نقص الدعم يقلل من فوائد الاستزراع السمكي في سوريا

ليدا زيدان –

قد يبدو غريباً للبعض القول إن مهنة زراعة الأسماك موجودة ومنتشرة ومتوارثة في سوريا، فبالنسبة لكثير منا المصدر الوحيد للأسماك هو صيدها من مياه البحر أو الأنهار وبيعها في الأسواق، لكن لأهالي سهل الغاب رأي آخر، حيث تنشط هناك هذه الزراعة ويعتمد عليها السكان كواحدة من أهم المهن وأكثرها إنتاجاً، فالعائلات تنشئ المزارع وتنتقل من الأجداد إلى الأبناء والأحفاد.

“في البداية تعاملت مع زراعة الأسماك كهواية، كنت في الخامسة عشرة من عمري وكان أبي يمتلك مزرعة ورثها عن أبيه.. الآن مضى 25 عاماً على عملي في هذه الزراعة، ومع مرور الوقت قمنا بتطوير المزرعة.. حفرنا الآبار الجوفية ووسّعنا مساحتها وقسّمناها لعدّة أحواض فصارت مزارع”، يقول علاء رمضان، مسؤول رابطة مزارعي الأسماك في حماة.

يعمل علاء منذ سنوات طويلة في زراعة الأسماك، ويعتبر هذه الزراعة مصدر دخله ومهنته الوحيدة التي يسعى لتطويرها بشكل مستمرّ، يتابع: “بدأت عائلتنا بزاعة الأسماك بعد تجفيف سهل الغاب.. هناك بعض المناطق التي جفّت وأخرى بقيت كمستنقعات طبيعية، وكانت أرضنا من الأراضي التي تحتوي على ينابيع طبيعية، فقمنا بتوسيعها وتطويرها وما زالنا نعمل فيها”.

قبل العام 1950، كان سهل الغاب مغموراُ بالمياه خلال معظم المواسم بسبب فيضان نهر العاصي وتجمّع مياه الأمطار وعدم وجود مخارج لتصريف المياه في المنطقة. لم يكن من الممكن الاستفادة من السهل نظراً لانتشار الأوبئة فيه، وبحلول عام 1950 اتخذت الحكومة حينها قراراً بتجفيفه، حيث بدأت بتوسيع مجرى نهر العاصي لتسهيل حركة المياه شمالاً، كما أنشأت شبكة ضخمة من قنوات الري والصرف الصحي لتنظيم حركة المياه ومنع تجمّعها في السهل.

يقع سهل الغاب بين جبال اللاذقية غرباً وجبل الزاوية من الشرق وجسر الشغور شمالاً ومنطقة مصياف جنوباً، ويعتبر تجفيف السهل من المشاريع الهامّة، إذ ساهم في تحويله إلى منطقة خصبة زراعياً، حيث بدأ السكان يتوجهون للإقامة فيه واستثماره زراعياً. في الوقت ذاته بدأت زراعة الأسماك بالظهور للمرّة الأولى في سوريا، وفي فترة قصيرة ظهرت المئات من المزارع السمكية التي تحتوي بعض الأنواع الأصلية الموجودة في السهل بالإضافة لأنواع أخرى.

يقول علاء: “استطعنا تفريخ كافّة أنواع الأسماك، الكارب (الفضي والعشبي) والمشط والسلور، هذه الأسماك بيئتها الرئيسية سهل الغاب، واستطعنا تفريخ كافة أنواع الأسماك الموجودة في المياه العذبة عن طريق الحاضنات والتفريخ الصناعي، وأنتجنا اليرقات وأسماك التسمين والإصبعيات”.

تبدأ عملية الزراعة بتهيئة الأحواض من خلال التخلّص من الأعشاب الضارّة وتجريف الأحواض وتعقيمها بالكلس الحي والمعقّمات الصناعية، ومن ثم ضخّ المياه، ومن الضروري أن تكون المياه من الآبار الجوفية صالحة للشرب، وهي فقط البيئة المناسبة للأسماك والضرورية لتلافي الأمراض.

بالنسبة لعلاء، تشكّل مهنة زراعة الأسماك مصدر دخل بالنسبة له، حيث تُنتج المزارع الخاصة به مختلف أنواع الأسماك ومن ثم يتم تسويقها، “هذا هو مصدر دخلنا.. ليس لدي مهنة أخرى وهي مهنة متوارثة في عائلتنا”.

تعتبر منطقة سهل الغاب من أكثر المناطق التي تحتوي على مسطحات مائية في سوريا، فهي تمتلك أكثر من 12 ألف دونماً من مزارع الأسماك، وساعد في ذلك كثرة المياه الجوفية والبيئة الملائمة من مصارف مياه ومياه جوفية قريبة وبرك ماء طبيعية.

يرى علاء أن للمزارع السمكية فوائد متنوّعة، فمن جهة تُستخدم مياه الأحواض في سقاية الزراعات الأخرى بسبب احتوائها على مواد عضوية طبيعية من يخضور وبلاكينتوم والتي تعتبر أسمدة طبيعية، ما يؤدي إلى تجنّب استخدام الأسمدة الكيميائية، ويضيف “السمك مفيد جداً في التخفيف من وجود البعوض والحشرات الضارّة الموجودة بسبب انخفاض منطقة الغاب التي تنتشر فيها هذه الحشرات، الإضافة إلى أن الأسماك مخزون غذائي من البروتين الطبيعي، كما تعتبر المياه ملاذاً آمناً لجميع الحيوانات، مثل الطيور والسلاحف والضفادع وحتى القطط والكلاب”. 

