تأثير الحرائق على البيئة الزراعية في الحسكة

رؤى النايف –

خلال موسم الحصاد في محافظة الحسكة هذا العام تحوّلت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي كانت تزهو بمحاصيلها إلى بؤر متفحّمة،  وخلال الفترة الممتدّة من 24 أيّار وحتى 26 حزيران 2026، سجّلت فرق الإطفاء احتراق 1795 دونماً من محصول القمح وحده، إلى جانب مساحات أخرى واسعة كانت مزروعة بالشعير والمحاصيل العلفية. 

لم تكن هذه الحرائق مجرّد خسارة اقتصادية للمزارعين في مناطق مثل تل تمر وتل براك والجوادية واليعربية والقحطانية، بل مثّلت ضربة قوية للنظام البيئي المحلي الذي يعتمد بشكل أساسي على دورة زراعية متصلة ومستقرّة. اتساع رقعة النيران في ظلّ الظروف الجوية الراهنة أدّى إلى تداخل الكوارث الزراعية مع البنية التحتية، ما زاد من حدّة التدهور في المناطق المتضرّرة.

من منظور بيئي أعمق، يؤكّد المهندس سمير عطاالله أنّ احتراق هذه المساحات الشاسعة يترتّب عليه آثار مدمّرة طويلة الأمد على صحّة التربة وجودة الهواء، كما يؤدّي التعرّض المباشر للنيران إلى القضاء على الطبقة العضوية السطحية للتربة، التي تعدّ المخزن الرئيس للمغذّيات، ما يقلل من خصوبتها الطبيعية ويجعلها عرضة للتصحّر والتعرية في المواسم المقبلة، وهو ما يعني أنّ الأثر البيئي لن ينتهي بانتهاء الحريق، بل سيمتدّ ليؤثر على القدرة الإنتاجية للأرض لسنوات قادمة. 

بالتوازي مع تضرّر التربة، تسبّبت عمليات الاحتراق الواسعة في إطلاق كميّات ضخمة من الأدخنة والغازات الدفيئة، بما في ذلك ثاني أكسيد الكربون، والتي ساهمت في تلوّث الهواء المحيط وتدهور جودته في المناطق الريفية التي كانت تعتمد على تنقية الهواء عبر الغطاء النباتي.

هذا ولا يقتصر الضرر على التربة والهواء فحسب، بل يمتدّ ليشمل اختلال التوازن الحيوي الدقيق في المنطقة. فقد أدت الحرائق إلى تدمير الموائل الطبيعية للكائنات الحية الدقيقة، والحشرات النافعة، والمفترسات الطبيعية التي تعيش بين المحاصيل وتلعب دوراً محورياً في السيطرة على الآفات الزراعية، بحسب عطالله.

علاوة على ذلك، فإن فقدان هذا الغطاء النباتي يعني فقدان الحماية الطبيعية للأرض، ما يدفع النظم البيئية نحو حالة من الضعف تجعلها أكثر عرضة للهجمات المتكررة من الآفات في المستقبل، ما قد يضطر المزارعين مستقبلاً إلى الاعتماد المفرط على المبيدات الكيميائية لتعويض النقص في المكافحة الحيوية، وهو ما يغلق حلقة مفرغة من التدهور البيئي المستمر، وهو ما يتطلب إعادة نظر شاملة في أساليب الحماية والوقاية، إذ أن استمرار هذا النمط من الكوارث يهدّد الاستدامة البيئية لمنطقة تعد القلب النابض للأمن الغذائي في البلاد.

Scroll to Top