عودة إلى الماضي لحماية أجساد السوريات وأرضهن

ليلى جروج –

على باب خيمتها في أحد مخيمات الشمال السوري تقف صفاء العلي تتأمّل حديقة صغيرة زرعتها بين خيمتها وخيمة جيرانها. تقدّم صفاء نفسها كمهتمّة بالقضايا البيئية، وتسعى إلى تقليل النفايات الناتجة عن الفرد الواحد، وبدأت حديثاً بالعودة إلى نصائح الأمّهات والجدّات. تضحك من استخدام الفوط القطنية القابلة لإعادة الاستخدام مؤخراً قائلة: “كانت والدتي تنصحني دائماً بالعودة إلى هذه الطريقة، لكن لم يكن الأمر سهلاً في السابق”.

صفاء المعيلة لثلاثة أطفال، والتي تسعى لإنهاء نزوحها والعودة إلى كفرنبل، تؤمن بدور الفرد الواحد في النهوض بمجتمعه، شاركت في عدّة مبادرات نسائية في مجالات الاقتصاد والتوعية الجسدية والنفسية، حيث التقت بيمامة عبيد، مؤسّسة مبادرة هلالة، لتبدأ تجربة جديدة مع الاستدامة والصحّة في ظروف غير عادلة.

يرتبط الهلال بثقافة أهل الجزيرة والعراق وحياتهم، “فهو هلال العيد، وهلال رمضان، وهلال الحصاد، وهلال وجهك”، تقول يمامة، التي تنحدر من دير الزور، إن معظم الأغاني العراقية، وأغاني الجزيرة، يُذكر فيها الهلال وليس القمر، تضيف: “من هنا كانت هلالة أي البداية، حتى في اللغة العربية نقول استهل الحديث، ومستهل الأمر، وهو ما يشير إلى البدايات”.

شعوب مصر وسومر وأمريكا اللاتينية قالوا إن أجساد النساء وخصوبتهن ترتبط بدورة القمر، فدورة القمر 28 يوم ودورة المرأة أيضاً، “لذلك  اخترت الهلال وأنّثته”، كذلك ارتبطت أطوار القمر الأربعة بأطوار الدورة الشهرية، وبعض الحضارات ربطت الفصول الأربعة بأطوار الدورة عند النساء.

هذا ما يتعلّق بالتسمية، أما على أرض الواقع فقد بدأ كل شيء بعد سقوط نظام الأسد وقرار يمامة عبيد بالعودة من تركيا إلى سوريا بعد عشر سنوات، “اعتقدت أنني أعرف البلاد، وتبيّن أن حجم المأساة أكبر بكثير مما نعرف”.

من خلال استبيان كبير أعدّته عبيد، ارتبط بالصحة النسائية ووصول الفتيات للتعليم، تبيّن أن فقر الدورة الشهرية أعمق بكثير مما اعتقدنا، تقول يمامة عن تجربتها: “تعرّفت وتعمّقت بفقر الدورة الشهرية خلال الاستجابات التي تبعت زلزال السادس من شباط، وعدم منح أي اهتمام لهذه المواضيع”، كانت توزّع الحصص الصحية بشكل شحيح جداً، “كأن النساء والفتيات مجرّد ظلال، مع العلم أنهنّ يشكّلن النسبة الأكبر من سكان المناطق المتضرّرة”.

كشف الاستبيان ليمامة أنّ فقر الدورة الشهرية قد يؤدّي إلى انقطاع الفتيات عن المدارس بما يقارب 30 يوماً في الفصل الواحد، “وبالتالي يسهّل التسرّب من المدرسة”. اقتصادياً؛ كان معدّل دخل الأسرة بشكل عام يتراوح في العام الماضي بين 30 و40 دولار أمريكي، وسعر علبة الفوط متوسطة الجودة قد يتجاوز دولاراً واحداً، فإذا كان في المنزل الواحد ثلاث فتيات مع والدتهن، فسيحتجن إلى راتب كامل لشراء فوط شهرية، ما يجعل النساء تميل لاستخدام بدائل رخيصة سيّئة جداً، كشراء الفوط بالكيلو عن البسطات المكشوفة والمفتوحة، “غالباً هذه البضاعة تكون كاسدة أو فاسدة بطريقة ما أو مستوردة من إحدى الدول”.

