يوم بيئة عالمي سعيد يا سوريا!

ليلى جروج –

لا ينقطع حسيب (اسم مستعار) عن عادة استمرّ عليها منذ عدّة سنوات، فمع انتهاء فصل الشتاء يبدأ الناس بالخروج نحو المساحات الخضراء المحيطة بمدينته، “ولا يحمل جميع الناس مسؤوليةً عالية تجاه هذه المساحات”، يقول حسيب الذي يحدّد يوماً واحداً في الأسبوع لجمع الأوساخ المتناثرة هنا وهناك. من وجهة نظره تمثّل هذه المساحات متنفّساً ومتعة للناظر ولا يجوز أن تكون ملوّثة.

يقوم حسيب بهذه المبادرة بشكل فرديّ مؤمناً بأنّ “الإيمان الحقيقي ينعكس بالأعمال وليس بالكلام والتنظير”، فيشير إلى إمكانية كتابة منشور على “فيسبوك” لينتقد وضع الأوساخ، لكن الأفضل كتابة منشور توعوي من جهة، والقيام بالأعمال التي نقتنع بها من جهة ثانية وذلك “على أمل خلق روح من المبادرة عند باقي الناس”، يقول حسيب.

على الرغم من صعوبة هذه المهمّة بسبب انشغالات الحياة، إلا أنها تشكّل جزءاً هامّاً من فصل الربيع في حياته، وجزءاً من واجبه المجتمعي تجاه مدينته، الذي قد يبدو محدوداً أو ضعيف التأثير لكنه يمنحه سلاماً داخلياً، يضيف: “لا أبحث عن التقدير من أحد.. أحياناً أتمنى أن أكون رجلاً خفيّاً يجمع الأوساخ ويركض بها مسرعاً إلى الحاوية”.

يضحك عند سؤاله عن يوم البيئة العالمي، ليس سخريةً، بل لاعتقاده بأن هذه الأشياء يجب أن تكون من المسلّمات عند الناس، يقول: “أعلم أنّ كلامي هذا منفصل عن الواقع، كانفصال من يضع يوماً عالمياً للبيئة، فمهما اختلفت المعتقدات والأديان، لكن جميعها تصبّ في حماية الأرض والحفاظ عليها”.

حسيب حافظ على فكرته بشكل فرديّ، فكرته التي قد لا تنطلق من دافع بيئيّ، لكنّها تصبّ في مصلحة الإنسان والبيئة، وتتقاطع مع عشرات المبادرات والبرامج والخبرات التي تعمل اليوم على أرض سوريا، منها ما يحمل أهدافاً توعوية، ومنها تربوية، بعضها خيريّ، وآخر توثيقيّ، وجميعها تسعى إلى تحقيق أثر بيئي مستدام.

الأرض التي ينظّفها حسيب

يحتفل العالم في الخامس من حزيران باليوم العالمي للبيئة، بعد اجتماع ستوكهولم الذي أرسى دواعم القوانين والأنظمة البيئية في العالم. هذا العام ستستضيف الجمهورية الكورية الاحتفال باليوم العالمي للبيئة لهذا العام، والموضوع الأساسي المطروح لهذا اليوم هو الدعوة إلى العمل الجماعي للحدّ من التلوث بالمواد البلاستيكية، مع العلم أنها  ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها موضوع التلوث بالمواد البلاستيكية على طاولة يوم البيئة العالمي.

 الناشطة البيئية ومنسقة قسم الترجمة في مؤسسة “رياديّو المناخ السوريون” ومراسلة غرفة غوطة الإخبارية، هيلانة شيخ الشباب، ترى أن تكرّر موضوع النفايات البلاستيكية في اليوم العالمي للبيئة يعود لكونها أصبحت من أكثر التحديات البيئية إلحاحاً، فعلى الرغم من تغيّر الشعارات كلّ عام “يبقى البلاستيك في الواجهة بسبب الإنتاج العالمي الكبير الذي يفوق القدرة على إعادة التدوير بفارق واضح”، وتضيف بأنه موجود في الهواء والماء والسلاسل الغذائية وعمره البيئي يمتدّ لمئات السنين، لذلك يعتبر ملفاً لم يغلق بعد، ويعود كل عام بشكل مختلف لكن بمضمون واحد.

