ليدا زيدان –
على بعد عشرات الكيلومترات من قرية امتان تفترش أوراق العطرفان الأرض متّخذةً شكلاً هندسياً مميزاً في محاولة للتكيّف مع الظروف البيئية القاسية من حولها، قبل أن تبدأ بالإزهار في توقيت ثابت بعد مرور عشرة أيّام من شهر آذار. في هذه الأثناء يستعدّ أهالي القرية لرحلة ممتعة هدفها الحصول على النبتة في أولى أيام الإزهار، يقطعون ما يقارب 12 كيلومتراً في ساعات الفجر الأولى إلى جنوب شرق القرية، وتبدأ عملية القطاف التي تنطوي على مخاطرة حقيقية، فالعطرفان نبات اختار أن يظهر في منطقة واحدة فقط بين الحدود السورية والأردنية في أقصى الجنوب، ما يجعله نادراً ومميّزاً بين النباتات البرية.
تقع قرية امتان في أقصى جنوب محافظة السويداء، وهي القرية الوحيدة التي تحتوي على نبات العطرفان أو ما يعرف علمياً بالراوند البري. عبر السنين اعتاد أهالي القرية الخروج في فصل الربيع للحصول على النبتة النادرة، وكُنّيت القرية باسمها، إذ يطلق عليها أهلها “امتان أرض العطرفان”.
يتحدّث علاء المقت المنحدر من امتان عن ذلك: “نبدأ بجمع النبات للأكل في 12 من آذار، حيث تبدأ مرحلة الإزهار، ويعتبر الوقت عاملاً مهمّاً، إذ أن عمر النبات قصير (أقلّ من شهر)، ولكن هناك مراحل أخرى بعد فقدان الأزهار تُستخدم فيها سيقان النبات للأكل”.
يصف علاء عملية البحث عن العطرفان بأنّها جميلة وخطرة، إذ من الممكن في أيّ لحظة أن يطلق الجيش الأردني النيران على الأهالي، وعلى الرغم من ذلك يواظب هؤلاء على الخروج بداية الربيع للحصول على النبات نظراً لفوائده واستخداماته كطبق غذائي في الثقافة المحلية، يضيف: “بعد نمو الزهرة تأتي مرحلة “الزنود”، وهو ساق النبات التي يتم تقشيرها وأكلها وتتميّز بطعمها الحامض”.
يمتلك العطرفان العديد من الخواص الفريدة، بدءاً باستخدامه كغذاء، وذلك بقلي براعمه الزهرية مع البيض، أو أكل السيقان، كما تستخدم جذوره بعد غليها كعلاج لالتهاب الكبد وغيرها من الأمراض الهضمية، ويزداد ظهور النبات في السنوات الغنية بالأمطار والثلوج.

تكيّف مع الاحتياجات
يُعتبر العطرفان واحداً من نباتات برية كثيرة تظهر بشكل موسمي في محافظة السويداء، وهي نباتات استخدمها السكان المحليون منذ سنوات طويلة في غذائهم أو لأغراض طبية، وتُعدّ عادة استخدام النباتات البرية كمصدر غذائي واحدة من العادات الثقافية في منطقة البحر الأبيض المتوسط الموجودة منذ آلاف السنين، وقد انتقلت هذه العادات مع السكان أثناء تنقّلهم من منطقة لأخرى، ما أدّى لاكتشاف أنواع مختلفة.
تُظهر الدراسات جمع هذه النباتات واستخدامها منذ 10000 سنة قبل الميلاد في الجنوب السوري، وهي من الموارد الحيوية الهامّة التي تؤمّن الغذاء والدواء، خاصّة في فترات انعدام الأمن الغذائي أثناء الحروب والصراعات. فيما سبق كان السكان المحليون يستخدمون هذه النباتات كمصدر موسمي للغذاء، مؤخّراً ومنذ مايقارب العشرين عاماً بدأ البعض ببيع هذه النباتات، وأصبحت تُطرح في الأسواق وتجد إقبالاً عليها من قبل كثيرين في محاولة للتكيّف مع الحاجة الاقتصادية الطارئة الناتجة عن سنوات من النزاع.
هناك مجموعة واسعة من النباتات الرائجة محلياً، وأكثر الأنواع المرغوبة الهندباء ومن ثم الدردار و والكراث، وهو نوع من الثوم البري، بالإضافة للخبيزة والكزبرة والرشاد والمشّا والقرصعنة والعبيط والعكوب والضبح والقرة، ويختلف وجود هذه النباتات بين منطقة وأخرى كما تختلف استخدامات السكان والنباتات المفضّلة بحسب القرية أو المنطقة.

