الآثار البيئية للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

لحلاح –

(ما يلي ليس جرداً كاملاً لآثار الاعتداءات، بل نبذة مختصرة جداً عمّا يحدث لبيئة لبنان نتيجة الحرب الإسرائيلية المستمرة)

لم تقتصر الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان خلال حربها المتواصلة منذ عام 2023 على الخسائر البشرية والمادية، بل امتدّت لتطال البيئة الطبيعية، والتي تُعدّ أحد أهمّ مقوّمات الحياة والتنمية المستدامة في المنطقة، وخاصة في جنوب لبنان والبقاع. بحسب المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان (CNRS) فقد تعرّضت الغابات والأراضي الزراعية والموارد المائية والهواء والتربة إلى أضرار كبيرة نتيجة القصف واستخدام أنواع مختلفة من الذخائر، من بينها ذخائر الفوسفور الأبيض، الأمر الذي أدّى إلى تغيّرات بيئية قد تستمرّ آثارها لسنوات طويلة، وقد أولى المجلس اهتماماً خاصاً بتوثيق هذه الأضرار من خلال إعداد تقارير ميدانية ورصد علمي للأثر البيئي للحرب.

أظهرت بيانات المجلس الوطني للبحوث العلمية أن آلاف الهكتارات من الأراضي تعرّضت للاحتراق، من بينها الكثير من الغابات، وهو ما أدّى إلى تدمير مساحات واسعة من الغطاء النباتي وفقدان العديد من الموائل الطبيعية للكائنات الحية. لا تقتصر أهمية هذه الغابات على كونها مورداً طبيعياً، بل إنها تؤدّي دوراً أساسياً في الحدّ من انجراف التربة، وتنظيم المناخ المحلي، والحفاظ على التنوّع البيولوجي، وبالتالي فإن تضرّرها ينعكس بصورة مباشرة على استقرار النظام البيئي في جنوب لبنان.

كذلك أسهمت الحرائق في تراجع التنوّع البيولوجي بشكل ملحوظ، إذ أدّى احتراق الغابات والأحراج إلى تدمير الموائل الطبيعية للعديد من النباتات والحيوانات البرية، إضافة إلى تهديد الأنواع المحلية التي تعتمد على هذه البيئات في الغذاء والتكاثر. كما أشارت تقارير المجلس إلى أنّ خسارة الغطاء النباتي قد تؤدّي أيضاً إلى زيادة معدّلات التصحّر وانجراف التربة، خاصة في المناطق الجبلية والمنحدرات.

مثلما حدث في حروب سابقة استعمل الجيش الإسرائيلي  ذخائر الفوسفور الأبيض في عدد كبير من الهجمات على الأراضي اللبنانية، فقد تم توثيق نحو 175 حادثة لاستخدام هذه الذخائر خلال عام 2024 فقط، ما أثّر بصورة مباشرة على أكثر من 600 هكتار من الأراضي الزراعية. كما أكّدت وكالة رويترز، استناداً إلى بيانات رسمية لبنانية، أنّ استخدام الفوسفور الأبيض تسبّب في احتراق مساحات زراعية واسعة وأثار مخاوف متزايدة بشأن التلوّث البيئي طويل الأمد.

وفق دراسة صادرة عن الجامعة الأمريكية في بيروت، يؤدّي احتراق الفوسفور الأبيض إلى انبعاث جسيمات دقيقة وغازات ضارّة تؤثّر في جودة الهواء وصحّة الإنسان، كما يمكن أن تترك بقايا كيميائية في التربة قد تؤثّر في خصوبتها وإنتاجيتها الزراعية مستقبلاً. لهذا السبب تحتاج بعض المناطق المتضرّرة إلى عمليات مراقبة وتحليل للتربة قبل استئناف النشاط الزراعي بصورة طبيعية، ما يؤدّي إلى تعطيل الإنتاج الزراعي لفترة طويلة قد تمتدّ لسنوات.

بحسب تقارير المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان فإن الاعتداءات الإسرائيلية أثّرت بشكل كبير على الإنتاج الزراعي الذي يشكّل المصدر الأساسي للدخل في معظم قرى جنوب لبنان، حيث تعطّلت الأنشطة الزراعية في نحو 130 ألف هكتار، أي ما يقارب ربع الأراضي الزراعية في لبنان، نتيجة القصف المتواصل وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم. كما تعرّضت أعداد كبيرة من أشجار الزيتون والأشجار المثمرة للاحتراق أو التدمير، إضافة إلى تضرّر مزارع المواشي والبنية التحتية الزراعية.

