طوفان الفرات في الرقة ودير الزور: كارثة بيئية وجغرافيا مغمورة

رؤى النايف –

تواجه جغرافيا حوض الفرات في شمال وشرق سوريا أزمة بيئية وهيكلية هي الأعنف منذ عقود، وذلك عقب موجة فيضانات عارمة أعادت رسم الخريطة الديموغرافية والزراعية للمنطقة. الكارثة التي بدأت ملامحها تتكشّف لم تعد مجرّد حدث طبيعي مؤقّت، بل تحوّلت إلى أزمة جيوسياسية وبيئية مركّبة، تداخلت فيها القرارات الفنية مع هشاشة البنية التحتية والخدمية.

البيانات المتقاطعة وشهادات الكوادر الفنية التي حصلت عليها مجلة لحلاح تؤكّد أن نقطة التحوّل بدأت من خلف الحدود، حيث اتخذت أنقرة قراراً مفاجئاً بفتح بوابات المفيض في سد أتاتورك والسدود الملحقة به لتصريف فائض مياه الأمطار الاستثنائية وذوبان الثلوج بهدف حماية منشآتها. هذا الإجراء مرّر كميات ضخمة تزيد بنحو خمسة أضعاف عن المعدلات المعتادة للنهر، مترافقاً مع إشعار متأخر للجانب السوري لم يتجاوز 24 ساعة، ما شلّ قدرة فرق الطوارئ المحلية على المناورة.

نتيجة لذلك، امتلأت بحيرة سد الفرات في سوريا بشكل قياسي لتصل إلى 97% من طاقتها الاستيعابية، ما أجبر الهيئة العامة للسد على فتح من 4 إلى 5 بوابات لتصريف المياه لأوّل مرّة بمثل هذا الزخم منذ عام 1988، ليرتفع منسوب النهر مجدداً بمقدار تجاوز المترين، مسبّباً تدفقات كارثية نحو دير الزور وصولاً إلى الحدود العراقية.

سد الفرات

أحدث التدفّق المائي السريع خللاً ديموغرافياً كبيراً على طول سرير النهر، حيث تضرّرت 2439 عائلة بشكل مباشر جراء الغمر الجزئي أو الكلي لمنازلها، ونزحت نحو 1600 عائلة جرى إجلاؤها بشكل عاجل نحو مراكز إيواء مؤقّتة في المدارس أو إلى منازل الأقارب في المرتفعات، مع إخلاء كامل لمخيم اليوناني للمهجّرين جنوبي الرقة ومخيم حويجة زهرة.

في مدينة الرقة وريفها، تركّزت الأضرار السكنية في قرية المحوكية وحويجة السوافي وحويجة كادرو وحويجة الذخيرة وحويجة الفنصة. بينما سُجّل في ريف دير الزور غرق كامل لقرية البغيلية، ما دفع سكانها لفرار جماعي، إلى جانب أضرار بالغة في بلدة الكشكية وقرية محكان ومنطقة حويجة قاطع والخريطة والتبني ومحيميدة، في حين طال الغمر المائي 265 منشأة حكومية و60 منشأة مدنية وسياحية تشمل مطاعم نهرية ومزارع أسماك تعثّرت بنيتها بالكامل.

جاء الفيضان في أكثر فترات السنة حرجاً بالنسبة للقطاع الزراعي، وهي مرحلة حصاد القمح والشعير، ما ضاعف حجم الخسائر الاقتصادية. في دير الزور بلغت المساحة الإجمالية المتضررة نحو 24 ألف هكتار، وتوزّعت هذه المساحات بين تلف كامل للمحاصيل في بلدتي الطيبة والجرنية وقرية الكشمة، بالإضافة إلى تضرر 7080 دونماً في مدينة هجين وحدها، متسببة بخروج 9 محركات زراعية عامة و80 محركاً خاصاً عن الخدمة جرّاء طمر الجمعيات الفلاحية بالكامل.