تنقسم زراعة الأسماك إلى نوعين؛ زراعة بحرية وزراعة نهرية، لكن حتى الآن لا توجد في سوريا زراعة بحرية، تقول الكتورة معينة بدران، وهي أستاذ مساعد وباحثة في المعهد العالي للبحوث البحرية، وتضيف: “إن الزراعة البحرية غير موجودة على نطاق تجاري، وهناك بعض التجارب الخجولة، أما الاستزراع في المياه العذبة فهو منتشر في سوريا لكن الخزّان الرئيسي لها في حماة فقط، أما في حمص واللاذقية وإدلب والرقة ودير الزور هي عبارة عن سدّات مائية أو أحواض صغيرة يزرعها الأهالي”.

بحسب بدران لا تؤثّر هذه الزراعة سلباً على البيئة خاصة إذا كان الاستزراع والتعليف على مقننات علفية مصنوعة من قبل الدولة أو القطاع الخاص، وتتمثّل التأثيرات السلبية بالممارسات السلبية التي يقوم بها المربّي “مثل التعليف على مخلفات الدواجن والمسالخ النيئة؛ هنا يصبح هناك ضرر على البيئة، لكن في الحالة الطبيعية مزارع الأسماك مفيدة جداً للبيئة، حيث تستخدم مياه صرف المزرعة لسقاية الخضروات والأشجار وغيرها من المزروعات”.

تعتبر الأعلاف التي تستخدم في المزارع العامل الأساسي لنجاح المزرعة، وتختلف هذه الأعلاف بحسب نوع الأسماك وعمرها، فمنها ما يسمى بالأعلاف الطافية، وهي تطفو على سطح المياه وتناسب أسماك المياه الدافئة، وأخرى تدعى الأعلاف الغاطسة وتناسب أسماك المياه الباردة التي تتغذّى في القاع، تقول بدران: “إن المزارعين يستخدمون الأعلاف التي تقدمها الهيئة العامة للثروة السمكية، وهي أعلاف موزونة فيها نسبة من البروتين والفيتاميات والمعادن والمكمّلات الغذائية المناسبة للأسماك”.

كما تشير إلى أن امتناع المزارعين عن شراء الأعلاف من الهيئة العامة للثروة السمكية واللجوء لاستخدام الأعلاف الرخيصة مثل مخلفات الفروج يشكل خطراً على المربي والمستهلك وعلى الأرض والمياه ومصادر المياه وعلى البيئة بشكل عام، من جهة ثانية تؤدّي العناية الجيّدة بالمزرعة وتوفير الشروط المناسبة عاملاً هامّاً في الحدّ من استخدام الأدوية السمكية، .”بالنسبة للأدوية المستخدمة للعلاج باعتقادي أن الدولة لا تدخل أدوية غير آمنة بيئياً، وإذا كانت المزرعة تلقى اهتماماً كافياً لن تظهر الأمراض”.

تنتشر في المزارع النهرية أنواع محددة من الأسماك، وهي الكارب والمشط والسلّور، وهذه الأنواع تزرع منذ الستينات حتى الآن، وبحسب بدران يعود السبب في نجاح استزراع هذه الأنواع إلى كونها ” أعطت جدوى اقتصادية كبيرة بسبب نموها السريع وتقبّلها للأعلاف ومقاومتها لتغيّرات العوامل الهيدرولوجية للمياه”. من جهة ثانية تساهم هذه المزارع في الاقتصاد بشكل كبير، توضح بدران: “هذه المشاريع تجارية بامتياز فهي تحقّق رافداً اقتصادياً مهماً لسوريا”.

تأمل بدران أن تتطوّر الزراعة البحرية أيضاً، “لدينا بحر مستدام وعند تربية الأسماك البحرية لن نضطر لاستهلاك المياه العذبة ما يجعلنا نحافظ عليها للسقاية والشرب خاصة مع الجفاف في السنوات الأخيرة ونقص الموارد المائية، إذ تتوافر المقوّمات لهذه الزراعة والموارد الأساسية لها.. لدينا البحر وبإمكاننا أن ننشئ بداخله أقفاص بحرية أو بجانبه أحواض بحرية نربي فيها الأسماك مثل الأجاج والبراق”.

ينحدر أحمد داعور من قرية الحمراء في سهل الغاب ويعمل في زراعة الأسماك منذ ما يقارب 30 عاماً. يعتبر أحمد أن هذه الزراعة تواجه العديد من الصعوبات في الوقت الحالي ما يحول دون تجاحها، يقول: “بدأنا أولاً بحفر الأحواض وتجهيز المضخّات للمياه وشراء الإصبعيات وضخّ المياه في الحوض، لكن في الوقت الحالي المشروع لم يعد ناجحاً بسبب قلة الإمكانيات وغياب الدعم الحكومي وصعوبة التسويق”.

يعتبر داعور أن أحد الأسباب الرئيسية في عدم نجاح الاستزراع هو غياب الدعم الحكومي المتمثّل بتوفير الأعلاف والمحروقات والقروض ودخول الأسماك المستوردة بالإضافة لانتشار بعض الأمراض. يستخدم داعور مجموعة من الأعلاف التي يتم تركيبها عن طريق أحد الخبراء المختصين “يتألف العلف من ذرة وصويا وشعير ومتممات غذائية”.

من جهته يؤكد علاء أن معظم أصحاب المزارع يعانون من غلاء أسعار الأعلاف والمحروقات والطاقة البديلة، بالإضافة إلى الصعوبة في التسويق وارتفاع أسعار الأدوية السمكية وصعوبة الاستيراد والتصدير بسبب القيود المشدّدة من قبل الحكومة.

Scroll to Top