غيمة الكربون التي تحاصر الحسكة والرقة

رؤى النايف –

بينما طوت مدينة دير الزور صفحة الأمبيرات مطلع عام 2026 مستعينةً بالتيار الكهربائي النظامي والخطوط الخدمية، لا تزال محافظتا الرقة والحسكة ترزحان تحت وطأة أزيز المولّدات الضخمة. هذا النظام، المعروف محلياً بـنظام الأمبيرات، تحوّل من حلّ إسعافي مؤقّت للأزمة الخدمية إلى مؤسسة واقعية تدير حياة السكّان، لكنّها تفرض في الوقت ذاته ضريبة بيئية وصحية باهظة على أبناء المنطقة مع كلّ دقيقة تشغيل.

وفقاً لإحصاءات رسمية حصلت عليها مجلة لحلاح من بلدية الشعب في القامشلي، هناك 600 مولّدة تعمل على المازوت مسجّلة رسمياً تعمل بنظام الأمبيرات داخل حدود المدينة وحدها، وخلف هذا الرقم الضخم، تكمن أرقام أخرى تكشف حجم الكارثة البيئية الصامتة التي تخنق مدن الجزيرة.

في أحد أحياء مدينة القامشلي، يقف أبو محمد (48 عاماً)، وهو صاحب مولّدة كهرباء تجارية، متفقّداً لوحة القواطع الكهربائية وسط ضجيج يصمّ الآذان. يرفض أبو محمد تحميل أصحاب المولّدات المسؤولية الكاملة عن التلوّث، ويرى أنّهم يتحمّلون أعباءً هائلة لتأمين بديل عجزت عنه الشبكات العامة.

عند سؤاله له عن الأرقام التشغيلية، يكشف أبو محمد عن تفاصيل دقيقة تعكس حجم الاستهلاك المرعب: “الناس ترى الأمبير الذي يصل إلى منازلها، لكنها لا ترى ما يبتلعه هذا المحرّك”. المولّدات الأكثر انتشاراً في أحياء القامشلي هي من سعة 250 إلى 400 KVA، وهذه المولّدات تعطي صافي تشغيل يتراوح بين 380 إلى 600 أمبير لتغذّي حيّاً يضمّ ما بين 120 إلى 200 منزل.

يضيف مستعرضاً الدفاتر اليومية لحجم وقود الديزل (المازوت) والزيوت المستهلكة: “المولّدة من حجم 400 KVA تحرق وحدها ما بين 35 إلى 55 لتراً من المازوت في الساعة الواحدة… وبحساب بسيط، على أساس 10 ساعات تشغيل يومياً، تستهلك المولّدة الواحدة حوالي 520 لتراً من المازوت يومياً، أي أكثر من 15 ألف لتر شهرياً! نحن مضطرون في كثير من الأحيان لشراء المازوت الحرّ بسعر يصل إلى 10 آلاف ليرة سورية لليتر الواحد لتغطية ساعات العجز، وهو ما يرفع الكلفة على المواطن”.

لا تتوقّف الفاتورة عند حدود المحروقات، إذ يشير أبو محمد إلى معضلة الصيانة والزيوت: “محرّك الديزل بهذا الحجم يعاني من تبخير ونقص طبيعي في الزيت نتيجة الضغط والحرارة المرتفعة، ما يجعلنا نضخّم الزيت بـ 1.5 إلى 2 لتر يومياً، هذا عدا عن الغيار الكامل للزيت والفلاتر الذي نقوم به مجبرين كلّ 150 إلى 200 ساعة تشغيل لحماية المحرّك من الاحتراق، حيث يتّسع كارتير المولدة الكبيرة لما يقارب 35 إلى 45 لتراً من الزيت في كلّ غيار.. عملياً، تستهلك المولّدة الواحدة ما يعادل 4 إلى 5 لترات زيت يومياً”.

على بعد مئات الكيلومترات، في المنطقة الصناعية بمدينة الرقة، حيث ينهمك علاء (32 عاماً) بمسح “الشحار الأسود” والزيوت عن يديه، وهو ميكانيكي وعامل تشغيل على مولّدة عملاقة بسعة 500 KVA. يتحدّث علاء عن الكفاءة الفنية للمولّدات وعلاقتها بالبيئة المحيطة من واقع خبرته اليومية: “في حرّ الصيف اللاهب في الرقة، من المستحيل أن نشغّل المولّد بكامل طاقته الاسمية (100%). نحن نحافظ على الحمل الكهربائي عند حدود 75% إلى 80% كحدّ أقصى لحماية الملفات (الألترنيتور) من الاحتراق”. 

