لحلاح –
صحيح أنّ الطيور المهاجرة لا تحتاج إلى جوازات سفر كي تعبر القارات، لكنّها تحتاج بالتأكيد إلى شيء يغدو شيئاً فشيئاً أكثر هشاشة، ألا وهو سلسلة متصلة من الموائل الطبيعية تسمح لها بالحصول على التغذية والراحة والتكاثر خلال رحلاتها الموسمية، لكن، ومع تراجع هذه الموائل في مختلف أنحاء العالم باتت الهجرة نفسها مُهدَّدة.
هذا هو الاستنتاج الأبرز من تقرير “حالة طيور العالم” الجديد الذي نشرته منظمة BirdLife International، والذي يرسم صورة مقلقة لمستقبل الطيور المهاجرة، فوفقاً للتقرير، تشهد 45% من أنواع الطيور المهاجرة تراجعاً في أعدادها، بينما أصبح واحد من كلّ تسعة أنواع مُهدَّداً بالانقراض.
اللافت في الأمر أنّ هذه المشكلة لا ترتبط بعامل واحد، فالطيور المهاجرة تتحرّك بين دول وقارات عدّة، ولذلك فإن ما يحدث في منطقة واحدة من مسار الهجرة يمكن أن ينعكس على مجموعات تقضي أجزاء مختلفة من حياتها في أماكن متباعدة.
العالم الذي تعبره الطيور يختفي
تتصدّر خسارة الموائل وتدهورها قائمة التهديدات، إذ يشير التقرير إلى أنّ 58% من 1,099 منطقة ذات أهميّة للتنوّع الحيوي للطيور المهاجرة، كانت في حالة سيّئة أو سيّئة جداً وفق عمليات الرصد خلال العقد الماضي، وتشمل هذه المناطق الأراضي الرطبة والسواحل والغابات والمناطق الزراعية والمسطّحات التي تعتمد عليها الطيور خلال رحلاتها الطويلة.
كما تشكّل الزراعة المكثّفة أحد الضغوط الرئيسية، إلى جانب التوسّع العمراني، والصيد الجائر، والتلوّث، والأنواع الغازية، إضافة إلى التغيّر المناخي، وبالنسبة للطيور البحرية والطيور الساحلية تحديداً، تبدو الصورة أكثر سوءاً بسبب اعتمادها على النظم الساحلية والبحرية التي تتعرّض بدورها لضغوط متزايدة.
يمكن تلخيص المشكلة بالقول إنّ فقدان موقع واحد على طريق الهجرة قد يبدو محلياً، لكنّه بالنسبة لطائر يقطع آلاف الكيلومترات يمكن أن يعني فقدان محطّة ضرورية للتزوّد بالغذاء والطاقة قبل مواصلة الرحلة.
الهجرة تكشف صحة الكوكب
تكمن أهمّية الطيور المهاجرة في أنها ليست مجرّد أنواع جميلة تستحقّ الحماية، فهي أيضاً مؤشّرات حيّة على حالة النظم البيئية، فالطائر الذي يصل متأخّراً، أو لا يجد غذاءه في محطّة معتادة، أو لا يستطيع الوصول إلى منطقة تكاثره، يكشف تغيّراً أوسع في البيئة المحيطة به.
لهذا يرى خبراء BirdLife أنّ تراجع الطيور المهاجرة يمثّل مؤشّراً على الضغوط المتزايدة على الأنظمة الطبيعية التي يعتمد عليها البشر أيضاً، وهنا يظهر التغيّر المناخي كعامل مضاعف للمشكلة، إذ أنّ تغيّر درجات الحرارة وأنماط الأمطار يمكن أن يؤدّي إلى اختلال توقيت الهجرة والتكاثر وتوافر الغذاء، وفي الوقت نفسه، يمكن للجفاف والحرارة الشديدة وارتفاع مستوى سطح البحر أن تقلّص الأراضي الرطبة والسواحل التي تعتمد عليها الطيور.
بعبارة أخرى، لا تواجه الطيور المهاجرة أزمة “رحلة” فقط، وإنما أزمة عالم يتغيّر على طول الرحلة بأكملها.