لا تعتبر شيخ الشباب أن سوريا خارج اليوم العالمي للبيئة، لكن هناك فجوة بين الخطاب والواقع، “على مستوى الخطاب البيئي نرى اليوم وعياً متزايداً داخل المؤسسات والمنظمات الشبابية والبيئية، بالإضافة الى نشاط إعلامي و مبادرات محلية رغم محدودية الإمكانيات”.

لكن على أرض الواقع؛ تُعتبر إدارة النفايات تحديّاً أساسيّاً في معظم المناطق مع ضعف البنى التحتية وإعادة التدوير، يضاف إليها الأولويات المعيشية للشارع السوري التي تجعل البيئة موضوعاً ثانوياً عند أغلب الناس.

يتعمّق الدكتور موفق الشيخ علي، مؤسس مبادرة فلورا سوريا واستشاري إدارة الموارد الطبيعية ومدير عام شركة الأرض للتنمية المتطورة للموارد السورية، بالحديث عن اليوم العالمي للبيئة وذكريات هذا اليوم مع سوريا وموضوعه المتعلّق بالنفايات البلاستيكية، يقول: “الحديث عن التلوّث بالمواد البلاستيكية يحتاج إلى صفحات مطوّلة، لكن التقديرات التي أجريناها في عام 2010 تبيّن أننا نستهلك أكياس بلاستيك في العام تكفي لتغطية كامل مساحة البلاد بسبعة طبقات متتالية”.

في رحلة في الذاكرة إلى العلاقة بين سوريا واليوم العالمي للبيئة يقول: “الحقيقة نحن حتى الآن لا نعرف من يوم البيئة العالمي غير احتفالاته التي تمرّ كخبر عابر ضمن سرديات الإعلام الرسمي، إذا مرّت، وصفحات الحائط الأزرق على فيسبوك لبعض الناشطين الذي يذهب صوتهم لرجع الصدى في العام القادم”.

يستعرض الشيخ علي الوضع البيئي الرسمي في سوريا قبل وخلال وبعد الحرب، كي لا يُعتبر مبالغاً في رأيه حول احتفالات اليوم العالمي للبيئة في سوريا.

 في عام 2010 وفي آخر احتفالية قامت بها وزارة الدولة لشؤون البيئة آنذاك بما أسمته “عام البيئة” في محافظة ريف دمشق، تم كنس الشوارع عدة مرات وجمع القمامة عشرات المرات وطلاء الجدران بألوان مختلفة لكتابة عبارت التمجيد بأهمية البيئة، “ولا يزال بعض تلك العبارات التي يمكن مشاهدتها على بعض الجدران التي لم يطلها الخراب”، وعند الانتهاء من تلك الاحتفالية بعد عام قالت وزارة الدولة لشؤون البيئة إنها صرفت ما يقارب 100 مليون ليرة على تلك التظاهرات البيئية، يوّضح الشيخ علي: “عندما دخلت معهم بالجدل على أولوية إقامة خمس محطات معالجة للصرف الصحي بنفس القيمة لتقديم حلول مستدامة قامت الدنيا ولم تقعد”.

 خلال سنوات الحرب وبعد دمج وزارة الدولة لشؤون البيئة مع وزارة الإدارة المحلية أصبح الوضع أشبه بمن يضع نعجته أمانة لدى الثعلب، أكبر ملوّث على المستوى العام هو مؤسسات الإدارة المحلية (النفايات المنزلية – الصرف الصحي – رخص البناء ومخالفاتها – قطع الأشجار ضمن الحدود البلدية – تغيير الصفة العمرانية للعقارات من زراعي إلى تنظيمي )، “وبالتالي ضمن وضع البيئة على المستوى المحلي مثل سندريلا في حضن خالتها زوجة أبيها”.

لا يزال هذا الوضع مستمرّاً، بالتشكيل المؤسساتي، مع نقطة إيجابية تشير إلى ضوء في نهاية نفق البحث عن مكانة جديدة للدولة السورية في المؤتمرات الدولية للأطراف المعنية في الاتفاقيات الدولية علّها تشير إلى وصول البيئة إلى مكانتها الطبيعية والاستفادة من فرض تمويل بمئات الملايين من الدولارات للمشاريع والمبادرات البيئية.

