الطريق إلى إعادة الإعمار يمرّ عبر البيئة

دلير يوسف –


في نهاية شهر حزيران من العام الجاري شاركتُ متحدّثاً في جلسة “العراق وسوريا: تبادل المعرفة بين الجيران” ضمن مؤتمر “مفترق الأزمات: النزاع والمناخ والبيئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، الذي انعقد في مدينة إسطنبول التركية بتنظيم من مبادرة الإصلاح العربي ومؤسسة روبرت بوش. تحدّثت خلال الجلسة عن الأضرار البيئية الناجمة عن الحرب في سوريا، وخاصة تلك التي لا تزال خفيّة أو غير موثّقة بشكل كافٍ، وعمّا يُمكن أن يتعلّمه الصحفيون/ات والناشطون/ات السوريون/ات من تجربة العراق في توثيق الأضرار البيئية بعد الحرب، وعن الذي يجب توثيقه قبل أن تُعيد عملية إعادة الإعمار تشكيل الأدلة على أرض الواقع في “سوريا الجديدة”. 

ما يلي هو نص مداخلتي محرّراً، إضافة إلى بعض التعليقات التي أضفتها بعد الإجابة عن أسئلة الحضور أثناء المناقشة التي تلت الجلسة. 

الوضع في سوريا يشبه الوضع في العراق بدرجة كبيرة، مثلما يشبه الوضع في جنوب لبنان وغزة وليبيا وأماكن أخرى في العالم. سأحاول ألا أكون متشائماً أثناء حديثي. 

يُمكن تقسيم الآثار البيئية الناجمة عن الحرب إلى أقسام، على سبيل مثالها لا حصرها: تلوّث التربة بالمعادن الثقيلة والذخائر والمتفجرات ما يؤثّر بدوره على المياه الجوفية، وتدمير شبكات الصرف الصحي، وتسرّب المواد الكيميائية إلى التربة، والتي أيضاً تسبّب أمراضاً وتشوّهات للولادات الجديدة.

هناك أيضاً الأنقاض؛ في سوريا مناطق مدمرة بالكامل، مثل جوبر والقابون وبعض مناطق حمص وحلب وغيرها، وفي أنقاض الأبنية المدمرة توجد مواد سامّة نتجت عن الأسلحة التي قُصفت بها هذه الأماكن. نقل هذه الأنقاض دون معالجة يؤدّي إلى نقل التلوّث والأمراض من مكان إلى آخر.

في سوريا أيضاً تلوّث ناجم عن النفط، فمن حرق الوقود بطرق بدائية وتسرّب النفط للماء والتربة وصولاً إلى الأمراض الناتجة عن التعرّض المزمن للدخان. لم تسلم المياه أيضاً من الحرب، إذ يمكننا الحديث عن تلوّث المياه وتدهور محطات المعالجة، كلّ هذا بالإضافة إلى التغيّر المناخي والجفاف.

يؤدّي ما سبق، بالإضافة إلى مشكلات بيئية أخرى، إلى ما يمكن أن نسميه “الدمار البطيء للبيئة”، حيث يختفي الغطاء النباتي وتتدهور المراعي وتتآكل التربة ويتراجع التنوّع الحيوي وتهاجر الحيوانات.

كلّ هذا يؤثّر على صحّة السوريين والسوريات وعلى حياتهم اليومية، لكنّه يؤثّر أيضاً وبشكل لا يقلّ أهمية على العادات والتقاليد والتراث، هناك عادات محلية اختفت مثل الأغاني التي كانت تُغنّى في مواسم الحصاد، ومثل بعض الصناعات التي كانت تعتمد على مياه نهر العاصي والتي اختفت بسبب الجفاف.

كلّ هذه الآثار مرئية وواضحة لكنّها غير مُقاسة وغير موثّقة بما يكفي. لا توجد في سوريا خرائط أو تحاليل أو قياسات أو توثيقات أو صحافة بيئية تقيس الآثار البيئية الناجمة عن سنوات الحرب، إلا فيما ندر. ويبدو أن الحكومة الحالية لا تهتمّ بالمواضيع البيئية، مثلها مثل الحكومة التي كانت قبل سقوط نظام الأسد.

ما يحدث في سوريا اليوم ليس نتيجة سنوات الحرب الأخيرة فقط، بل هو نتيجة لسياسات حكومية بدأت في سبعينيات القرن الفائت، سياسات زراعية غيّرت وجه الزراعة في سوريا، وظهر هذا التأثير في فقدان المياه الجوفية وجفاف بعض الأنهار كنهر بردى. ولاحقاً في فترة حكم الأسد الابن واتباع السياسات النيوليبرالية والخصخصة التي ترافقت مع موجة جفاف لم تشهد سوريا مثيلاً لها لفترة طويلة، تدهورت الزراعة في سوريا بشكل غير مسبوق، ونزح مئات آلاف السكان من المدن والبلدات الزراعية، ولا سيما من المحافظات الشرقية نحو المدن الكبرى. ومن ثمّ وبعد قيام الثورة في آذار 2011 وقرار نظام الأسد شنَّ حربٍ على السوريين والسوريات، دُمّرت البيئة السورية بشكل لم تعهده البلاد من قبل.

