دلير يوسف –
كنّا صغاراً نجمع ما يمكن لنا جمعه من بيوتنا: نحاس قديم، حديد صدئ، خبز متيّبس، نحمله في أكياسنا الصغيرة ونبيعه في محال متخصّصة لجمع هذه الأشياء. كنا نبادل ما جمعناه من نفايات منزلية بليرات قليلة، نشتري بها بعض الحلوى ورقائق الشيبس.
أتذكّر هذا وأنا أرى صور النفايات وهي تُغرق سوريا من أقصاها إلى أقصاها. أفكّر بهذه النفايات، وكيف أنّها تحكي قصّة عجز حكومي (رغم محاولات حثيثة) في هذا الملف، وتحكي قصة وعي جمعي غائب. أرى في صور النفايات حكاية طويلة عن الحرب وعن ضغط المدن وعن ضعف الإمكانات وعن تراجع الوعي العام.
من دمشق إلى حلب، ومن الأحياء الشعبية إلى ضواحي المدن والبلدات الصغيرة، أصبحت مشاهد الحاويات الفائضة وأكوام القمامة المتناثرة جزءاً مألوفاً من المشهد اليومي، حتى كأنّ الناس اعتادت رؤيتها دون أن تتوقّف طويلاً أمام ما تعنيه.
نرفق بهذه المقالة الصغيرة صور التقطها فريق لحلاح في مدن سورية مختلفة، صور تخبرنا أن المشكلة منتشرة على الصعيد الوطني وليست محلية مرتبطة بمكان واحد فقط. وعلى كلّ حال، لم تكن مجلة لحلاح بعيدة عن هذا الملف؛ فقد تناولت في موادها السابقة النفايات العضوية وإمكانيات الاستفادة منها، وناقشت مخاطر النفايات الطبية التي قد تتحوّل إلى مصدر عدوى وتهديد صحيّ إذا لم تُعالج بطريقة سليمة، كما سلطت الضوء على النفايات الإلكترونية التي تتزايد بصمت مع انتشار الهواتف والأجهزة الكهربائية، حاملةً معها معادن ثقيلة ومواد سامة يصعب التخلص منها بطرق عشوائية، وتحدثت في تقرير لها عن انتشار النفايات المنزلية في مدينة دير الزور.



لا يمكن اختزال المسألة في تقصير جهة واحدة. فالحكومة الانتقالية اتخذت بالفعل عدداً من الخطوات لمحاولة احتواء الأزمة، إلا أن حجم التحديّات بدا أكبر من قدرتها، فهناك نقص في الآليات والعمال، وتضرّر للبنى التحتية، وارتفاع في كميات النفايات المنتجة يومياً، وهذه كلها عوامل جعلت مهمّة إدارة النفايات معقّدة، وهي كذلك في معظم دول العالم، فكيف في بلد خرج من حرب طاحنة امتدّت لعقد ونصف!
تحدّثت تصريحات رسمية عن معالجة أكثر من مليوني طن من النفايات الصلبة في مدينة دمشق خلال عام 2025 عبر مواقع الطمر والمعالجة التابعة للمحافظة، في مؤشر على الجهود المبذولة للتعامل مع الكمّ الهائل من المخلّفات. لكن الأرقام، مهما بدت كبيرة، لا تنفي حقيقة أنّ الشوارع ظلّت تشهد تراكمات متكرّرة، وأنّ المواطن العادي ما زال يلمس فجوة واضحة بين ما يُعلن وما يراه بعينيه في شارع بيته. والنتيجة دائماً واحدة: النفايات تملأ الشوارع.
نعتقد أيضاً أن الأزمة ليست تقنية فقط، بل ثقافية واجتماعية أيضاً. جزء مهم من المشكلة يرتبط بقلّة الوعي المجتمعي تجاه مفهوم النفايات ذاته. كثيرون ما زالوا يتعاملون معها باعتبارها شيئاً يفقد قيمته بمجرّد خروجه من المنزل، فيُلقى من شرفة أو يُترك خارج الحاوية أو يُرمى في مكان فارغ على أطراف الطريق. وبينما تزداد الشكوى من ضعف خدمات النظافة، يغيب الاعتراف بأنّ السلوك الفردي يسهم في تعميق المشكلة وتعقيدها.



