ليدا زيدان –
خلال السنوات الأخيرة عانى مربو الماشية والأسماك من أزمة كبيرة في تأمين الأعلاف، وذلك لعدد من الأسباب، منها ما يعود إلى موجة الجفاف التي ضربت البلاد، وأخرى تتعلّق بارتفاع أسعار الأعلاف وصعوبة تأمينها، ما أدى بالمحصلة إلى فقدان جزء من الثروة الحيوانية.
في عام 2022 وصلت هذه الأزمة إلى ذروتها ما دفع المزارعين للبحث عن بدائل أقلّ كلفة وقادرة على تلبية حاجات الماشية من الأعلاف، حينها برزت نبتة الأزولا كخيار يمكن للمزارعين استخدامه، وبدأت تنتشر زراعتها في مناطق مختلفة من سوريا.
مشاريع ناجحة
في تشرين الثاني عام 2022 بدأ موسى الشيخ حميد، الحائز على إجازة في إدارة الأعمال، مشروعاً صغيراً لزراعة الأزولا. يقول “بدأت بزراعة الأوزولا أوّل ما ظهرت في سوريا والسبب كان هو الغلاء الفاحش في أسعار الأعلاف بالإضافة إلى رغبتي بتجربة كل ما هو جديد”.
واجه موسى الفشل أكثر من مرة، ففي البداية لم يستطع إنتاج الأزولا ولم ينجح مشروعه، إلا أنّ ذلك لم يوقفه. يتابع “في البداية فشلت بسبب عدم الإحاطة بالظروف الملائمة لزراعة النبتة. بعد فترة تواصلت مع أشخاص مختصين من مصر، واستطعت أن أنجح في عملية الزراعة وأنتجت الأزولا”، لكن لم تكن النتيجة مرضية إذ أنّ البرد الشديد أثّر بشكل كبير عليها.
ينحدر حميد من مدينة إعزاز في ريف حلب الشمالي ويقع سكنه قرب الجبال حيث درجات الحرارة المنخفضة في الشتاء، يقول “في فصل الصيف اختلف الأمر وتحسّن الإنتاج نظراً لأن النبتة استوائية تحبّ الحرارة، ولكن ليست الشديدة فهي تحتاج إلى تظليل، بعد نجاح المشروع كنت أحاول نشر النبتة من خلال بيعها وإذا كان هناك فائض من الإنتاج أستخدمه كعلف للأبقار والدواجن لدي”.
تحتاج نبتة الأزولا لظروف بيئية خاصة تساعدها على النمو، وتبدأ عملية الزراعة بتحديد حجم الحوض من خلال رفع ساتر ترابي بارتفاع حوالي 25 سم، ومن ثم تتم إزالة الأحجار والعيدان من أرض الحوض، وبعد ذلك يُفرش مشمع بلاستيكي في أرض الحوض ويثبّت جيداً، وتوضع تربة بسماكة لا تقل عن 5 سم ولا تزيد عن 10 سم، من ثمّ يتم وضع الماء بارتفاع 10 سم في الشتاء و20 سم في الصيف.
بحسب حميد تحتاج الأزولا مجموعة من الأسمدة، منها السماد العضوي المخمّر بمقدار ربع كيلو للمتر المربع يوضع في كيس خيش وسط الحوض، ويتم تثبيته بوزن فوقه كي لا يطفو لأسبوع كامل، بالإضافة للسماد الكيماوي (سماد متوازن NPK) بمقدار 5 غ للمتر المربع، وسماد عالي الفسفور بمقدار 5غ في بداية الزراعة للقضاء على الفطريات، كما يتم تظليل الحوض في الصيف للحماية من الحرارة وفي فصل الشتاء يوضع بيت بلاستيكي للوقاية من البرد.
يضيف: “لا تحتاج الزراعة لتكاليف عالية وتتمثّل كلفتها بالمواد الأوّلية لتأسيس المشروع مثل المشمّع والحديد للمحمية وثمن النبتة والأسمدة، وتعتبر هذه التكاليف بسيطة مقارنة بثمن الأعلاف”، أما بالنسبة للإنتاج “كل متر مربع ينتج ما يقارب ربع كيلو، ويمكن زراعتها بأي وقت لكن تحتاج لظروف خاصة حيث يخفّ الانتاج في الشتاء بسبب العوامل الجوية”.

هل الأزولا بديل عن الأعلاف؟
الأزولا جنس من السرخسيات المائية الصغيرة العائمة التي تعيش في مناطق مختلفة من العالم. في سوريا لا تعتبر الأزولا نباتاً أصيلاً، حيث تم جلبها من الخارج. يقول الدكتور علي زعير، المختص بالنباتات المائية: “لا تعتبر الأزولا بديلاً عن الأعلاف، وإنما تساعد في الغذاء”، ويؤكد أنّ هذه النبتة تحتاج لظروف بيئية خاصة، ومن الممكن أن يكون لها أضرار إذا زُرعت في مياه الأنهار والبحيرات.
