ليلى جروج –
كلّ يوم، قبل الخروج من المنزل، أنظر داخل حقيبتي لأتأكّد من وجود “البخّاخة”، والتي جعلتني أفكّر في تغيّر الأشياء التي قد يحملها الإنسان معه عند الخروج بغرض التنزّه أو العمل!
البخّاخة هنا باتت شيئاً معروفاً ومتداولاً، نستعيرها من بعض في حال نسي أي منّا بخّاخته، ونؤكّد دائماً لبعضنا على ضرورة عدم الخجل من طلبها. بخّاخة “مانع القرص” هذه، والتي كانت مخصّصةً في يوم من الأيّام للاستخدام من قبل الصيّادين عند التوّجه إلى الأنهار أو البراري منعاً لتعرّضهم للسعات الحشرات، التي قد تكون مؤذية أو خطرة حسب نوع الحشرة ودرجة الأمراض التي تحملها، أصبحت اليوم موجودة في كلّ بيت، وربّما في كلّ جيب أو حقيبة.
المثير للسخرية أنّ الناس يحملون معهم مانع القرص ليرشّوه على أجسادهم آملين في أن يمنع تعرّضهم للحشرات، ويحملون قاتلات الحشرات التي تُرشّ في الهواء، ويشغلّون قاتلة الحشرات الكهربائية، ويشعلون أقراص الاحتراق التي تنشر رائحة طاردة للحشرات، ومع هذا كلّه يتعرّضون للسعات الحشرات “القرص” ويلجأون إلى الصيدليات مجدّداً لشراء مراهم تعجّل من شفاء اللسعات أو على الأقل تمنع التهابها.
بالتأكيد هذه ليست المرة الأولى التي تتعرّض فيها سوريا لموجة من الحشرات أو البرغش أو البق على وجه التحديد، لكن أحد المقاطع المصوّرة في مدينة حماة يبدو فيه الأمر كهجوم منظّم من الحشرات بأعداد كبيرة، ما منع كثير من الناس عن الاستمرار في أعمالهم بشكل طبيعي، أو حتى الجلوس مساءً بهدوء وسلام.
لا يمكن إغفال وجود نهر العاصي عند البحث في الأسباب التي قد تؤدّي إلى انتشار البعوض والحشرات بهذه الطريقة، فقد تعرّض العاصي لحالات متكرّرة من الجريان والجفاف، والتي تؤدّي عادةً إلى انتشار الحشرات، حيث تعتبر المسطحات المائية أو أيّ قناة مائية مكاناً جيّداً لتكاثرها، خصوصاً في حالة غمر المياه لمنطقة معينة ومن ثم انحسارها، بسبب المخلّفات التي تظهر بعد انحسار الماء من جهة، وانتشار الرطوبة التي تعتبر بيئة خصبة لانتشار البعوض، خصوصاً إذا ترافقت مع درجة حرارة مرتفعة، كما تشير بعض الأبحاث إلى أنّ المياه الراكدة هي أفضل الأماكن للبعوض لوضع يرقاته.
مع الأسف اقترن اسم نهر العاصي بزهرة النيل منذ زمن، حيث تعدم الزهرة نفاذية الضوء ما يؤدّي إلى موت بعض أنواع الأسماك التي قد تتغذّى على البعوض، ما يفسح المجال أمام الأخير للانتشار.
الحديث عن انتشار البعوض والحشرات عادةً يكون ضمن المخاوف التي تتبع انتشار القمامة في أي منطقة، لذا من الصعب الحديث عنه دون التطرّق إلى تراكم القمامة داخل مدينة حماة أو على أطرافها.
هذا الأمر ليس جديداً، لكن تكرّر الظاهرة على مدار السنين، وما يرافقه من ارتفاع في درجات الحرارة قد يؤدّي إلى هذا الغزو الكارثي. يعزي بعض الناس الأمر إلى هذا التغيّر الذي تعيشه الأرض حالياً، فالأمطار التي استمرّت حتى نهاية شهر أيّار، وارتفاع درجات الحرارة وانخفاضها المفاجئ، ليست إلا مؤشرات أو آثار للتغيُّر المناخي، والذي ينعكس على نشاط جميع الكائنات، بما في ذلك البعوض.