ربما تكمن المفارقة في أنّ السوريين والسوريات يعرفون جيداً معنى الندرة وقيمة الأشياء. فمن عاش سنوات طويلة من الأزمات تعلّم كيف يصلح القديم، ويعيد استخدام العبوات، ويحتفظ بالأكياس تحت مرتبة السرير. ومع ذلك، لم يتحوّل هذا السلوك إلى ثقافة بيئية متكاملة قادرة على فرز النفايات وتدويرها وإدارتها بصورة جماعية.
رغم ذلك، جاءت بعض المبادرات المحلية التي تحاول تغيير العلاقة بين الناس ونفاياتهم، مثل “تك تدوير“، وهي مبادرة تسعى إلى نشر ثقافة إعادة التدوير وتحويل جزء من المخلفات إلى مواد قابلة للاستخدام من جديد.
مؤخّراً أطلقت وزارة الإدارة المحلية والبيئة الحملة الوطنية لـ”نظام الكيسين“، وهي دعوة لتخصيص كيس للنفايات العضوية وآخر للنفايات القابلة للتدوير. الفكرة لا تحتاج إلى تقنيات متقدمة أو استثمارات ضخمة، بل إلى تغيير صغير في العادة اليومية يمكن أن يفتح الباب أمام إدارة أكثر كفاءة للنفايات وتقليل ما يُرسل إلى مكبّات النفايات.
حتى جزيرة أرواد، والتي انتشرت صور لنفايات متجمعة على سواحلها، قد شهدت محاولات لتفريغها من النفايات المتراكمة عبر نقلها إلى طرطوس لمعالجتها والتخلّص منها، في خطوة عكست خصوصية التحديات البيئية التي تواجهها المناطق محدودة المساحة والإمكانات، وأكّدت أنّ إدارة النفايات ليست قضية تخصّ المدن الكبرى وحدها.
قد تبدو هذه الخطوات صغيرة أمام جبال النفايات المتراكمة، لكنّها (قد) تؤسّس لفكرة مختلفة تقول إنّ النفايات قد تكون مورداً اقتصادياً مفيداً للبلاد إذا ما أُدير ملفها بطريقة صحيحة، وابتعدت عن معالجتها بالطمر والحرق فقط. وقد تكون أيضاً وسيلة للقول إنّ الأمر ليس مرتبطاً فقط بمسؤولية الأفراد.
نظن أنّها دائرة متكاملة: الأفراد والعائلات يغيرون عاداتهم في التعامل مع النفايات، والحكومة تتبنّى سياسات متقدّمة في إدارة ملف النفايات من معالجة وإعادة تدوير وتخلّص، وإلا ستغرق البلاد بالأوبئة والأمراض.



لا يمكننا الحديث عن النفايات في سوريا دون التطرّق، ولو سريعاً، إلى وجهها الآخر الأكثر تعقيداً. ففي بلد أنهكته المعارك، تحوّلت الأنقاض نفسها إلى مادة للتجارة. الحديد والصلب والأسلاك النحاسية المستخرجة من الأبنية المدمّرة باتت هدفاً لميليشات وأمراء حرب يبحثون عن مصدر رزق سريع وفرصة للكسب.
أضعف القول هو: ضاعت كميات كبيرة من المواد الخام خارج أي إطار رقابي واضح، ما كان يمكن أن يدخل في عمليات إعادة إعمار مدروسة أو تدوير منظّم، خرج إلى أسواق البيع والشراء الفردية، في مشهد يكشف كيف يمكن للنفايات أن تصبح جزءاً من اقتصاد الظلّ.



أزمة النفايات في سوريا ليست مجرّد قضية نظافة عامة، بل اختبار لقدرة المجتمع والحكومة معاً على إعادة تنظيم العلاقة مع المكان. فالحكومة وحدها لن تستطيع حلّ المشكلة مهما زادت الآليات وارتفعت أرقام المعالجة، والمواطن وحده لن ينجح إذا غابت البنية التحتية والسياسات الواضحة.
ربّما يعود المشهد الأول إلى الذاكرة مجدّداً، أولئك الأطفال الذين كانوا يجمعون النحاس والحديد والخيز اليابس ليبيعوه في نهاية اليوم. كانوا، من حيث لا يدرون، يتعلّمون درساً بالغ الأهمية: ما نلقيه بعيداً لا يفقد قيمته دائماً، وإنّما ينتظر فقط من يراه بعين مختلفة.




