في مصر.. «مانجا» لا تشبه ما نعرفه

محمد عوض (يُنشر هذا التقرير بالتعاون مع موقع خط 30)

في منتصف مايو/أيار الماضي، لاحظ ياسر الصباح أكواماً من الأفرع الذابلة على جانبي الطريق المؤدي إلى مزرعته في منطقة جبل مريم في مدينة الإسماعيلية (على بعد 120 كيلومتراً من القاهرة)؛ ليعلم لاحقاً أن تلك الأغصان كانت نتاج تقليم أشجار المانجو عند جيرانه في موعد مبكر عن الموسم الطبيعي.

عادةً ما تُقلم الأفرع الزائدة والضعيفة وتُطعّم الأشجار بأصناف جديدة لتحسين الإنتاج في شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، إلا أن الصباح، الذي يعمل مع عائلته في زراعة المانجو منذ 40 سنة، يفسر اتجاه المزارعين إلى التقليم الجائر والتطعيم المبكر بضعف الإنتاج المتوقع، إذ لم يكتمل نمو بشائر ثمار مانجو «العويس» و«السكري» تحديداً حتى منتصف مايو/أيار.

يقول الصباح: «الموسم ده صعب جداً، شجر كتير ما أنتجش مانجا لإن الجو اتقلب آخر أبريل وأول مايو، الجو الصبح كان حر شديد وبالليل يبقى بارد، بعدها قلب بيومين مطر ورياح وتراب، الطرح وقع قبل ما يكمل، والشجر الضعيف ما استحملش».

ما رصده ياسر، وفعله هو نفسه في أعوام سابقة في بستانيَه في منطقتي جبل مريم والسبع آبار، ليس حالة فردية، بل هو اتجاه يتوسع منذ سنوات بين مزارعي الإسماعيلية، بسبب تضرر المحصول بنسبة تجاوزت هذا العام حاجز الـ50%. كل ذلك عزز التوجه نحو التقليم الجائر للأشجار التي تنتج أصنافاً بلدية، ما أدى إلى ندرتها في السوق المحلي، وهو مصير قد يطال أصنافاً أخرى تأثرت بتقلبات الحرارة. وذلك في مقابل التوسع في زراعة أصناف أجنبية لا يفضلها الناس على الأصناف البلدية، لكنها أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية.

في جولة بين الإسماعيلية وفايد في يوليو/تموز الماضي، قطعت السيارة مسافة 40 كيلومتراً مرت خلالها ببساتين على جانبي الطريق تكتسي بالخضرة، لكن دون الأصفر المميز لثمار المانجو. بالعين المجردة، يمكن ملاحظة قلة الأشجار المحملة بالثمار، وفي الطريق شمالاً نحو مدينة القنطرة لم يكن الوضع أفضل حالاً، إذ لم تثمر الأصناف البلدية بكثافة مربحة للمزارعين.

مع بداية موسم المانجو هذا الصيف، فقدت أشجار «السكري» و«العويس» و«الزبدة» ثمارها قبل النضج. وبحسب شهادة أحمد علي وصالح السيد، وهما مزارعان في مدينة فايد، سجل إنتاج الأصناف البلدية نحو 20% إلى 25% فقط من معدلاته الطبيعية، بينما استقرت الأصناف الأجنبية «الناعومي» و«الكيت» و«الكريمسون» وأنتجت ثمارها بتأثر طفيف. ويقول علي: «حاجة حزينة قوي إنك تشوف شجرتين ناعومي مليانين، وسط 10 شجرات سكري كل شجرة ما تكملش 3 كيلو مانجا على بعض».

تتجسد معاناة مزارعي المانجو من التغيرات المناخية في انخفاض إنتاجية الأشجار المثمرة من أصناف «السكري» و«العويس» و«الزبدية»، إذ تسبب التذبذب والشذوذ الحراري في شهري فبراير/شباط ومايو/أيار الماضيَين في اضطراب مواعيد نمو الأشجار، ما زاد من تساقط الأزهار واحتراق الثمار؛ وهو ما أثر بشدة على إنتاجية بعض المزارعين بنسب تراوحت بين 40% و50% خلال السنوات من 2018 إلى 2022، بحسب دراسات عن الأثر الاقتصادي للتغير المناخي على المانجو.