لكن المشكلة الكبرى ليست في كفاءة المحرّك، بل في جودة المازوت المحلي المكرّر حرارياً, فهو يحتوي على نسب عالية جداً من الشوائب والكبريت، ما يتسبّب بعزم ضعيف للمحرّك ويضاعف من انبعاث العوادم السوداء الكثيفة. يفتح علاء صمّام تفريغ الزيت المستهلك (الرجيع) في وعاء معدني، ويوجّه نظرنا نحو أزمة بيئية خطيرة أفرزتها غياب التنظيم.

هذه المولّدات العملاقة تفرغ من 60 إلى 80 لتراً من الزيت المحروق عند كلّ غيار دوري. في الرقة والحسكة، لا توجد معامل أو مراكز حكومية نظامية لإعادة تدوير هذا الرجيع السام المحمّل بالمعادن الثقيلة. المستثمرون يتخلّصون منه ببيعه لورشات بدائية، أو ينتهي به المطاف بالتسرّب إلى شبكات الصرف الصحي والتربة، وهو ما يهدّد المياه الجوفية بشكل مباشر بكارثة هيدروكربونية صعبة التحلّل.

عند ربط شهادة أبو محمد بإحصائية الـ 600 مولدة المسجلة في القامشلي وحدها، تضعنا الحسابات البيئية أمام أرقام مروّعة، إذ تستهلك المولّدات مجتمعة ما يقارب 312,000 لتراً (312 متر مكعب) من المازوت يومياً، أي ما يتجاوز 9.3 مليون لتر شهرياً تُحرق داخل النطاق السكني للمدينة. كما تستهلك هذه المولّدات نحو 1200 لتر من الزيت يومياً لتعويض النقص، وتفرغ قرابة 24,000 لتر من الزيت المحروق السام دفعة واحدة مع كلّ جولة غيار دوري.

علمياً، ينتج عن احتراق كل لتر من وقود الديزل (المازوت) حوالي 2.67 كيلو من غاز ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي، فإن سماء القامشلي تستقبل يومياً ما لا يقلّ عن 833 طناً من غاز الكربون يومياً، مسببةً غلافاً دخانياً مستمرّاً فوق المباني السكنية.

إلى جانب التلوّث الغازي وكابوس الكربون، تفرز هذه المولّدات جزيئات دقيقة فائقة الصغر تؤكّد التقارير الطبية المحلية أنّها المسؤول الأوّل عن الارتفاع الحادّ والمقلق في أمراض الجهاز التنفسي، ونوبات الربو الحادة، والتحسس الصدري والجلدي المزمن، لا سيّما بين فئتي الأطفال وكبار السن في الأحياء المكتظة.

لا تتوقّف المعاناة عند حدود الرئتين، فالأهالي يعيشون تحت وطأة تلوّث من نوع آخر؛ التلوث السمعي، إذ يصدر عن المولّد الضخم الواحد ضوضاء واهتزازات تتجاوز حاجز 85 إلى 90 ديسبل، وهو رقم يتخطى بكثير الحد الأقصى المسموح به عالمياً في المناطق السكنية والبالغ 55 ديسبل. هذا الضجيج المستمرّ الموزّع على مئات البؤر داخل الأحياء يتسبّب بحالة من الإجهاد النفسي المزمن، وارتفاع ضغط الدم الشرياني، واضطرابات النوم التي تلازم العائلات يومياً.

بين شهادة المستثمر في القامشلي وعامل الصيانة في الرقة، يتضح أن نظام الأمبيرات، وإن كان يمثّل رئة خدمية واقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها في الوقت الحالي لاستمرار الحياة اليومية والتجارية، إلا أنه يشكّل في ذات الوقت قنبلة بيئية موقوتة، لذا تظلّ الحاجة ملحّة لتحرّك الجهات المحلية والبلديات نحو وضع خطط صارمة، إما عبر إيجاد مساحات مخصّصة للمولّدات خارج المربعات السكنية، أو فرض فلاتر كربونية للعوادم، أو التوجّه الجاد لدعم مشاريع الطاقة البديلة (النظيفة) كحلّ مستدام يرفع عن كاهل مدن شرق سوريا فواتيرها الصحية والبيئية الباهظة.

Scroll to Top