يقول الناشط البيئي، عمر الحلبي، إن استخدام هذه النباتات في الطعام “عادة متوارثة منذ زمن بعيد إذ كانت النباتات البرية في السابق مصدراً هاماً لتأمين الغذاء”.
يبدأ موسم هذه النباتات في أواخر آذار ويستمرّ حتى أوائل أيّار، ويعتبر شهر نيسان هو ذروة الموسم، يتابع الحلبي: “بالطبع هناك اعتماد محلي عليها.. هناك أشخاص يعتبرونها مصدر رزقهم، حيث يذهبون إلى البرية ويقطفونها ثم يقومون ببيعها”.
يعتبر الحلبي أن الأنواع الأبرز والأكثر استخداماً هي الهندباء والكراث والدردار والخبيزة يتابع “الهندباء موجود في كافة أنحاء الجبل في المرتفعات والمنخفضات وفي كل مكان والدردار والكراث كذلك الأمر”، وهذه النباتات تتحول إلى طبق غذائي هام في فصل الربيع لدى معظم السكان وخاصة في الأرياف.

التغيرات المناخية وتأثيرها
تلعب التغيّرات المناخية دوراً أساسياً في انتعاش موسم النباتات البرية، إذ أنّ غزارة الأمطار وتساقط الثلوج تزيد من وفرة هذه المواسم، فيما يسبّب الجفاف قلّة ظهورها واقتصار وجودها على بعض الأماكن. يقول الحلبي: “هذا العام استمرّ الموسم حتى منتصف أيّار بسبب الشتاء الغزير والربيع المتأخّر، ما أدّى إلى بقاء هذه النباتات طرية وصالحة للاستخدام، إذ لم يصلها اليباس مبكراً”.
تعتبر الأمطار العامل الأهمّ في وفرة هذه النباتات، فبحسب كمية المطر تتحدّد كثافة الأنواع وانتشارها، والعامل الثاني هو الضغط على النوع، فبعض الأنواع تبدأ بالاختفاء نتيجة الطلب الكبير عليها، مثل نبات العكوب والذي كان فيما سبق “نباتاً شائعاً وموجوداً بكثرة ولكن نتيجة الطلب الكبير وكثرة الجمع تناقصت كمية وجوده ويحتاج لبحث طويل لإيجاده”،بالإضافة إلى عاوامل أخرى؛ فالعكوب نبات معمر وينبت على حواف الأراضي الزراعية واقتلاعه من جذره (وهو الجزء الذي يؤكل) يؤدي إلى تناقص وجوده “وبالرغم من ذلك ما زال منتشراً وإن كان بكميات أقلّ من السابق، وهو من النباتات المهمة جداً”، بحسب الحلبي.
يسمى هذا الموسم في السويداء “موسم التسليق” حيث يخرج الأهالي في مختلف القرى للبحث عن النباتات البرية، وغالباً ما تكون النساء الأكثر معرفة بأنواع النباتات وأماكن تواجدها، حيث تسعى الأمهات والجدات لنقل هذه المعرفة لبناتهن بشكل خاص.
ترتبط حياة هناء، المنحدرة من إحدى قرى ريف السويداء الشرقي، ارتباطاً وثيقاً بالأرض، فهي تعتمد بشكل كامل على ما تنتجه الأرض في جميع جوانب حياتها، تدرك بفطرة عميقة وخبرة اكتسبتها على مرّ السنين تأثير التغيرات المناخية على الأرض و ما تنتجه، تراقب الأمطار والثلوج وحركة الغيوم ووتتوقّع طبيعة الموسم كلّ عام، تقول: “أمطار هذا العام أعادتني لسنوات سابقة في شبابي، حيث كانت النباتات البرية تملأ الأراضي والخير في كلّ مكان”.
تختار هناء ساعات الصباح عند بزوغ الشمس تماماً وتخرج من بيتها مشياً حاملة عدداً من الأكياس وسكيناً، “أعرف كل نبتة أين تظهر لا أجد صعوبة في البحث، فكل نبات يظهر في ذات الأماكن كل عام”. لنبات العكوب مكانة خاصة لدى هناء فهي تعتبره ملك النباتات البرية، تقول: “أحياناً يظهر في الأراضي التي تمت حراثتها، فيما تجدينه بكثرة في الأراضي الوعرة وبين الصخور لكن العثور عليه ليس سهلاً”.
في كلّ مرّة تخرج إلى البراري تعود بأكياس ممتلئة من نباتات مختلفة، ولكلّ نبتة طريقة مختلفة في الطبخ، فالعكوب مقلياً مع البيض هو الأفضل، فيما يمكن للنباتات الأخرى مثل المشّا أن تُطبخ مع البصل والحمص، أو مع الثوم، تتابع: “بالنسبة لي هذا الموسم هو المفضّل، أعرف هذه الأراضي جيّداً، واستمتع بالبحث عن النباتات والبقاء في الأرض”.
غالباً ما تتحول عملية البحث عن النباتات البرية إلى رحلة، إذ تتفق مجموعة من النساء للخروج معاً ويحملن معهنّ القليل من الطعام والمشروبات المفضّلة، تضيف: “الخروج إلى الأرض مع رفقة أكثر متعة ويجعلك تبحثين وتقضين وقتاً أطول في الطبيعة”. تعتبر هناء أنّ الحياة قد اختلفت كثيراً عمّا مضى، فطبيعة الحياة أصبحت أكثر صعوبة، والأرض شهدت موجات من الجفاف أثّرت على النباتات، توضح: “فيما مضى كنا نحصل على ما يقارب العشرين كيلو من النباتات البرية في نصف ساعة، الآن أصبح الأمر مختلفاً ولكن مازال الأهالي هنا يعتمدون على هذا الموسم”.