وبحسب دراسات أكاديمية، تتراوح درجات الحرارة المثلى لنمو المانجو وإزهارها بين 27 و33 درجة مئوية، بينما يمكن أن تضر درجات الحرارة التي تقل عن 17 أو تزيد على 33 درجة بحيوية حبوب اللقاح وتقلل عقد الثمار. كما تؤثر الليالي الباردة غير المنتظمة والشتاء الدافئ نسبياً بالسلب على تحفيز الإزهار في المانجو، ما يؤدي إلى إنتاج محصول غير منتظم.

ويكشف تحليل بيانات مختبر «NASA GISS» للشذوذ الحراري (2016–2026) عن تقلب حاد في فبراير/شباط، بلغ ذروته بين عامي 2024 و2026، مسبباً «التزهير المبكر الخادع» الذي يعرّض الأزهار للفطريات والبرودة المباغتة. وفي المقابل، سجل شهر مايو/أيار مساراً تصاعدياً مستقراً تزامن مع مرحلة «عقد الثمار»، مسبباً ظاهرة «نفض الثمار» والتساقط المفرط من جراء الإجهاد الحراري والجفاف.

كما أثبتت دراسة في جامعة عين شمس إحصائياً التأثير المباشر لهذه الطفرات على الإسماعيلية، حيث أدت قفزات الحرارة وزيادة الرطوبة النسبية في مايو/أيار وأغسطس/آب إلى تراجع إنتاجية الفدان بنحو 0.179 و0.312 طن على التوالي؛ نتيجة توفير بيئة نشطة للأمراض الفطرية.

يترجم المهندس عمرو الخضري، المتخصص في أمراض النبات بمركز البحوث الزراعية بالإسماعيلية، هذا الخلل بقوله: «ارتفاع درجات الحرارة في الشتاء، وتحديداً في فبراير، بيسرّع النمو الخضري للشجر على حساب الإزهار، وبيوفر ظروف مثالية لتنشيط فطريات زي الأنثراكنوز اللي بيصيب الزهرة مباشرة وبيأخر العقد، وبعدها الثمرة نفسها تقع قبل النضج».

ويضيف الخضري: «أكبر التحديات هو فارق التكلفة المادية لرعاية المانجا، الأشجار العالية بقت فريسة سهلة برضه لمرض العفن الهبابي اللي انتشر آخر عشر سنين. يعني ارتفاع في التكاليف وانخفاض في المقاومة وإنتاج قليل».

أكد أحمد علي الظروف ذاتها: «شجر العويس والسكري ما طرحش كويس السنة دي. معظم الشجر هتلاقيه مفصص (توقف الثمار عن النمو والنضوج)، ده بيقول إن الشجر تعب من الجو وعايز تدخل وطريقة جديدة للعلاج».

بخبرته الطويلة، يحدد الصباح ستة عوامل مؤثرة على الإنتاجية: «خدمة الشجرة، صيانة الأرض، توفر المياه، نظام الري، مكافحة الآفات، وتغير الجو». ويرى أن عامل المناخ وحده يمثل معظم التأثير، بينما تتشارك العوامل الأخرى في التأثير على الإنتاج، بخاصة خلال فترتَي التزهير والعقد. ويقول: «المزارع إذا اهتم بخدمة الأرض الأمور ممكن تكون كويسة لكن مش مضمونة لو الجو اتقلب فجأة، والسنة دي الجو اتقلب في أسبوع واحد، لو كانت القلبة دي اتأخرت شهر واحد بس كان ممكن يكون الموسم قوي في العويس والسكري والزبدية».

يعد إحلال الأصناف الهجينة بدلاً من الأصناف البلدية أحد الحلول المناخية التي تقترحها دراسات أكاديمية لتحسين الإنتاج في الإسماعيلية، حيث توصي البحوث بتحسين التهوية بين الأشجار والاعتماد على أصناف أكثر مقاومة للتقلبات، إلا أن هذا الحل قد يعجّل باختفاء المانجو التقليدية التي نعرفها.