بدأ انتشار النبتة في سوريا بين عامي 2017 إلى 2020 بنسبة ضئيلة، ومن ثم زاد الاهتمام بها مع ارتفاع أسعار الأعلاف، من الذرة الصفراء وكسبة فول الصويا، ففي العام 2020 كان سعر طن الذرة يبلغ 180 دولاراً أمريكياً، وبعد سنتين وصل سعر الطن إلى 340 دولاراً بالإضافة لأجور النقل والرسوم الجمركية، كل هذه العوامل تسبّبت بتأثّر الثروة الحيوانية وفقدان نسبة كبيرة منها، وكان الأثر الكبير لذلك على مربّي الماشية، حيث عانوا من فقدان قطيعهم أو اضطروا لبيعه.
يعمل الدكتور علي منذ حوالي 7 سنوات في زراعة الأزولا ويعتبرها نبتة جيدة ومفيدة إلى حدّ كبير، يقول: “أقوم بزراعتها في برك صغيرة لمربّي المواشي، وهي تحتاج لظروف بيئية ملائمة تحميها من الحرارة والبرودة”.
بالنسبة للزعير تنبع المخاوف لدى التجار بخصوص النبتة من إمكانية زيادة تكاثرها وانتشارها، ما يؤثّر على استيراد العلف من الخارج، لا سيما وأنّ العلف يُستورد إلى سوريا عبر تاجر واحد، وبالتالي فإن تكاثرها وانتشارها قد يؤدي إلى التقليل من استهلاك العلف.
تختلف القيمة الغذائية لنبتة الأزولا بحسب نوعها وظروف الزراعة، ومن أهم ميزاتها أنها قادرة على تثبيت النيتروجين من الهواء ما يجعلها غنية بالبروتين، يضيف زعير “الأزولا نبات سرخسي رائع يحتوي على بروتين بنسبة 24% وتصلح كعلف للأسماك والأبقار والأغنام والدجاج “.
مخاوف وتحذيرات
عام 2021 أصدرت وزارة الزراعة في النظام السابق قراراً يقضي بمنع زراعة الأزولا واعتبرتها من النباتات التي تشكّل خطراً على المسطحات المائية. هذاالقرار تسبّب بإغلاق عدد من المزارع الخاصة بزراعة الأزولا وتحديداً في مناطق سيطرة النظام. أحد المربين في ريف دمشق (طلب عدم ذكر اسمه) اضطر لإغلاق مشروعه وبيع مواشيه بسبب منعها بشكل أساسي بالإضافة لبعض المعوقات التي كانت تواجهه. يقول: “لم يكن لدي أرض قريبة على سكني، كما أن سرعة انتشارها أثّرت على سعرها ومن ثم مُنعت زراعتها فأصبح من غير الممكن تطوير المشروع”، ويضيف أن الوزير حينها منعها بسبب استهلاكها للمياه، خاصة مع سنوات الجفاف وزيادة الرطوبة في الجو بالإضافة لمخاوف أن تتسبّب بإغلاق الأنهار على غرار زهرة النيل في العاصي.
يعتبر المربّي أن للنبتة إيجابيات وسلبيات، فبحسب خبرته الفائدة منها بعد التجفيف تصبح قليلة، إذ أنّ كل طن يصبح 90 كيلوغراماً، حيث تبلغ نسبة المادة الجافة 9% فقط، كما أنها “نبتة حساسة لدرجات البرودة والحرارة العالية، من جهة أخرى يمكن الاعتماد عليها كعلف بنسبة جيدة تصل إلى 40%”.
أما بالنسبة لإمكانية غزوها للأنهار والمسطحات المائية يقول دكتور زعير “لا يجب أن نضعها في الأنهار وإذا جاءت على مياه الأنهار تموت لأن الظروف البيئية غير مناسبة خاصة في الشتاء تموت ولا يمكنها تجديد نفسها ولكن من الضروري أن لا نقرّبها على الأنهار أو المسامك”.
كما يعتبر زعير أن الأزولا نبتة مهمّة جداً للبيئة “لأنها تسحب الهيدروجين وتطرح الأوكسجين، ويمكن الاستفادة حتى من المياه التي تزرع فيها، يمكن السقاية منها حيث تزيد من خصوبة التربة”، ويؤكّد أنّه لا يمكنها العيش في مياه جارية من أنهار وغيرها إذ تعيش فقط في المياه الراكدة.



