديمة في منزل صديق مؤيد الذي كان كثير السفر. بدأ الأمر عندما لاحظ أن مايلو يتعرّض للتعنيف من قبل الأشخاص الذين يأتمنهم على رعايته، يقول مؤيد: ” مايلو من نوع جاك راسل مهجّن، ويصعب التعامل مع المهجّن من هذا النوع بالتحديد”، لذا انتقل مايلو بعمر 8 سنوات إلى منزل مؤيد، وبعد فترة حضرت لوسي أيضاً التي كانت بعمر سنة وأربعة أشهر، وهي من نوع لولو فوكس.
تشترك هذه الحيوانات على اختلافاتها الكثيرة بحبّها للمنازل التي تقيم فيها، وتعلّقها بأصحابها، وامتلاكها ركناً للراحة، ووقتاً للغذاء وآخر للاستحمام والنوم.



رحلة مقابلة في الشارع
خمس قطط تزور عيادة الدكتور معتز جانسيز بشكل يومي في حمص، بعد أن تُركوا من قبل أصحابهم على باب العيادة. “ما قدرت أمّن متبنّي، لهيك كل يوم بيجوا بياكلوا وبيروحوا”. تعرف قطط الحارة أن عيادة معتز قريبة، وجاهزة لتقديم المساعدة والطعام.
يستقبل جانسيز مختلف الحيوانات الشاردة والمنزلية. يقول إن أكثر الحالات الواردة إلى العيادة هي الأمراض الفيروسية، خاصة التهاب الأمعاء الفيروسي أو ما يلقّب بالطاعون، والمرض الكاليسي، ويعود انتشار هذه الأمراض بالتحديد إلى غياب الوعي بفكرة اللقاح الوقائي بحسب معتز، “وغالباً تنتشر بين القطط، أما عند الكلاب فأكثر الحالات شيوعاً هو مرض البارفو، وهو من أشكال التهاب الأمعاء الفيروسي”، لكنه لم يلاحظ انتشار وباء محدد بين عدد كبير من الحيوانات، فمعظم الإصابات جلدية فطرية، أو فيروسية.
من الشائع في حمص، يقول جانسيز، استقبال الحيوانات الشاردة، القطط على وجه الخصوص، “دائماً تصلنا قطط شاردة بإصابات مختلفة، ونساعد بعلاجها قدر الإمكان، أنا أو أي صيدلية بيطرية”، ويشير إلى أن تعامل المجتمع القاسي والعنيف مع حيوانات الشارع يؤدّي إلى إصابتها بردات فعل عصبية، حيث تستقبل العيادة قططاً مُسمَّمة أو محروقة.
لم تواجه حلا موقفاً لتعرّض الحيوانات في الشارع للتعنيف، “لكني كثيراً ما أرى الآثار الجانبية على الحيوانات في الشوارع مثل العرج أو فقدان إحدى العينين”، توضّح. تقديم الطعام لها أحياناً هو أقصى ما يمكن لحلا القيام به، لكنها تحرص على الأقل على التخلّص من المعلّبات بطريقة آمنة حفاظاً على سلامة القطط والكلاب المنتشرة في الشوارع. تقول: “هو أمر يتطلّب توعية دائمة للتخلّص بأفضل طريقة منها، سواء قُدِّمت للقطط أو ضمن نفايات البيوت”.
أما قمر، فرغم أنها لا تبحث عن الحالات المتضرّرة، إلا أنّها لم تتمكّن يوماً من منع نفسها من حماية الحيوانات التي تتعرّض للأذى والتعنيف في الشارع. “صادفت أطفالاً يسحبون كلباً بعد تثبيته على سيخ حديدي، من حسن حظي أنهم لم يعارضوني عندما طلبت منهم الابتعاد عن الكلب”. تكرر الموضوع أكثر من مرة، بين قطط وكلاب، وفي كلّ مرّة كانت قمر تسعى لإنقاذهم وإرسالهم إلى ملجأ محلي للحيوانات في حمص.

لا تعيش ناديا التفاصيل ذاتها، فهي تخشى من أن تتعرّض لموقف أو هجوم من الحيوانات الشاردة، تتمنى ألا تصادفها أبداً، على الرغم من عدم اهتمامها بنوعية الحلول التي قد تُطرح لمعالجة مشكلة الحيوانات الشاردة، إلا أنها لا تفضّل التعامل معها بعنف، “أحياناً يسعى بعض الناس لوضع السمّ لها، أو إطلاق النار عليها، لكن حتى هذه الأفعال قد تؤدّي إلى مشاكل جديدة”.
هل الملجأ هو الحل الأمثل؟
ترى قمر أنه من الأفضل أن يتمّ تعقيم الحيوانات الشاردة، وإعطائها اللقاحات اللازمة، “قد يكون هذا الأمر مكلفاً، لكن بشكل عام كلاب الشارع غير المسعورة سهلة التعامل، أما الكلاب المسعورة فلا تعيش ضمن جماعات، من النادر أن تكون داخل المدينة”. تشير قمر إلى أن الحملة الأخيرة التي أطلقها الملجأ في مدينة حمص هي حملة جيدة، تقول: “انتشار الملاجئ خطوة جيدة جداً وضرورية، فبدلاً من تحمّل البلدية مبالغ كبيرة لتسميم الكلاب ونقلها بعد الموت، من الأفضل أن تدعم وجودها في الملجأ”.
بدورها تشير حلا إلى أهمية وجود الملاجئ، لكن الأهم بالنسبة لها هو خضوع هذه الأماكن لرقابة تتابع النظافة واللقاحات، وأن تتبع سياسات ومعايير رسمية واضحة حول تأمين مكان آمن وصحي، بالإضافة إلى تبنّي سياسات صارمة جداً تنظّم عملية التبنّي، وأن يتم متابعة حالة الحيوانات بعد تبنّيها من الملجأ نفسه.
“كل مكان في الأرض فيه حيوانات شاردة، لكن تعامل المجتمع مع الأمر هو ما يحدّد ردود أفعال الحيوانات، حتى أطفالنا لا يجيدون التعامل الجيّد مع الحيوانات”، يقول مؤيد، الذي يرى أن الملاجئ قد لا تكون المكان الأفضل للحيوانات جميعها، إذ يعتمد الأمر على نوع الحيوان وحالته، بينما يرى أن نشر الطعام في الشارع يعدّ بادرة إيجابية وجيدة. يقول: ” أعتقد أن الحيوانات تحتاج الأفضل، أرى أنني تمكّنت من رعاية لوسي ومايلو وأحاول دائماً الدفاع عنهم وحمايتهم، وهذا ما يمكن أن أقدّمه من مكاني”.

ينوّه الدكتور معتز إلى أهمّية المحافظة على التوازن البيئي، فخلال فترة المعارك التي شهدتها مدينة حمص تضاعف عدد الكلاب، “وبهذه الحالة يفضّل إجراء عمليات إخصاء لعدد محدَّد، وإعطاء لقاح السعار، ثم ترقيمها وإعادتها إلى موطنها، وبعد فترة سيبدأ العدد بالتناقص تدريجياً”.
كذلك يرى أن فكرة الملجأ فكرة ممتازة، “لكن دون دعم حكومي أو منظماتي سيكون من الصعب الاستمرار بالعمل التطوعي، فالعمل التطوعي قد يبدأ بقوة لكن استمراره يتطلّب دعماً لتجنّب حصول نقص بالكوادر البشرية أو المعدّات والمستلزمات اللوجستية”.