يشير الخضري إلى دراسات أكاديمية تطرح زيادة مساحة التهوية بين الأشجار لتحسين درجة الحرارة وزيادة الإنتاج، ويقول: «زراعة المانجا البلدية زي العويس تحتاج مساحة بينية واسعة تصل إلى 7 أو 8 أمتار مربعة بين كل شجرتين. بحيث تسمح بتمدد الجذور تحت التربة. في المقابل، تحتاج الأصناف الأجنبية الهجينة مساحة بينية بين 3 و4 متر فقط، وبالتالي بتكون كثافة الأشجار أكثر في كل فدان».

ويكمل: «الأشجار البلدية بيوصل ارتفاعها بين 6 و10 متر، ودة يخلي رعاية القمة ورش المبيدات مسألة بالغة الصعوبة على صغار المزارعين. أما الأشجار الأجنبية فهي أصناف قزمية بطبيعتها لا تتجاوز 3 متر، ورشها بالمبيدات وتغذيتها بالأسمدة مسألة سهلة وغير مكلفة».

تؤكد تجربة الصباح فارق الإنتاج بين النوعين، فعندما استأجر قطعة أرض في شرق القناة، وطعّم أشجارها بأصناف أجنبية، بدأت في طرح الثمار بعد سنة واحدة، وبعد 3 سنوات تجاوز الإنتاج ما ينتجه بستانه الأصلي والمُطعّم بصنفَي «السكري» و«العويس».

بدأ الخضري بالفعل في تنفيذ الحل الاضطراري، فأعاد تصميم بستان يديره في منطقة الفردان مساحته 6 أفدنة، حيث أزال أشجاراً كانت تنتج أصناف «السكري الأبيض» و«العويس» و«الزبدية» و«الكوبانية»، لتحل محلها أشجار جديدة تنتج صنفَي «الناعومي» و«الكنت».

وفي جولات ميدانية بدأت في 2023 وتواصلت لأربعة مواسم متتالية، قابلنا خلالها 28 مزارعاً للمانجو في مناطق القنطرة غرب وفايد والتعاون والسبع آبار وجبل مريم وقرى الاستصلاح الزراعي شرقي قناة السويس، كان ملاحظاً أن المزارعين شرق القناة اتجهوا إلى الاعتماد على زراعة أشجار تنتج أصنافاً أجنبية جديدة، مع توسع بسيط في زراعة الأصناف المحلية. بينما استمر مزارعو مناطق فايد في زراعة الأصناف المحلية مع اعتماد محدود على الأصناف الأجنبية.

وفي المقابل، يتسارع اتجاه إزالة الأشجار القديمة في مناطق السبع آبار والتعاون والقنطرة والفردان، عبر تطعيم أشجار صنف «السكري» بشتلات «ناعومي» و«كنت» و«كريمسون»، أو إحلال أو تطعيم شتلات «الجلك» بأشجار «الزبدية»، أو إزالة الأشجار البلدية من جذورها وإحلالها بأشجار أجنبية قزمية، لزيادة جودة الإنتاج وكثافته.

من جانبه، يقول مدير مديرية الزراعة بالإسماعيلية، حسني عطية: إن قرار إحلال الأصناف البلدية بأخرى أجنبية تحكمه اعتبارات اقتصادية للمزارعين في المقام الأول، نظراً للفارق في الإنتاجية بين الاثنين.

ويضيف: «لم ننتهِ بعد من حصر إنتاج الموسم الحالي، لكن المؤشرات الأولية تشير إلى تراجع إنتاج الأصناف المحلية، في حين يبدو الموسم جيداً بالنسبة إلى الأصناف الأجنبية. ومع ذلك، فإن المانجو المحلية —وإنْ تراجَع إنتاجها— سيظل الطلب عليها مرتفعاً، بفضل السمعة المميزة لمانجو الإسماعيلية».

بدأ عطية مهمته في الإسماعيلية مطلع أغسطس/آب، قادماً من المنصب نفسه في محافظة البحيرة، ويقول: «هناك فارق كبير في جودة المانجو بين الإسماعيلية والبحيرة. قد تكون كميات الإنتاج متقاربة، لكن مساحة الزراعة وجودة الأصناف هنا أعلى».