أما في الرقة، فقد جرفت المياه نحو 4500 هكتار كحصيلة أولية، إلى جانب غمر 1500 دونم من الأراضي الزراعية المتاخمة مباشرة لسرير النهر في قرية المحوكية، لتصل المساحة الإجمالية للأراضي الزراعية المغمورة بفيضانات النهر إلى 16,870 دونماً في بؤر الغمر المباشر، ما يهدد بانتكاسة حقيقية للأمن الغذائي المحلي.

خالد العبيد، وهو مزارع من بلدة الكشكية بريف دير الزور الشرقي، يختصر بنبرة حزينة ومتأججة حجم المأساة التي يعيشها فلاحو المنطقة بقوله: “تعب سنة كاملة شاهدته يغرق أمام عيوني بلمح البصر.. أنا زرعت 65 دونم قمح، وضعت فيها كل ما أملك وشقا عمري، استلفت ثمن البذار والسماد والمحروقات على أمل أوفّي ديوني وقت الحصاد، لكن المياه جرفتنا قبل ما تلمس المحاشة (آلة الحصاد) السنابل بأيام قليلة”. 

يضيف العم خالد لمجلة لحلاح: “السنابل اللي كانت مليانة بالقمح وخيرها قارب يرجع، باتت اليوم مدفونة تحت الطين والماء العكر، خسارتي ما كانت فقط الموسم، خسارتي بكسرة الخاطر والديون التي تكبّدتها”، ثم يردف موضحاً: “الجمعيات الفلاحية انطمرت، والمحركات اللي كنا نسحب بيها الماي تعطلت وطمرها السيل، صرنا نطلع على أراضينا وما نشوف إلا بحر من الماي فوق تعبنا، مع غياب أي دعم حكومي ، المزارعين تكبدوا خسائر فادحة دون بصيص أمل”.

تسبّبت قوّة التيار المائي بانهيار منظومة النقل المائي والجسور، تلاها شلل شبه تامّ في محطات الشرب والتصفية، حيث خرج جسر الرقة القديم عن الخدمة مؤقّتاً كإجراء احترازي لتأمين استقرار جسم الجسر، بينما انهارت وجُرفت بالكامل جميع الجسور العائمة والمؤقتة في ريف دير الزور، ما أدى إلى قطع صلة الوصل بين ضفتي النهر (الجزيرة والشامية). وترافق ذلك مع انهيار أجزاء واسعة من الجسر الترابي في العشارة، والجسر الرابط بين بلدة السوسة ومنطقة المراشدة، لتتوقف بذلك حركة المرور بشكل كامل ويُعزل السكان في “كانتونات” محاصرة بالمياه.

في موازاة ذلك، تابعت مجلة لحلاح الواقع الخدمي لمحطات المياه، ورصدت خروج نحو 83 محطة مياه شرب عن الخدمة في ريف المحافظتين نتيجة غمر غرف المحركات واللوحات الكهربائية بالكامل بالسيول الطينية، ولم تنجح الجهود المحلية حتى الآن سوى في إعادة 13 محطة فقط إلى الخدمة. من أبرز المحطات التي تم توثيق خروجها عن الخدمة محطة الكشكية الأولى ومحطة الطوب ومحطة أبو الحسن التي تغذّي وحدة هجين و25 ألف نسمة، ومحطات الكُبر والهرموشية والباغوز الثانية في دير الزور، بالتوازي مع توقف محطات طاوي رمان والحمرات والكرامة في ريف الرقة.

هذا التوقّف المتزامن وضع مئات الآلاف من السكان أمام خيارات حرجة وبيئية خطيرة بالاعتماد على مياه النهر العكرة وغير المعالجة، ما يرفع مؤشرات الخطر البيئي والصحي، وينذر بكارثة وبائية وشيكة ما لم تتدخّل المنظمات الدولية لإنقاذ الموقف المتدهور.

Scroll to Top