لكن اليوم في “سوريا الجديدة” لدينا وقت قصير لتوثيق كلّ ذلك قبل أن نفقد بعض الأدلّة إلى الأبد. ومن جملة ما على الحكومة أو الجهات الفاعلة توثيقه ما أودّ أن أسمّيه الخط الأساسي، أو الأساسيات، وهي: حالة التربة اليوم، جودة المياه، مصادر التلوّث، حالة الغطاء النباتي، حالة التنوّع الحيوي. لأنّنا وبعد سنوات قليلة من الآن لن نعرف إن كان التحسّن (أو التدهور) هو نتاج عمليات إعادة الإعمار أم نتاج الحرب أم أنّ شيئاً لم يتغيّر. 

إذن ومع توثيق ما سبق بشكل عاجل يجب العمل بشكل متوازٍ على توثيق الأنقاض، أماكن تراكمها ونوعية المواد من معادن وبقايا الذخائر الموجودة فيها، وكيفية التخلّص منها، وكذلك توثيق مصادر المياه (الينابيع والمياه الجوفية والأنهار والبحيرات) وجودتها ومصادر تلوّثها.

يجب توثيق الأراضي الزراعية (ولنتذكر هنا أنّ سوريا بلد زراعي في أصله) وخصوبة التربة ونسبة ملوحتها والأراضي التي تضرّرت جرّاء القصف والأراضي التي لم تُزرع والبذور وما حلّ بها. كذلك يجب توثيق الحياة البرية والغابات والمراعي والأنواع النباتية والحيوانات لا سيّما في حالات الهجرة والانقراض. هناك حيوانات ونباتات عاشت لمئات وأحياناً آلاف السنوات على هذه الأرض لكنّها اختفت.

أمّا ما لا يقلّ أهمية عن كلّ ذلك، هو توثيق ذاكرة الناس وتراثها وعاداتها، مثلاً: كيف كانت الأنهار تؤثّر على حياة الناس الذين يعيشون بالقرب منها؟ كيف كان شكل المياه قبل التلوّث؟ هل اختفت الأشجار في هذه المنطقة؟ كيف كانت العادات المرتبطة بهذه الأشجار؟ وهكذا.

أخيراً يجب توثيق كيفية التعافي، في حال افترضنا أنّنا نتجه نحو التعافي. هل يتم إشراك المجتمعات المحلية في عملية التعافي، أم أنّ شركات خاصة تقوم بذلك بما يعود بالربح عليها؟

أوّل ما يخطر على بال المرء هو أنّ علينا التوثيق الآن وفوراً قبل أن نفقد الأدلة، ولا نقصد بالتوثيق تصوير المكان فقط مثلاً، بل أن نوثّق الأثر، فمثلاً نقول: ما الذي حدث للتربة في المكان الفلاني؟ كيف تغيّرت الخريطة المائية في ذلك المكان؟ لماذا تعرّض هذا المكان لهذا الشكل من التلوّث؟ من تأثّر بهذا الأمر؟… إلخ. 

يجب كذلك أن نفكّر في سوريا بخطط عمل طويلة الأمد، فبدلاً من التفكير بالمشاريع المنفردة، علينا التفكير باستراتيجيات طويلة الأمد، وأن يتم العمل ضمن فريق واسع من الخبراء والخبيرات والأكاديميين/ات والصحفيين/ات والناشطين/ات. 

لكن الشيء الأهم الذي يمكن أن تتعلّمه سوريا من العراق، وأيضاً من لبنان وفلسطين، هو أن لا يُنظر إلى الناس كضحايا فقط، بل يجب أن نراقب مثلاً كيف يتكيّف المزارعون مع التغيّرات، وكيف يحافظون على البذور. علينا أن نلحظ المبادرات المجتمعية، وكيف تعمل وما الذي يقودها ويدفعها للقيام بما تقوم به. 

الأساس الذي يجب أن نتعلّمه من تجارب أخرى، هو كيف نربط البيئة بكلّ شيء. على الأقلّ وحسب فهمي للبيئة، فهي لا تنفصل عن الاقتصاد ولا عن السياسة ولا عن الثقافة والعادات والتقاليد والتراث، البيئة جزء من كلّ شيء، ولا يجب اعتبارها ملفاً ثانوياً.يجب أن نتعامل مع البيئة كجزء أساسي في كلّ المجالات. 

لا يجب أن نؤجّل السؤال البيئي إلى الغد، إلى ما بعد عملية إعادة الإعمار، بل يجب أن تكون البيئة جزءاً أساسياً من تصميم عملية إعادة الإعمار.

لا يجب أن يحدّد المانحون من منظمات دولية ودول راعية أولويّات سوريا، بل يجب أن تحدّد المجتمعات المحلية ذلك. والسرعة في إعادة الإعمار ليست أهمّ من الجودة، علينا التفكير بالمستقبل البعيد أيضاً.

ينبغي على الحكومة الحالية والحكومات القادمة أن تضع قواعد واضحة للقطاع الخاص، على أن تكون الفائدة التي تعود على المجتمعات المحلية أهم من أرباح الشركات.

يتوجّب أن يفكّر كلّ من يعمل/ تعمل في إعادة إعمار سوريا بأن إعادة الإعمار لا تعني فقط أبنية وإسمنت، بل تعني استعادة التربة والأراضي الزراعية وإصلاح شبكات المياه وإعادة تشجير الغابات.

ينبغي أن تعمل سوريا على بناء مؤسسات حقيقية قائمة على هيكلية واستراتيجيات وليس على مشاريع مرتبطة بالتمويلات، إذ علينا أن نبني مختبرات وأنظمة رقابة بيئية وسياسات بيئية واضحة وأن ندرّب كوادر وننشئ قواعد بيانات، وغير ذلك من أمور تعمل على تحسين حيوات السوريين والسوريات لعقود قادمة.

Scroll to Top