رحلة جديدة للطيور فوق سوريا: هل الرسائل النصية أفضل ما نملك لحمايتها؟

ليلى جروج 

خلال الأسبوع الماضي سمحت لي إحدى الجلسات العائلية بالاستماع إلى حديث حول كواليس عملية صيد الطيور في سوريا، من تفاصيل الصيد، إلى ما أسماه أحدهم بـ “أخلاقيات الصيد”، فهو لا يصلح في موسم تكاثر الطيور، ويجب ألا يكون عشوائياً في مواسم هجرتها.

لفت أحدهم النظر إلى نكهات الطيور المختلفة، من طير التين إلى السمن، وهي طيور تعبر بلادنا خلال رحلة هجرتها، لكنه لام كل من يصطاد لغير غاية الأكل، أو من يصطاد كهواية عشوائية، لا ضرر ببعض الطلقات برأيه، لكن الكثرة والعشوائية معاً قد تؤديان إلى كارثة!

أضاف آخر أن عشوائية الصيد في البادية السورية خطيرة جداً، على الرغم من معرفة الناس المُسبقة بمخاطر الصيد العشوائي، لكن لا أحد يعتقد أن ما يصطاده في مواسم التكاثر أو الهجرة قد تؤثّر على الكوكب بأكمله!

تزامن ذلك مع تكرّر وصول رسائل نصية من وزارة الإدارة المحلية والبيئة السورية تحاول من خلالها نشر التوعية بضرورة جعل الطيور تعبر بسلام فوق بلادنا، حيث جاء في نص إحداها: “الطيور المهاجرة تربط العالم ببعضه، فلنكن ممراً آمناً لهم”، وفي رسالة أخرى: “آلاف الكيلومترات تقطعها الطيور من أجل البقاء… لا تنهِ رحلتهم بطلقة غادرة”.

خلال هذه الفترة من العام تعبر مجموعة من الطيور من فوق سوريا كرحلة الهجرة الربيعية، والتي تتكرّر مرّة ثانية في شهر تشرين الأول في رحلة الهجرة الخريفية، لذلك يحتفل العالم بالطيور المهاجرة مرّتين كلّ عام، تزامناً مع موعد رحلتها، مرّة في السبت الثاني من شهر أيّار ويصادف التاسع من هذا الشهر، ومرّة في تشرين الأول.

للطيور قصة مختلفة مع أرضنا؛ الموقع الجغرافي، الذي يشكّل مادّة مستمرّة للسخرية خلال أحاديثنا اليومية عن أسباب استمرار الحروب في منطقتنا، ليس إلا واحداً من أهمّ الأسباب التي تجعل منها مقصداً ومحطة للطيور المهاجرة. تقع سوريا في منتصف قارّات العالم القديم، لذا هي حقّاً تربط طرفي العالم، وتعدّ محطّة راحة للطيور خلال رحلة هجرتها من أوروبا باتجاه إفريقيا أو على العكس، حسب موسم الهجرة.

تعبرُ سماء سوريا أعداد كبيرة من الطُيور المُهاجرة من أبرزها اللقالق والكراكي والبط والإوز والبجع وبعض الجوارح، حيث تمرّ العديد منها ليلاً أو عالياً فلا تُشاهد، والبعض يهبط على الأرض في أثناء الرحيل طلباً للراحة أو الطعام.

تعرف هجرة الطيور بأنها رحلة موسمية، تقوم بها الطيور بشكل جماعي بأسراب تنتقل لمسافات طويلة في المواعيد ذاتها من كلّ عام. بدأ العالم الاحتفال باليوم العالمي للطيور المهاجرة عام 2006، بتنسيق من هيئة الأمم المتحدة للبيئة، كمبادرة توعوية عالمية سنوية تهدف إلى تسليط الضوء على أهمية حماية الطيور المهاجرة وموائلها الطبيعية، وتقديراً للطبيعة الدورية لهجرة الطيور وفترات ذروة الهجرة المختلفة في نصفي الكرة الشمالي والجنوبي.

تتميّز هذه المبادرة بانتشارها العالمي، حيث تُعدّ أداة فعّالة لرفع الوعي بالتحدّيات التي تواجه الطيور المهاجرة، وأهميّتها البيئية، والحاجة إلى التعاون الدولي للحفاظ عليها عبر مسارات الهجرة المختلفة.

يؤكّد شعار عام 2026 الذي أعلن عنه الشركاء الدوليون لليوم العالمي للطيور المهاجرة تحت عنوان ” كل طائر له قيمة- ملاحظتكم تُحدث فرقاً” أنّ كل مشاهدة لطائر، مهما كانت بسيطة، تحمل قيمة علمية، وتسهم في فهمٍ أفضل لمسارات الهجرة وحالة الأنواع، وتعزّز الجهود العالمية لحماية الطيور المهاجرة عبر القارات، كما يركّز شعار هذا العام على إبراز الدور الحيوي لعلم المجتمع في دعم جهود حماية الطيور المهاجرة، وذلك من خلال تسجيل الملاحظات والمشاهدات التي تُسهم في بناء قواعد بيانات علمية تُستخدم في الرصد البيئي وصنع القرارات على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

