بشار يوسف –
كثيراً ما يُشاع بين السوريين أن القضايا البيئية منفصلة عن بقية القضايا التي تشغل شرائح واسعة من المجتمع، وأن الاهتمام بها لا بدّ أن يأتي بعد تأمين الغذاء والعمل والسكن والاستقرار السياسي، وأن حماية الطبيعة ترف يمكن تأجيله إلى حين تجاوز الأزمات الأكثر إلحاحاً. هذا التصوّر، وإن كان مفهوماً في السياق السوري، يقلب العلاقة بين الأسباب والنتائج؛ فالغذاء الذي نحتاج إليه يرتبط بسلامة التربة والمياه، والعمل يرتبط باستقرار القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على الموارد الطبيعية، والسكن يتأثر بمخاطر الفيضانات والحرائق وموجات الحرّ، كما يتأثر الاستقرار السياسي نفسه بقدرة الحكومة على إدارة الموارد وتوزيعها بصورة عادلة. بهذا المعنى، لا يمكن اعتبار البيئة ملفاً ثانوياً أو ترفاً فكرياً ، بل أحد الشروط الأساسية التي تتيح للسوريين مواجهة بقية أزماتهم.
لذلك، لا أعتقد أننا، في مجلة لحلاح على الأقل، نولي القضايا البيئية اهتماماً أكبر مما تستحق، بل هي في الغالب غالباً تحظى باهتمام أقلّ في وسائل الإعلام مما تفرضه آثارها الفعلية، ولعلّ أحد أسباب ذلك أن الأضرار البيئية لا تظهر دائماً في صورة كارثة مفاجئة -على الرغم من أن ذلك حصل مراراً- وإنّما تتراكم ببطء، وتنتشر آثارها عبر الزمن، وقد تبدأ بتراجع خصوبة الأرض أو انخفاض منسوب المياه الجوفية، قبل أن تتحوّل إلى خسارة في الإنتاج الزراعي، وارتفاع في أسعار الغذاء، وتراجع في دخل الأسر، وضغوط اجتماعية واقتصادية قد يصعب احتواؤها، منا هول الحال اليوم في شمال شرقي البلد.
البيئة في قلب الاقتصاد
يُقدَّم الاهتمام بالقضايا البيئة أحياناً باعتباره نقيضاً للتنمية الاقتصادية، وكأن حماية الموارد الطبيعية تعني بالضرورة التضحية بالنمو وفرص العمل، غير أن هذا التعارض ليس حقيقة اقتصادية مطلقة، بل نتيجة لطريقة محدّدة في حساب التكاليف والأرباح، تتعامل مع الموارد الطبيعية كما لو كانت مجانية وغير محدودة، وتتجاهل الأضرار التي يتحمّلها المجتمع لاحقاً.
عندما يستنزف نشاط اقتصادي ما المياه الجوفية، أو يلوّث نهراً، أو يدمّر غابة، قد تظهر أرباحه في حسابات الشركة، لكن تكاليفه الحقيقية لا تختفي، فهي تنتقل إلى المزارعين الذين يفقدون مصادر الري، وإلى الأسر التي تُضطر إلى شراء مياه أكثر كلفة، وإلى المستشفيات التي تستقبل مرضى تلوّث الهواء، وإلى الحكومة التي تجد نفسها مطالبة بمعالجة أضرار كان بالإمكان تجنّبها لو اعتمدت تدابير وسياسات وقائية.
بناءً على ذلك لا يمكن قياس الجدوى الاقتصادية لمشروع ما بحجم استثماراته أو عدد الوظائف التي يوفّرها فقط، من دون احتساب أثره على الموارد التي تعتمد عليها حياة السكان، فالوظيفة التي تُنشأ اليوم عبر نشاط يدمّر مصدر رزق آلاف الأشخاص غداً ليست بالضرورة مكسباً صافياً للاقتصاد، والتنمية التي تستهلك الأسس الطبيعية لاستمرارها تشبه استهلاك رأس المال من أجل إظهار أرباح مؤقّتة.