منسّقة فريق الإعلام والحملات في مبادرة تدوير- تك، سالي الرسلي، ترى أن سوريا بشكل عام بعيدة قليلاً عن القضايا البيئية، لكن مؤخراً وبخصوص اليوم العالمي للبيئة تحديداً بات الأمر يأخذ هتماماً وصدى في المجتمع السوري في ضوء عمل منظمات ومؤسسات المجتمع المدني. 

تقول سالي: ” من الجيد أن يعلم  الناس مدى أهمية الأفعال التي تصنّف بيئية، بما في ذلك فرز النفايات” لكن في سوريا نفتقد إلى منظومة لفرز النفايات، ولا يوجد معامل ومؤسسات لإعادة تدويرها بعد فصلها، وتضيف الرسلي: “لكن في حال الناس فصلت نفاياتها فإننا نحدّ من نوعية انبعاثات معيّنة، وننّمي عادة جيدة كقاعدة أساس عن الناس جميعاً ريثما يتم تطوير آليات لإعادة تدوير هذه النفايات”.

بحسب هيلانة فالعمل البيئي في سوريا صعب إلى حدّ ما، لكنّه ليس كالحفر في الصخر؛ لأنه، وبالرغم من الموارد المحدودة والضغط الاقتصاديّ والمعيشيّ، وضعف الدعم طويل الأمد وتغيّر الأولويات اليوميّة للناس، “فنحن نرى صمود المبادرات و استمراريتها مع العمل التطوعي ووجود إصرار حقيقيّ من ناشطين وفرق محلية على التغيير”.  كما أنّه ليس منفصلاً عن الواقع، على العكس هو جزء من الواقع ومن الحياة اليوميّة، توضّح هيلانة: “ينفصل عندما يتمّ طرحه بطريقة القضية المستقبلية بشكل أكاديمي جافّ بعيد عن الناس، لكن الصورة عكس ذلك تماماً، فكلما تم ربطه بالحياة اليومية والنتائج المباشرة أصبح أكثر إقناعاً”. 

يصف الدكتور موفق الإنسان البيئيّ بالإنسان الذي يحترم حقوق عناصر البيئة الفيزيائية والحيوية بكلّ أشكالها، وبالتالي البحث عن الهواء النظيف ليس خروجاً عن الواقعية، كما أن احترام حدود حرم النهر ليس تنازلاً، وإنّما درءاً للمخاطر.

يرى الشيخ علي أنّ معظم حالات الفيضانات والسيول التي شهدتها البلاد في هذا العام الخيّر بأمطاره كانت نتيجة تجاوز الناس على حقوق الطبيعية (زراعة أطراف النهر- إقامة منشآت ومقاهي – وحتى وصلت إلى بناء مساكن أو بيوت بلاستيكية في مجاري أنهار جفت لفترات طويلة أو قصيرة)، ويردف: “ربط العمل البيئي بالحياة اليومية يبدأ من زراعة أصيص من الورد أو حتى النعناع على البلكون ولا ينتهي بالمحافظة على المورد المائي أو الشجرة بالغابة”.

من الممكن خلق قناعة عند الناس بارتباط البيئة المباشر يحياتهم اليومية، تقول سالي، وتضيف: “نحاول في تدوير- تك خلق قناعة بأهمية العمل البيئي، أكبر دليل على إدراك الناس لهذه الأهمية، هي الكوارث الحالية.”

خير مثال على ذلك ما حدث خلال العامين الماضيين، الحرائق من جهة والفيضانات من جهة أخرى، والتي ترجع إلى أسباب متعددة لكن لا يمكن إنكار الجانب البيئي، من ارتفاع درجات الحرارة، إلى هطول نسب كبيرة من الأمطار، “ذكر هذه الأسباب لا يلغي المسؤولية التي تقع على عاتقنا وكيفية تعاملنا خلال سنوات مع هذه الأمور”.