في السياق نفسه قدّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) بالتعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية قيمة الأضرار المباشرة التي لحقت بالقطاع الزراعي بنحو 118 مليون دولار أمريكي، بينما بلغت الخسائر الاقتصادية والإنتاجية حوالي 586 مليون دولار، مع تقدير الحاجة إلى نحو 263 مليون دولار لدعم عمليات التعافي وإعادة الإعمار الزراعي. توضح هذه الأرقام كيف يرتبط الأثر البيئي للحرب ارتباطاً وثيقاً بالأمن الغذائي والاقتصاد المحلي، إذ إن تراجع الإنتاج الزراعي يؤثّر في دخل الأسر الريفية ويهدّد استدامة الموارد الغذائية.

بدأت وزارة البيئة اللبنانية وعدد من الباحثين باستخدام مصطلح الإبادة البيئية (Ecocide) لوصف حجم الضرر البيئي الناتج عن الحرب، لأن الاستهداف لم يقتصر على أهداف عسكرية، بل طال الغابات والأراضي الزراعية والموارد الطبيعية بصورة واسعة. كما اعتمد تقرير للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان هذا المفهوم عند وصف الأضرار البيئية في الجنوب. 

(الإبادة البيئية هي مصطلح يُستخدم في الأدبيات البيئية للدلالة على التدمير واسع النطاق للنظم البيئية، مع استمرار النقاش حول وضعه القانوني في القانون الدولي.)

مثلاً طالت أضرار اعتداءات الجيش الإسرائيلي الموارد المائية، حيث أشار التقرير السابق إلى تعرض عدد من منشآت المياه والري للقصف، ومن بينها أجزاء من مشروع ري القاسمية الذي يخدم نحو 6000 هكتار من الأراضي الزراعية. ولا تقتصر خطورة هذه الأضرار على تعطيل الري، بل تشمل أيضاً احتمال تلوث المياه نتيجة اختلاطها بمخلفات الذخائر والركام الناتج عن القصف، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على جودة المياه المستخدمة في الزراعة والاستهلاك.

أما جودة الهواء فقد تأثرت بصورة مباشرة نتيجة الحرائق الواسعة وانبعاث الدخان والجسيمات الدقيقة الناتجة عن احتراق الأشجار والمحاصيل والمواد الكيميائية. وأوضح تقرير المجلس أن تلوث الهواء ازداد في المناطق المتضررة، الأمر الذي قد يرفع من احتمالية الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، خاصة لدى الأطفال وكبار السن وسكان القرى القريبة من مواقع الحرائق.

تشير مجمل هذه المعطيات إلى أن الأثر البيئي للاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان يتجاوز فترة العمليات العسكرية نفسها، إذ يمتد ليؤثر في النظام البيئي والقطاع الزراعي والموارد الطبيعية والصحة العامة لسنوات لاحقة. أي أن إسرائيل لا تشن حرباً على حاضر لبنان فقط، بل أيضاً على مستقبله. 

المؤشرالرقم
الأراضي المحترقةأكثر من 2000 هكتار
الغطاء الشجري المتضررحوالي 5000 هكتار
البساتين المحترقة2154 هكتاراً
بساتين الزيتون المتضررة814 هكتاراً
بساتين الحمضيات المتضررة637 هكتاراً
الأراضي الزراعية التي تعطلت أنشطتهانحو 130 ألف هكتار
هجمات الفوسفور الأبيض الموثقةحوالي 175 هجوماً
الأراضي الزراعية المتأثرة بالفوسفور الأبيضأكثر من 600 هكتار
أعلى تركيز للفوسفور في عينات التربةحتى 1858 جزءاً بالمليون (ppm)
الأضرار المباشرة في القطاع الزراعي118 مليون دولار
الخسائر الاقتصادية الزراعية586 مليون دولار
احتياجات التعافي الزراعي263 مليون دولار
مساحة مشروع ري القاسمية المتأثرةحوالي 6000 هكتار من الأراضي المروية
مزارع الأسماك المدمرة14 مزرعة
القوارب المتضررة26 قارب صيد (11 دُمِّرت كلياً و15 جزئياً)
خسارة الإنتاج السمكيحوالي 390 طناً
انخفاض المصيد الوطني14 إلى 16%
خسائر الموارد الحرجية (صنوبر وحطب وغيرها)حوالي 6 ملايين دولار
إجمالي الأضرار المادية في جميع القطاعات6.8 مليارات دولار
إجمالي الخسائر الاقتصادية7.2 مليارات دولار
احتياجات إعادة الإعمار والتعافي
(الأرقام بحسب تقرير للبنك الدولي)
حوالي 11 مليار دولار
Scroll to Top