ويؤكد عطية أن مديرية الزراعة تقدم للوزارة بيانات إحصائية بأعداد الأشجار التي يقتلعها المزارعون لإحلال محاصيل أخرى محلها، أو لاستبدال صنف بآخر، لكنه يشير إلى أن عمليات تطعيم الأشجار بأصناف بديلة لا تخضع لحصر مماثل يمكن من خلاله قياس التغير في طبيعة زراعة المانجو.

تضاعف تكلفة إنتاج المانجو المحلية، من رعاية الأشجار إلى موسم الحصاد، يؤيده صالح السيد، 42 عاماً، وهو مزارع في مناطق فايد والفنارة، يدير بستان مانجو على مساحة 27 فداناً متفرقة في المنطقتين. وبحسب قوله: «السنة دي التكلفة زادت جداً، لحد النهاردة صارف 3 مليون جنيه في رعاية الأرض، بحسب الإنتاج ده ممكن يجي لي نص التكلفة بالكتير، ولو كان الموسم في إنتاجه الطبيعي كان ممكن يكون العائد 4 أو 5 ملايين جنيه من التصدير ومن البيع في السوق المحلي».

يشكو صالح من أن تكلفة الإنتاج زادت بمقدار الضعف تقريباً، بحساب تكلفة المبيدات والتسميد وري الأرض وارتفاع أسعار الخامات وأجور العمالة أثناء رعاية المحصول وجمعه. ويقول: «برغم الاهتمام بالأشجار وتكلفة الإنتاج، السكري والعويس اتأثروا جداً بسبب الجو، تقريباً مفيش مانجا زبدية في الأرض، ولو الحال استمر كده كمان سنة مش هلاقي حل غير إني أقطع الشجر القديم وأطعم أجنبي».

يشرح المزارع ياسر الصباح فارق التكلفة المادية بين الأشجار البلدية والأجنبية، بقوله: «فرق التكلفة ممكن تحسبه في موسم جمع المحصول، شجر السكري والعويس مثلاً، بيحتاج الفدان الواحد إلى 4 عمال عندهم خبرة في التعامل مع المانجا اللي قربت تستوي لأنها حساسة جداً، لازم تتجمع اليوم بيومه وإلا تبوظ على الشجر، تكلفة العامل الشهرية بين 10 و15 ألف جنيه. تيجي للأصناف الأجنبي شجرها قصير يحتاج عامل واحد لأن الناعومي مثلاً ممكن تسيبه على شجرتها شوية حتى لو وقعت تستحمل أكتر من السكري، ده بيخلي ميزانية أجور العمال لوحدها تقل للربع مثلاً في الفدان الواحد».

من خلال رصد المواسم الأربعة وشهادات للمزارعين، ووفق ما أكدته نتائج الدراسات والإحصاءات الحكومية، تبينت ندرة أصناف مصرية شهيرة مثل «الألفونس»، و«التيمور»، و«الهندي بسنارة»، و«الكوبانية» بسبب التغيرات المناخية، ما ينذر بتغيير الهوية التاريخية للمانجو المصرية، ويهدد شهرة الإسماعيلية كأكبر منتج للمانجو في مصر، وخصوصاً صنف «العويس».

ويقول الخضري: «في مزارعين بيحاولوا التوازن في توزيع الأشجار بين الأصناف البلدية والأجنبية، للحفاظ على القدرة الاقتصادية، بس في نفس الوقت تراجع إنتاج أصناف أدى إلى اختفائها من الأسواق، مثل الفونس والتيمور والهندي والسناري والكوبانية، وتوسعت أراضي جديدة في زراعة أصناف ناعومي وكيت وكريمسون، كونها مطلوبة في التصدير وتنتج بشكل أفضل».