النباتات البرية كمورد اقتصادي
بعد الأيام الأولى من شهر آذار تبدأ النباتات بالانتشار في الأسواق، وتختلف أسعارها بحسب الجهد الذي يتطلّبه الحصول عليها ووفرتها. يمكننا القول إن هذه التجارة تعتمد بشكل أساسي على الجهد العضلي لصاحبها، فالحصول على النباتات لا يحتاج سوى أداة حادة، مثل السكين أو بعض الأدوات التي ابتكرها السكان مثل (العَبوة) التي تستخدم لقطف العكوب، وهي عبارة عن قطعة من الخشب طولها متر وفي نهايتها قطعة حديد مصقولة ومدببة الرأس.
تتراوح أسعار هذه النباتات بين الخمسة آلاف إلى الخمسين ألف ليرة، ويعتبر نبات العكوب الأعلى سعراً، حيث بلغ سعر الكيلو الواحد هذا العام خمسين ألفاً، فيما تتراوح أسعار النباتات الأخرى بين عشرة آلاف وخمسة وعشرين ألفاً للكيلو، وتدخل في عملية التسعير اعتبارات كثيرة، مثل نوع النبات وفوائده الطبية والغذائية وندرته.

مؤخراً وخلال سنوات الحرب بدأت هذه النباتات تنافس الأنواع الأخرى من الخضروات خلال الموسم، وعلى الرغم من اندثار بعض الأنواع وتغيّر نمط الحياة إلا أن السكان المحليين واظبوا على اعتماد النباتات البرية كمصدر غذائي، ولعب الانهيار الاقتصادي دوراً هاماً في عودة هذه الثقافة وانتشارها بشكل أكبر. بالإضافة لذلك هناك محاولات لزراعة هذه النباتات في المنازل ونقلها إلى أماكن زراعية مختلفة بهدف الحفاظ على الأنواع وزيادة الإنتاجية.