أزمة المناخ تكشف هذا التناقض بوضوح؛ الحرارة الشديدة والجفاف والفيضانات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية لم تدمّر المحاصيل والبنى التحتية فحسب، بل رفعت تكاليف الطاقة والرعاية الصحية، وأثّرت في إنتاجية العمال، ومن شأنها أن تفرض إنفاق موارد إضافية للتعافي من الكوارث. هنا ندرك أن السياسات البيئية تصبح جزءاً من السياسة الاقتصادية نفسها، لا عبئاً خارجياً عليها.
فمثلاً، شهدت سوريا في موسم 2024–2025 جفافاً حاداً أثّر في الزراعة والإنتاج الغذائي، في وقت كان فيه المزارعون يعانون أصلاً من آثار سنوات الحرب وارتفاع تكاليف الإنتاج وتضرر البنية التحتية، وقدّرت الفاو إنتاج القمح في 2025 بنحو 900 ألف إلى 1.1 مليون طن فقط.
البيئة قضية عدالة سياسية: من يتحمّل التكلفة؟
من الجلي أن الأزمات البيئية لا تصيب الجميع بالتساوي، فالأسر محدودة الدخل والفئات الأكثر ضعفاً، كالأشخاص ذوي الإعاقة والنساء، غالباً ما تملك خيارات أقلّ للتكيّف مع ارتفاع درجات الحرارة أو زيادة أسعار الغذاء والطاقة، وقد تسكن في أحياء أقلّ خضرة وأكثر عرضة للحرارة والتلوّث، أو في مساكن ضعيفة العزل، أو في مناطق تفتقر إلى بنية تحتية قادرة على مواجهة الفيضانات.
في المقابل، تستطيع الفئات الأكثر ثراءً شراء وسائل الحماية أو الانتقال إلى أماكن أقلّ تعرضاً للمخاطر. هكذا تتحوّل الأزمة البيئية إلى عامل يعمّق التفاوت الاجتماعي القائم، فيما قد تتحمّل الفئات الأقل إسهاماً في إنتاج المشكلة جانباً كبيراً من أضرارها.
هنا تبرز السياسة بكلّ وضوح: من يقرّر كيفية توزيع المياه في أوقات الشحّ؟ ومن يحصل على الطاقة بأسعار مدعومة؟ وأي المناطق تحظى بالاستثمارات اللازمة لحمايتها من الفيضانات والحرائق؟ وهل تُمنح الأولوية لمصالح الشركات الكبرى، أم لاحتياجات المجتمعات المحلية؟ ليست هذه أسئلة علمية بحتة، بل قرارات تتعلّق بالسلطة والمصالح والحقوق وتوزيع الموارد.
حتى التحوّل نحو الطاقة النظيفة، على أهميته، لا يضمن العدالة تلقائياً. فإذا جرى تمويله عبر تحميل الأسر الفقيرة تكاليف إضافية، أو استُخدمت أراضٍ وموارد محلية من دون مشاركة السكان في اتخاذ القرار، فقد يتحوّل مشروع يُفترض أنه يخدم المصلحة العامة إلى مصدر جديد للتهميش. لذلك لا يكفي أن تكون السياسة صديقة للبيئة؛ ينبغي أيضاً أن تكون عادلة في توزيع أعبائها ومنافعها.
كذلك، من الضروري إدراك أن أزمة المياه الحالية في سوريا ليست نتيجة لتغيّر المناخ أو انهيار مؤسسات الدولة فحسب، بل تغذّيها أيضاً سياسات سياسية وعسكرية ممنهجة بعضها لا يزال مستمراً، بمعنى آخر، لم تتحوّل المياه إلى حاجة إنسانية ملحّة فقط نتيجة الحرب والنزوح، بل أصبحت أيضاً أداة استراتيجية يستخدمها أطراف النزاع للسيطرة أو فرض عقاب جماعي.
حين تصبح البيئة جزءاً من الصراع
تزداد أهمية هذا الترابط في البلدان التي شهدت حروباً أو تعيش أزمات ممتدّة، وسوريا أفضل مثال على ذلك، فالمعارك لم تدمّر المباني والطرق والمؤسّسات فحسب، بل خلّفت تلوّثاً في التربة والمياه، وأضرّت بالغطاء النباتي، ودمّرت شبكات الصرف الصحي، وجعلت السكان عرضةً لمخلّفات خطرة. علاوةً على ذلك أدّى انهيار الخدمات العامة إلى ممارسات اضطرارية تترك آثاراً بيئية طويلة الأمد.