في بداية الحديث مع عمرو الخضري، بدا متحفظاً بشأن احتمال اختفاء أصناف شهيرة في المدينة مثل «العويس». إلا أنه، بتتبع سلوك مزارعين يديرون بساتين المانجو حوله، بات يرى أن الاستمرار في قطع الأشجار البلدية قد يجعل «العويس» و«السكري» يلحقان بمصير أصناف مثل «الألفونس» و«التيمور» و«السناري»، ويبدآن في الاختفاء، خصوصاً مع اتجاه أصحاب الأراضي المستصلحة الجديدة إلى زراعة أصناف هجينة تتجاوز أزمات تراجع الإنتاج وارتفاع تكلفة الرعاية والوقاية.

يقول ياسر الصباح: «المانجا بنعرفها بأسمائها من التاريخ المتوارث، منها اللي بدأ مع زراعتها زي التيمور والهندي، ودول كان أصلهم من الهند. ومنها عشان طعمها المميز زي السكري لأن طعم السكر فيه عالي، إنما الأجنبي بيجي باسمه المستورد معاه».

ويعود أصل المانجو المدارية إلى جنوب آسيا، خصوصاً الهند وباكستان وسريلانكا، وقد دخلت وادي النيل في القرن التاسع عشر. وتروي المصادر روايتَين لبدايات زراعتها في مصر: الأولى تنسب دخولها إلى إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا، في أربعينيات القرن التاسع عشر، والثانية إلى أحمد عرابي، الذي جلبها من منفاه في سيلان عام 1903.

ومنذ ذلك الحين، وإن اختلفت الروايتان، تمازجت هذه الأصناف مع التربة المصرية، واكتسب بعضها أسماءً ذات دلالات معروفة. فصنف «التيمور» سُمّي نسبةً إلى أحمد تيمور باشا، الذي زرعه في حديقته، بينما اكتسب «الألفونس» حلاوةً ونكهةً مميزة من التربة المصرية. أما «العويس»، فمثّل طفرةً في التهجين المحلي، ليصبح ملك فواكه الصيف.

وبالرغم من الإنتاجية المرتفعة للأصناف الأجنبية، يتمسك مزارع مثل أحمد علي في مدينة فايد بزراعة الأصناف البلدية في مساحة 20 فداناً يديرها، مبرراً ذلك بقانون السوق: «برغم الخسارة، ما نقدرش نستغنى عن السكري والعويس، دول عصب السوق، الأجنبي وإن كان إنتاجه كتير ومطلوب في التصدير لكن السوق هنا بيحب المانجا اللي يعرفها وحابب طعمها ولسه ما تقبّلش الأجنبي قوي».

الأمر نفسه ينتهجه ياسر الصباح، ويحافظ على أشجار «السكري» و«العويس» بجانب الأشجار الجديدة في منطقة جبل مريم لتحقيق التوازن، لأنه لا يمكنه الاعتماد بنسبة 100% على الأصناف الأجنبية الموجهة أساساً للتصدير، ففي حال حدوث أي طارئ أو عائق لوجستي يمنع التصدير، سيعجز السوق المحلي عن استيعاب الأصناف الأجنبية، مما يهدد المزارعين والمصدرين بانهيار مالي.

فارق التكلفة وحجم العمالة اللذان يمنحان ميزة مادية لمزارع مثل ياسر الصباح، يجعلان تأثير المناخ يمتد إلى ما هو أبعد من المحصول، إذ يُحدِث خللاً في نظام العمالة الموسمية. يقول نبيل، 42 عاماً، ويعيش في محافظة قنا على بُعد نحو 690 كيلومتراً، ويأتي إلى الإسماعيلية للعمل في مزارع المانجو خلال موسم جمع الثمار ورعاية البساتين، الممتد من يونيو/حزيران وحتى أكتوبر/تشرين الأول: «السنة دي المانجا ضعيفة، من سنتين يعني 2024 كان الوضع أحسن بكتير. وقتها جيت ومعايا 40 عامل عشان نغطي موسم المانجا في فايد، بس الموسم ده معايا 5 عمال بس».