كما أعدّت عبيد دراسة غير منشورة عن منتجات الفوط الموجودة في السوق، من ناحية الأسعار والجودة المرتبطة بالصحة، والأثر البيئي لها، وتبيّن أن الفوط الصحية للاستعمال مرّة واحدة تنقسم إلى: جيدة، متوسطة، سيئة للغاية. “العبء الاقتصاديّ والبنية التحتية والثقافة المجتمعية بشكل عام تقول إنها غالية”، تقول يمامة، وتؤكد أنها “نوعيّات غير صحية”، ولا تدخل صحّة النساء والفتيات ضمن أولويّات صناعتها، كذلك تشير البيانات التي جمعتها يمامة إلى أنّ المناطق الهشّة والمدمّرة ومناطق العودة لا تتوافر فيها المياه ودورات المياه بشكل جيّد، ولا تتوافر أي خصوصية للنساء للعناية بأجسادهن كالمغاطس؛ إحدى السيدات في المخيّم تقول إنّها لا تملك حتى حائطاً لتسند ظهرها عليه! وتشير أيضاً إلى أن البدائل التي تعتمدها النساء ضارّة جداً، مثل المحارم أو الورق أو أي قماشة رقيقة وتبطن بكيس نايلون، “أو يستخدمن الفوطة نفسها لساعات طويلة جداً”.

كل هذه المعطيات كانت الشرارة للبدء بهلالة لصناعة الفوط الصحية المستدامة من القطن السوري، “صنعنا الفوط والأقمشة والحشوات، لم نستخدم الأصبغة أبداً، لم نعالج الأقمشة بأي طريقة كيميائية بل اعتمدنا الطرق التقليدية للتنعيم”، تقول يمامة وتضيف أن الحشوة هي “بشكير صناعة يدوية” لا يحتوي على المايكروبلاستيك أو البلاستيك، قابل للغلي والغسيل والاستخدام لثلاث أو أربع سنوات. أما العازل الذي تمّ استخدامه مثل الساتان مع طبقتين من القماش وبعدها الحشوة وبالتالي لن يسبّب أي حرارة.

تقول يمامة: “بعدها فكّرت لمن سأقدّم هذه الفوط، لأنّي لا أفكر في الوقت الحالي في تسويقها وبيعها، وكانت النتيجة المدراس، المناطق الأقلّ حظاً والأكثر دماراً، وللنساء في المناطق الهشّة وفي المخيّمات”، ومن هنا وُلدت “هلالة” كمبادرة نسوية وبيئية في وقت واحد تعمل على تقاطعية الصحة النسائية والحقوق الاقتصادية للنساء، وحقّ الفتيات في الوصول إلى تعليم آمن، وأن يترافق كلّ هذا مع الاعتبارات البيئية لكلّ مرحلة، “في الوقت نفسه أنا مهندسة زراعية لذلك أبحث عن الجانب البيئي في أيّ عمل أقوم به”.

كان برنامج الأمم المتحدة للبيئة قد أجرى عام 2021 تقييماً للعديد من تحليلات دورة الحياة التي تقارن الآثار البيئية لمنتجات الدورة الشهرية، بما في ذلك الانبعاثات واستنزاف الموارد، وبحسب خبراء مشاركين في الدراسة أن الانتهاء في مكبّ القمامة ليس دائماً نهاية هذه المنتجات، التي قد تنتهي كقمامة على الشواطئ، أو كجزيئات بلاستيكية دقيقة في البحر.

في سوريا؛  لا يقتصر تفكير النساء والفتيات على السلامة الشخصية وضمان عدم التعرّض للأذى، بل يتعدّى ذلك في كثير من الأحيان للخوف على كلّ ما يحيط بهنّ، تقول صفاء: “استخدام الفوط الصحية ذات الاستعمال الواحد يعدّ حلاً سريعاً لكنّه ليس آمناً لجميع السيدات، لما يسبّبه من تحسّس وأمراض مختلفة، كما أنّه غير آمن للبيئة خصوصاً في المخيّمات التي تشكّل فيها النفايات عبئاً يصعب التخلّص منه”.

تضيف صفاء أنّ صعوبة التخلّص من النفايات كبيرة بسبب الخدمات الضعيفة التي تصل إلى عدم وجود سلال مخصّصة لهذه النفايات في المدارس، وعدم تفريغ الحاويات بشكل مستمرّ، “هذه الأمور تسبّب حرجاً كبيراً جدّاً عند النساء من جهة، وتسبّب روائح كريهة وبيئة خصبة للحشرات والأمراض وتلوّث للتربة”.

 تنوّه يمامة إلى أنّ النساء والفتيات يستقبلن المواضيع البيئية برحابة صدر، “تخاف النساء من فقدان أطفالهن ممن تربّوا بعيداً عن أراضيهم الزراعية الصلة والارتباط بالأرض والمحاصيل والمواسم، فالأحاديث لا تأخذ المنحى “المُرفّه”، لأن المواضيع البيئية ترتبط بحياة النساء صحياً واقتصادياً ومعنوياً”.