لكن؛ في مثل هذه الحالات يميل الناس إلى الحلول قبل معرفة الأسباب البعيدة أو القريبة، فالمشكلة لا تقتصر على بعوضة واحدة، حيث تشكّل مجموعات البعوض التي تهاجم مدينة حماة وريفها قلقاً للسكان، وخوفاً من أمراض قد تحملها من مكان إلى آخر، خصوصاً في الأماكن القريبة من القنوات أو السواقي، حيث يتضاعف الخوف من انتشار اللشمانيا.
في اللطامنة في ريف حماة الشمالي، أشعل السكان النار كطريقة بدائية لطرد البعوض، بحسب مقطع مصور انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر الفيديو شبّاناً يشعلون النيران ويسخرون من قوّة البعوض في المنطقة والطريقة التي يكافحونه بها، وأنها معروفة بين سكان ريف حماة، فالبعوضة هذه الأيام تحوّلت إلى أفعى أو حنش.
في الواقع يشكّل حديث “تطوّر البرغش” جزءاً من سخريتنا في هذه المنطقة من حجم البعوض، وقوّة لسعته، والأثر الذي يتركه، كأنّه حقاً قد تطوّر ليتمكّن من مواجهة الطرق التي نستخدمها لمكافحته.
بدورها تقوم البلديات بحملات رشّ للمبيدات في المدن والأرياف. ذكر أحد الأشخاص يوماً أن هذه المبيدات عبارة عن مازوت محلول بالمياه ومهمّتها الرئيسة “تطفيش البعوض أولاً”، حيث أشار إلى أن كميات البعوض ترتفع تدريجياً بالقسم الموازي للمكان الذي يُرشّ من قبل صهاريج البلديات.
بالتأكيد لا يمكن قتل جميع أنواع البعوض، فلهذه الكائنات الدقيقة فوائد مختلفة، فهي غذاء لأحياء أُخرى، سواء الضفادع أو بعض الطيور والأسماك، وبالتالي هي جزء لا يتجزّأ من النظام البيئي الذي يعاني من انهيارات متعدّدة، ولا ينقصه تجربة اختفاء البعوض أيضاً! لذلك من الجيد العمل على مكافحة الأسباب بطريقة حقيقية وجدية من قبل الجهات المسؤولة، مع تعاون من المجتمع الأهلي والمحلي، فعند انحسار مياه العاصي قد تُسرع بعض المناطق إلى تنظيف القنوات في الأرياف، وشهدنا سابقاً محاولات لتنظيف مجرى النهر في المدينة، لكن عدم تنظيم العمل بين الجهات المختلفة، واقتصاره على مبادرات محدّدة، وعدم التزام جميع المناطق به، لن يحدّ من انتشار الأوساخ وبالتالي انتشار جميع أنواع الحشرات بما في ذلك البعوض، والأهم من كل ذلك هو عدم التوقّف عن الأفعال التي أدّت مُسبقاً إلى تراكم الأوساخ.
قد نُعتبر الجملة القادمة أحد “كليشيهات الحديث البيئي ” لكن المحافظة على نظافة المدن والأرياف في سوريا يُعتبر مسؤولية جماعية، قد تبدأ من أصغر قصاصة ورق بيد طفل صغير، ولا تنتهي عند المكبّات التي تُنقل من مكان إلى آخر دون إيجاد حلّ جذريّ لها!
كذلك لا بدّ من التذكير بأن المشكلة لم تبدأ في مدينة حماة وريفها، إنما هي حالة متنقّلة بين مختلف المدن والمناطق، فقد يكون البرغش أو البعوض أو البقّ إنذاراً لنا للتوّجه أكثر إلى حماية بلادنا، وبالتالي حماية أنفسنا وأولادنا من أمراض قد تتفّشى بيننا جميعاً.