في بستان مانجو بمدينة فايد، يسير نبيل بين أشجار مانجو «السكري» و«العويس»، ممسكاً بعصا طويلة ذات خطاف لجمع المانجو من الأشجار العالية، يقول: «الأرض دي 7 فدادين، في العادي وفي المواسم اللي فيها إنتاج عادي، نحتاج لـ5 أو 7 عمال لجمع المانجا على فترتين، من الصبح لحد الساعة 3 العصر، بعدها نستريح ونتغدى، ونبدأ الفترة الثانية ونعبي المانجا في الصناديق ونبعت على السوق».

ويضيف: «في موسم طبيعي كان ممكن نجمع في اليوم 70 كرتونة، وزن الكرتونة 10 كيلو، لكن الموسم ده يادوب بكمل لوحدي 7 كراتين وبشغل قليل على فترات بسيطة من اليوم».

توسعت زراعة المانجو في مصر لتصبح محصولاً استراتيجياً يصل حجم صادراته إلى 148 ألف طن بقيمة 141.5 مليون دولار، بحسب جهاز التعبئة العامة والإحصاء لعام 2024. وتبلغ المساحة المزروعة بها 328 ألف فدان، بإنتاج إجمالي يصل إلى مليون و430 ألف طن، وبمتوسط 4.6 طن للفدان الواحد.

وتنتج مزارع الإسماعيلية وحدها حوالي 238.4 ألف طن سنوياً، وهو ما يشكل نحو 28.8% من الإنتاج القومي، مزروعة على مساحة  117 ألف و92 فداناً، بحسب بيانات مديرية الزراعة بالإسماعيلية لعام 2022. إلا أن متوسط الإنتاج يسجل 2.67 طن للفدان، وهو ما يقل عن المتوسط في بقية المحافظات (6-8 أطنان للفدان)، وفق بيانات الإدارة المركزية للاقتصاد الزراعي بوزارة الزراعة، والتي استندت إليها دراستان لقياس الأثر الاقتصادي للتغيرات المناخية على إنتاجية المانجو.

وتساهم منطقة النوبارية، التي تعتمد في الزراعة على أصناف أجنبية أكثر، وتلي الإسماعيلية من حيث كمية الإنتاج، بمتوسط نحو 26.8% من إجمالي الإنتاج الوطني، وتثمر في مساحة تمثل نحو 15.2% من مساحة المانجو الإجمالية، بمتوسط إنتاج 6.84 أطنان للفدان، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف متوسط الإنتاج في الإسماعيلية.

ويحدد فارق الإنتاج بأن بساتين المانجو في النوبارية يديرها مستثمرون ومؤسسات كبيرة، بعكس الإسماعيلية التي يدير معظم بساتينها مزارعون صغار محليون، بحسب دراسة للجنة الإسكوا.

وبحسب بيانات دراسة التأثير الاقتصادي للتغيرات المناخية على إنتاجية المانجو، بمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية، للباحثتَين آمال شوقي عبد المحسن ورانيا عبد الله السعيد، بلغ متوسط إنتاج المانجو بين عامي 2008 و2021 على المستوى الوطني حوالي 828.3 ألف طن، تثمر في مساحة بلغت حوالي 211.5 ألف فدان بمتوسط إنتاجية نحو 3.83 طن للفدان.

في الإسماعيلية، لا تبدو ندرة «العويس» و«السكري» نتيجة قرار يتخذه المزارعون دفعة واحدة، ولا نتيجة مباشرة لعامل واحد. شجرة تضعف بفعل الحرارة، وتتراجع إنتاجيتها، ثم تزداد كلفة رعايتها، فيختار صاحبها تقليمها أو تطعيمها أو اقتلاعها، وتحل محلها شجرة أقصر وأكثر إنتاجاً وأقل كلفة. تتكرر العملية من بستان إلى آخر، بينما تظل الأصناف القديمة مطلوبة في السوق ومتصلة بذاكرة المزارعين والمستهلكين. ومع كل شجرة تُقتلَع، لا يخسر المزارع محصولاً فقط، وإنما تتراجع مساحة صنف تشكّل عبر عقود وبات جزءاً من هوية المانجو المصرية، ليصبح السؤال في النهاية ليس فقط كيف ينقذ المزارع إنتاجه، وإنما، كم شجرة من المانجو التي نعرفها ستبقى؟

Scroll to Top