الصيد لا يزال يقتل ملايين الطيور
لا تقتصر المخاطر على التغيّر المناخي أو تدمير الموائل، فالصيد الجائر والقتل غير القانوني لا يزالان يمثلان تهديداً واسعاً أيضاً.
يقدّر التقرير أن ما بين 13.1 و42.7 مليون طائر مهاجر يتعرّض للقتل أو الأسر بصورة غير قانونية كلّ عام في أوروبا ومنطقة البحر المتوسط والقوقاز وشبه الجزيرة العربية، وتشمل الضحايا أعداداً كبيرة من الطيور المغرِّدة التي يتم اصطيادها باستخدام الشباك أو وسائل أخرى لأغراض الاستهلاك.
هذا يجعل البحر المتوسط منطقة حاسمة في أزمة الطيور المهاجرة باعتبارها واحدة من أهمّ الممرّات التي تستخدمها الطيور في رحلاتها الموسمية، وبالتالي فإنّ حماية الطيور المهاجرة لا يمكن أن تكون مشروعاً وطنياً محدوداً، لأنّ الطائر الذي يعشش في شمال أوروبا قد يقضي الشتاء في أفريقيا، ويعبر المتوسط مرّتَين في السنة، أي أنّ بقاءه يعتمد على سياسات دول عدّة في آن واحد.
سبعة أنواع اختفت أو يُشتبه في اختفائها
تعكس بعض الحالات حجم الأزمة بصورة أكثر وضوحاً، فقد أُعلن رسمياً عن انقراض الكروان نحيل المنقار (slender-billed curlew)، في واحدة من حالات الانقراض الحديثة البارزة، ويشير التقرير إلى أن سبعة أنواع من الطيور المهاجرة اختفت أو يُشتبه في اختفائها خلال الـ150 عاماً الماضية.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل، ففي جزيرة ماكواري الأسترالية، أدّى القضاء على أنواع دخيلة مثل القوارض والقطط إلى عودة أعداد من الطيور البحرية المهاجرة، وفي الصين، ساهمت برامج استعادة الأراضي الطينية الساحلية في إعادة موائل مهمّة للطيور الساحلية، أمّا في بريطانيا، فقد أدّت استعادة الأراضي الرطبة في جزيرة والاسيا إلى عودة عشرات الآلاف من الطيور المائية. هذه الأمثلة تقدّم الرسالة الأهم في التقرير: تراجع أعداد الطيور ليس نتيجة حتمية.
ما يحدث للطيور المهاجرة يكشف في الواقع أزمة أوسع في التنوّع الحيوي، لأنّ الطيور لا تختفي من فراغ، إنّها تتراجع لأنّ الأراضي الرطبة تختفي، والسواحل تتغيّر، والزراعة تصبح أكثر كثافة، والتلوّث ينتشر، والمناخ يتبدّل، ولهذا فإنّ حماية الطيور المهاجرة تعني في الوقت نفسه حماية الأراضي الرطبة والغابات والسواحل والمياه وممرّات الهجرة.
في قمة Global Flyways التي عقدت في نيروبي مؤخّراً، وقّعت حكومات ومنظّمات بيئية ومؤسّسات مالية إعلان نيروبي لممرّات الهجرة، وذلك في محاولة لتحويل حماية مسارات الطيور من مجموعة مشاريع منفصلة إلى تعاون دولي منسَّق، كما تعهّدت بنوك تنمية دولية بتوفير مليارات الدولارات لحماية واستعادة الموائل الواقعة على هذه الممرّات.
لذا يمكن القول إنّ الطيور المهاجرة تذكّر العالم بحقيقة بسيطة لكن كثيراً ما تتجاهلها الحدود السياسية: الطبيعة لا تعرف الحدود التي رسمها البشر، وعندما تفقد الطيور مكاناً للتغذية في دولة، أو أرضاً رطبة للتوقّف في دولة ثانية، أو موقعاً للتكاثر في دولة ثالثة، فإنّ المشكلة تصبح واحدة مهما اختلفت أسماء الدول.