في نيسان الفائت، ذكر البنك الدولي أن أكثر من نصف البنية التحتية لإمدادات المياه ونحو 70% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي في سوريا تعرّضت لأضرار جسيمة، وأن إمدادات المياه انخفضت بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الصراع.
في هذه الحالات، لا يمكن فصل التعافي الاقتصادي عن التعافي البيئي، فإعادة بناء المنازل من دون تأمين المياه والصرف الصحي، أو إعادة تشغيل المصانع من دون معالجة التلوّث، أو توسيع الزراعة من دون مراعاة قدرة الأراضي والموارد المائية على التحمّل، قد تعيد إنتاج الهشاشة التي ساهمت في تفاقم الأزمة.
في سوريا اليوم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، لا ينبغي التعامل مع تدهور الموارد المائية أو تضرّر الأراضي الزراعية باعتبارهما ملفّين تقنيين منفصلين عن إعادة الإعمار، لأن المياه والأرض والطاقة، كلها ترتبط مباشرة بسبل عيش السكان، وبقدرة المجتمعات المحلية على استعادة نشاطها الاقتصادي، وبإمكان عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم واستقرارهم فيها، وإذا لم تتوافر الموارد والخدمات الأساسية، فقد تصبح العودة إلى بعض المناطق غير قابلة للاستمرار اقتصادياً ومعيشياً، حتى بعد إعادة بناء المنازل.
البيئة ليست ضد الأولويات المعيشية
كما أسلفت، يُستخدم أحياناً الفقر والبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة كمبرر لتأجيل السياسات البيئية، لكن هذا الطرح يتجاهل أن الأشخاص الذين يواجهون هذه الأزمات هم أنفسهم من يدفعون ثمن التدهور البيئي، فالمزارع الذي يخسر محصوله بسبب نقص المياه لا يستطيع انتظار تحسّن الظروف الاقتصادية العامة، والعائلة التي تعيش في منزل شديد الحرارة لا يمكن مطالبتها بتأجيل حاجتها إلى التبريد، والعامل الذي يتعرّض لموجات الحرّ لا يملك حريّة التوقّف عن العمل.
المطلوب، إذاً، ليس فرض خيارات بيئية على حساب الاحتياجات المعيشية، بل تصميم سياسات تربط بين الاثنين: تحسين كفاءة الطاقة في المساكن لتقليل الفواتير، وتطوير النقل العام لتخفيف النفقات والتلوث، وحماية الأراضي الزراعية والمياه لضمان استدامة الإنتاج الغذائي، والاستثمار في مصادر الطاقة المتجدّدة بما يخلق فرص عمل ويقلّل الاعتماد على مصادر أكثر تلويثاً، مع ضمان ألا يتحمّل محدودو الدخل كلفة التحوّل وحدهم.
هذا بدوره يتطلّب أيضاً إعادة النظر في معنى الأولويّات، فلت يمكن اعتبار كل إنفاق بيئي ترفاً، كما أن ليس كل مشروع يحمل شعار التنمية يُعدّ استثماراً ناجحاً. أحياناً يكون الإنفاق على الوقاية أقلّ كلفة بكثير من الإنفاق على معالجة الكوارث، ويكون الحفاظ على مورد طبيعي أكثر جدوى من استنزافه ثم محاولة تعويض خسارته.
باختصار شديد، لا تتعلّق القضية بالمفاضلة بين الإنسان والطبيعة، كما لو كانا طرفين متعارضين؛ الإنسان جزء من منظومة طبيعية يعتمد عليها في حياته وصحّته وغذائه واقتصاده، وأيّ سياسة تتجاهل هذه الحقيقة إنما تؤجّل تكاليفها إلى المستقبل، وغالباً ما تتركها لمن يملك أقلّ قدرة على تحمّلها. لذلك لا بدّ من التذكير والتأكيد على أن البيئة ليست ترفاً لأن انهيار شروط الحياة ليس ترفاً، وليست قضية ثانوية لأن آثارها لا تبقى محصورة في الطبيعة. إنها قضية اقتصادية حين تهدّد مصادر الرزق، وسياسية حين تتعلّق بتوزيع الموارد والسلطة، واجتماعية حين تعمّق التفاوت، وإنسانية حين تمسّ الحقّ في الماء والغذاء والصحّة والسكن الآمن.