من الأرشيف: حرائق تلتهم الجبال (المصدر صفحة الدفاع المدني)

هذه الأمثلة هي جزء واضح من ارتباط البيئة بالحياة اليومية وتفاصيلها، بعض الحالات نواجهها بشكل محدود مثل العواصف الغبارية التي تؤثر على الصحّة والتنفّس وحتى تفاصيل حياة الناس ووصولهم إلى أعمالهم، لكن في حال تعرّضنا لهذه الكارثة بقوّة وكثرة، ما هي خطة إدارة المخاطر التي نملكها؟ خصوصاً أن التعامل مع هذه الكارثة صعب جداً، قد تفتح مثل هذه الأسئلة باباً أمام الناس للتفكير بالارتباط الكبير بين البيئة وكل تفاصيل حياتنا.

في الدول المستقرّة يرتفع الوعي البيئي عند الناس لأن الوقت والرفاهية والوسائل تساعد بالتفرغ لهذه القضايا، تقول الرسلي: “في سوريا الأساسيات هذه غير مؤمّنة، فمن الطبيعي أن يعتبر البعض العمل البيئي رفاهية، لكن نتمنى أن يصبح الأساس الذي يسمح للناس بالالتفات إلى القضايا البيئية”.

في رسالتها إلى السوريين/ ات تقول هيلانة: “بيئتنا السورية ليست رفاهية بل هي حقّ أساسي ومسؤولية مشتركة، فكلّ مبادرة محلية، كلّ محتوى توعوي، كلّ جهد تطوعي حتى لو بدا صغيراً ، هو جزء من تغيير حقيقي”، وتضيف: “قد لا نملك ترف الحلول السريعة، لكننا نملك إصراراً لا ينكسر،  وفي كلّ خطوة صغيرة نحمي بها بيئتنا نحن نحمي حقّنا بالحياة نفسها ونحمي تفاصيل يومنا: الماء الذي نشربه، الهواء الذي نتنفسه، والغذاء الذي نستهلكه”. 

رسالة مباردة فلورا سوريا للسوريين/ ات تنعكس بالعمل على أرض الواقع، حيث تتابع المبادرة عملها بعد أن قطعت مراحل هامة، “استطعنا حتى الآن إضافة اسم سوريا إلى مناطق تسجيل 185 نوعاً نباتياً على مستوى قواعد البيانات العالمية كما أن موقع المبادرة على الإنترنت حظي بزيارة أكثر من 2.5 مليون زائر حتى الآن”. كما شاركت المبادرة في المؤتمر الدولي للتنوع الحيوي النباتي لحوض المتوسط الذي تم في نيسان من العام 2025 في قبرص، يضيف الشيخ علي: “اليوم نركّز أكثر على تدقيق وتوثيق الأسماء العلمية المعتمدة للأنواع النباتية المسجلة في سورية واستطعنا إنجاز التدقيق لأكثر من 3 آلاف نوع مثبت وجودها في سوريا”.

يشكّل عدد المتطوعين واحدة من الصعوبات التي تواجه تدوير- تك، عدا عن الصعوبات الأُخرى التي تتمثّل في ضعف التمويل، والذي قد يمنع الكثيرين من العمل، لكن العمل والمشاركة مع تدوير تك يعتمد على أهمية الأرض وحب البيئة للشخص المتطوع، تقول سالي: “رسالتنا للسوريين/ات  أن سوريا بلد جميل جداً ومتنوع بيئياً بطريقة مختلفة ومميزة عن أماكن كثيرة، لنحافظ عليها، ولنجعلها جزءاً من تفكيرنا اليومي”.

أما حسيب فيعاود الضحك من فكرة حاجة الإنسانية اليوم إلى وجود يوم عالمي للتوعية بمخاطر نوع معيّن من النفايات، أو ضرورة عدم أذية الحيوانات، أو حماية الأشجار، ” لا أملك رسالة محددة، ولا مخططات واضحة، سأستمر بما أقوم به لأنه يسعدني، وعدم فعله يزعجني كثيراً”، لكنه لا يخفي سخريته من عدم قيام الآخرين بما يقوم به، “ربما لو حافظ كلّ إنسان على الموارد التي بين يديه، وعاملها كأمانة يجب حمايتها بدلاً من استهلاكها، من غير تعقيد، فقط بعد الدراية بالمياه والشجر والنظافة، لما احتجنا لكلّ هذا”.

Scroll to Top