تجنّباً للاتهامات التي تطال أي محتوى بيئي بالانفصال عن الواقع أو الترفيه، تقدّم هلالة محتوى معرفيّ ملائم للسياق السوريّ، تقول يمامة: “لا نأخذ محتوى جاهز من الانترنت أو محتوى الجمعيات والمنظمات الدولية أو محتوى أي ناشطين/ات بيئين/ ات عندهم آلاف المتابعين/ات، أو أي مكان… نعتمد محتوى خاص بنا، وقابل للتطبيق على واقعنا، “كما أنني بدأت الأمر من نفسي بالاعتماد على منتج محلّي، وهو القطن السوري، يُصنع بأيادٍ محلية، مع أن الاستيراد أرخص بكثير”، فقط طبقة العازل تم إحضارها من تركيا، لأن العازل المتوّفر في سوريا هو المشمّع، وهو قاسٍ وحارّ على الجسم، “حتى خيط الدرزة اخترنا أقل الخيوط احتواءً على البلاستيك، لأنها عادة تصنع من البوليستر لتكون متينة قدر الإمكان”.

على الرغم من أنّ معظم الخيارات المتاحة لجميع السوريات تضع النساء أمام تحدٍ صحيّ وبيئيّ، إلا أن الفوط المكشوفة التي تُباع “فرط” تبقى أحد أكثر الخيارات ضرراً، تلخّص الدكتورة لانا الوكيل، اختصاصية التوليد والأمراض النسائية وجراحتها، المشكلات التي قد تواجهها النساء نتيجة استخدام الفوط الصحية المكشوفة التي انتشرت في سوريا بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية: “الفوط النسائية المكشوفة غير المغلّفة تُعتبر خياراً سيّئاً جداً، لأن سطحها معرّض بشكل مباشر للملوّثات والغبار وربما الحشرات، والتي تؤدّي إلى مجموعة أمراض منها تحسّسي خارجي، وقد تتعدى ذلك إلى الالتهابات”.

ترجع صفاء لجوء بعض النساء والفتيات إلى استخدام الفوط المكشوفة إلى ضعف القوة الشرائية، وهو ما انعكس بالضرر على النساء، “تعرّضت صديقتي في البداية لحالة من الحساسية، وتطوّر الأمر واحتاج وقتاً طويلاً، مع نصائح من الأطباء بما يعرف بالفوط الطبية مع عناية خاصّة”.

تذكر يمامة مصادفتها لحالات نسائية يستخدمن الفوطة الواحدة لما يقارب 24 ساعة، أو يعدن استخدام الفوط المخصصة للاستعمال لمرة واحدة فقط، مما يعرّضهن لأمراض والتهابات، وعن هذه الحالة توضّح الدكتورة لانا: “للمحافظة على صحّة المرأة يفضّل استخدام الفوط القطنية وتبديلها كل ٣- ٤ ساعات خلال أوقات الدورة وبالأيام العادية كل ٤ – ٦ ساعات”، وتضيف: “نتعكس نتائج هذه العادات الخاطئة بشكل خطير جداً على الفتيات والنساء الأكبر سناً، خصوصاً إذا كانت السيدة ذات بشرة حساسة، لأن ترك الفوطة لهذه المدّة الطويلة يجعل البكتيريا تتكاثر عليها، لأن السوائل المحتبسة تصبح كمزارع جرثومية وفطرية مناسبة لنموّها، وقد تكون الالتهابات الناتجة شديدة تحتاج لفتره علاج مناسبة”.

كما تؤكّد الدكتورة لانا أنّ استخدام ألياف القطن الطبيعية، سواء أقمشة قطنية صافية أم فوط قطنية خالية من العطور والمواد الصناعية، تؤمّن تهوية أفضل للجلد وتمنع احتباس الحرارة و الرطوبة، ولا تسبّب تهيّجاً للبشرة وتؤمّن راحة أكثر في الاستخدام أثناء الحياة اليومية.

بدورها تشير عبيد إلى أن “النوعيات الموجودة تسبّب حساسيات كبيرة بسبب احتوائها على الكلوروفيل والعطورات، وهذه المنتجات يجب ألا تكون معقّمة، وأن تُعقّم بطريقة مختلفة عن الكلوروفيل لأنّه يسبّب الالتهابات ويغيّر من طبيعة المهبل”.

تضيف عبيد أن بعض الفتيات والسيدات عشن تجارب قاسية جداً مع الالتهابات والحساسية، لذلك اخترن العودة إلى الماضي واستخدام الخيارات القطنية المختلفة، “نحن قمنا نوعاً ما بتحسين شيء قديم اعتادت النساء على استخدامه، ليتكوّن من عدّة طبقات، مناسب لأشكال مختلفة من الملابس الداخلية، وبمقاسات مختلفة، مع زرّ خلفي يساعد على الثبات، وحقيبة مصنوعة من نفس القماش مع طبقة عازلة تحمي كتب الفتيات ودفاترهن من التسريب في حال وضعت فيها الفوطة المستخدمة وهي في المدرسة”.

أما صفاء فتستمرّ بالوقوف أمام باب خيمتها توّدع حساسية أرّقتها خلال السنوات السابقة، وتتأمّل ما تبقّى من حديقتها التي قررت أن تزرعها للمرة الأخيرة على أمل أن توّدع المخيّم لتصل إلى كفرنبل وتسهم في دعم وحماية النساء والفتيات في بلدتها وزراعة أرضها مجدداً.

Scroll to Top