يهدف اليوم العالمي للطيور المهاجرة إلى الحفاظ على هذه الطيور وموائلها حول العالم، والتذكير بالأهمية البيئية لها، وضرورة المحافظة عليها وتوفير العوامل البيئية الطبيعية الفطرية التي تحافظ على استمرارها، كما يسلّط الضوء على التهديدات التي تواجه الطيور عند الهجرة، وتذكر مصادر مختلفة أنّ التلوّث الضوئي هو أحد مهدّدات هجرة الطيور، حيث تؤثّر الأضواء الاصطناعية في الليل على توقيت الهجرة والسلوكيات الموسمية الأُخرى بسبب تعطيلها الساعات البيولوجية للطيور، فقد تسيء الطيور تفسير الأضواء الاصطناعية في الليل على أنها فترة أطول من ضوء النهار. وقد تتّجه الطيور التي تتعرّض للتلوّث الضوئي في مواقع قضاء الشتاء للهجرة في وقت أبكر من الأنواع التي لا تتعرّض للأضواء الاصطناعية.

كذلك تتزايد كمية الضوء الاصطناعي على سطح الأرض بنسبة 2% على الأقلّ كلّ عام، ويمكن أن تكون أكبر من ذلك بكثير، ما يغيّر النمط الطبيعيّ لحياة الطيور وغيرها من الكائنات الحيّة، وذلك لأهميّة الظلام الطبيعي في حفظ التربة والمياه النظيفة والهواء النظيف.

إذن؛ ربما تعدّ سوريا معبراً آمناً بشكل نسبيّ بالنسبة للطيور من هذه الناحية، فخلال السنوات السابقة، وحتى اليوم، انخفضت نسب توفّر الكهرباء في البلاد بشكل كبير، في سوريا كما في لبنان وفلسطين وربما العراق والأردن، فبلادنا آمنة جدّاً من هذه الناحية، ويمكن أن نخرج خاسرين هذه المرّة من سباق التلوّث.

لكن، هناك جوانب أخرى تجعل من بلادنا كابوساً بالنسبة للطيور العابرة، والتي ربما يكون الصيد أحدها، لكنّه ليس الوحيد، فقد أدّت الحرائق المتكرّرة وعمليات التحطيب الجائرة والمستمرّة إلى فقدان جزء كبير من الموائل الطبيعية للحيوانات، بما في ذلك الطيور التي فقدت الأشجار التي تحطّ عليها خلال رحلتها وعبورها فوق بلادنا، حيث تتركّز معظمها في الغابات التي شهدت خلال السنوات الماضية حرائق عنيفة جداً، كان أعنفها موجة الحرائق الأخيرة في الصيف الماضي، والتي امتدّت على مساحات واسعة في الساحل السوري وأرياف حمص وحماة.

على الضفة الثانية من العالم؛ يؤدّي الارتفاع السريع في درجات حرارة الأرض إلى التأثير على نمو الطيور، حيث يحدث تقلّص في أحجام الطيور المهاجرة إضافة إلى ازدياد طول أجنحة البعض منها كوسيلة للتأقلم والصمود أمام التغيّرات في درجات الحرارة، كما يؤثّر التغيّر المناخي على أوقات بداية فصول السنة الأربعة فتتأثّر أوقات مواسم الهجرة بسبب القدوم المبكر لفصل الربيع والظهور المتأخّر لفصل الخريف.

كل ما سبق يطرح تساؤلاً حول ما يمكن تقديمه لحماية الطيور، المهاجرة منها على وجه الخصوص. في سوريا على سبيل المثال، هل يمكن أن نقدّم شيئاً أبعد من الرسائل النصية التي ترسلها وزارة التنمية الإدارية والبيئة؟

دائماً ما تتأرجح الإجابات التي تتعلّق بالقضايا البيئية بين نعم ولا، ربّما لأنّ المجتمعات فقدت الأمل من أيّ إجراءات لا تستهدف معيشتها وأمنها، فالمحاسبة لا تبدأ ممن يصيد ليطعم أطفاله، أو يحطّب ليحميهم من البرد، بل تبدأ بتأمين حياة كريمة وفرص عمل متساوية، ودعم للزراعة والثروة الحيوانية، وإلى حين تحقيق ذلك، يمكن لسوريا أن تساهم في توثيق أنواع الطيور المهاجرة التي تعبر فوق بلادنا، وأن تشارك في احتفالات اليوم العالمي للطيور المهاجرة من خلال عمليات الرصد والتصوير وتحديث المعلومات حول أعداد الطيور وأنواعها.

تبقى الحقيقة التي لا يمكن نكرانها أنّ للطيور مكانة خاصة في الثقافة السورية، سواء كنوع من الغذاء أو الزينة، أو صديقة ضمن الأغاني، فمنها من حمّل الطير سلاماً إلى سوريا، ومنها من طلب منه علامة من المحبوبة، ساعة وخاتم ألماس، فالطير هو حامل المرسال، وهو الوفي للرسائل التي يحملها للوطن أو للحبيبة، ويبقى الحديث الذي دار بين مجموعة الصيادين حاضراً في ذهني، فوجود هذا الوعي عند جماعة محددة في منطقة ما، قد يمنح بصيصاً من الأمل بوجوده عند جماعات أخرى.

Scroll to Top