تراجع العمارة الدمشقية رغم استدامتها

ليدا زيدان –

يجلس حسان وزوجته على كرسيين قرب طاولة وضع عليها إبريقاً من الشاي وكأسين، يشاهدان التلفاز الذي وُضع فوق البحرة الجدارية، في الجهة المقابلة للطاولة باب المنزل الذي يطلّ على الشارع بعد ما يقارب الثلاثة أمتار من زقاق صغير أو ما يسمى (الدهليز). اعتاد الزوجان فتح الباب في مساءات الصيف، والتمتّع بالنظر إلى الحركة في الخارج وانتظار عودة أبنائهم من العمل، فيما يتداخل صوت التلفاز بصوت المياه في نافورة البحرة وأصوات العصافير في الداخل.

يقع منزل حسان في زقاق القصبة قرب كنيسة يسوع الناصري الإنجيلية، ويتفرّع هذا الزقاق من الأحياء القديمة التي تصل باب شرقي بباب توما، ضمن ما يسمى حارة الخضر، وتتميّز هذه الحارة بأزقّتها الضيقة وبيوتها المبنيّة من الحجر البازلتي، ويمكننا القول إن معظم هذه المنازل ما زالت مأهولة بسكانها عكس الحارات الأخرى، مثل حارة اليهود أو بعض المنازل المهجورة في شارع الأمين وشارع مدحت باشا. يمكنك ملاحظة روح مختلفة هنا، فالأبواب القريبة من بعضها، والغرف الممتدّة فوق السطوح، والنساء المجتمعات قرب الأبواب، تعكس بشكل واضح علاقات قديمة وثابتة في الحي.

يعتبر حسان أنّ الحياة هنا لها خصوصيتها ومتاعبها، فالبيوت الدمشقية القديمة إرث عظيم لا يمكن التخلّي عنه بسهولة، يقول: “عام 1959 اشترى والدي هذا المنزل وما زلت أعيش فيه مع زوجتي وأولادي، ولا أظنّ أنّي سأتركه يوماً”. يُعدّ منزل حسان من المنازل المتوسطة من جهة المساحة، عند دخولك من الباب ستجد على يمينك الليوان، وهي قاعة أو غرفة مرتفعة قليلاً عن “أرض الديار” تقابله بحرة جدارية صغيرة بالإضافة إلى أربعة غرف ومطبخ موزّعة على محيط أرض الديار ودرج يفضي إلى الطابق الأعلى، وتشترك جميع البيوت في دمشق القديمة بهذا التصميم مع اختلافات بسيطة في المساحة أو موقع البحرة إن كانت جدارية أو في المنتصف.

تتمثّل الصعوبات في العيش في البيوت الدمشقية القديمة بالنسبة لحسان في أنها مُتعبة ومكلفة في بعض الأحيان، يوضح: “هذه المساحات الواسعة والفتحة السماوية تسبّب تجمعاً للغبار، ما يجعل المنزل بحاجة للتنظيف بشكل مستمرّ”، كما توقّفت العائلة عن استخدام الطابق الأعلى (الأول) منذ وقت طويل بسبب ذلك.

يعتبر حسان أن التصميم الخاص بمنزله يراعي معظم متطلّباته، وله ميزات تفتقدها الأبنية الحديثة، يشرح: “هناك حالة مختلفة من الراحة بالإضافة إلى أنّ هذا المنزل معزول عن البرودة والحرارة “.

عبر الزمن تطوّر تصميم المنازل في كلّ مرحلة حسب الاحتياجات والتغيّرات المناخية والاجتماعية، والبيوت الدمشقية تعكس المتطلبات المعمارية لمرحلة زمنية معينة، إذ أنّ تصميمها يراعي طبيعة الحياة في ذلك الوقت، فكلّ ما في هذا المنزل ضروري ليلائم تلك المرحلة، بالإضافة لمراعاة فنّ العمارة وتطوّراتها. بحسب المهندسة المعمارية الحاصلة على درجة ماجستير في ترميم المباني الأثرية، مها مهايني، فإنّ هذا التصميم سوريّ الأصل، تقول: “بدأ هذا النوع من العمارة بالظهور في العصر الأموي وازدهر في العصر العثماني”، وتضيف أنّ الفراغات داخل هذه المنازل كانت تراعي التقاليد الاجتماعية والمناخية والجمالية، وعن الجانب الجمالي تضيف: ” تنقسم البيوت إلى منازل فخمة، مثل منزل نزار قباني أو بيت فارحي وبيت جبري، التي تحتوي على كمية من الزخارف والبحرات المتعددة والموزاييك، وتدلّ هذه المنازل على الوضع الاقتصادي للعائلة حينها، في الوقت الذي توجد فيه بيوت أخرى عادية أو متوسطة”، لكن ذلك لا ينفي أن يكون التصميم من حيث المبدأ والتوزيع متشابه في جميع المنازل.

يتألّف المنزل الدمشقي، بحسب مهايني، من مجموعة من العناصر الأساسية، من دهليز وأرض الديار والليوان والقاعة، وغرفة اسمها الطيارة في الطابق الأول على السطح وهي مغلقة وغير مكشوفة، بالإضافة إلى (المشرقة) وهي شرفة أو فتحة سماوية تدخلها الشمس في الطابق العلوي.

أما بالنسبة للمواد المستخدمة في البناء فتوضّح: “المواد الأساسية التي تُستخدم في بناء المنازل مؤلّفة من الحجر في الطابق الأرضي، ومن الخشب واللبن في الطابق الأول، ويعود ذلك لأسباب إنشائية، حيث يمكن تحميل الطابق الأول على الأرضي”، وبالنسبة للأسقف فهي عبارة عن مورينات خشبية تعلوها طبقة من الطين فيما تكون الأرضيات من الرخام أو الحجر المزاوي أو زخارف صدف أوحجر أوموزاييك بالإضافة للرسومات الجدارية.

يمثّل  الدهليز عنصر الخصوصية الأساسي للمنزل “إذ يمرّ الزائر عبر الدهليز ويدخل، ما يسمح للعائلة بالحفاظ على خصوصيتها”، كما أن هذه البيوت لا تحتوي على نوافذ تطل على الحارة أو الخارج، ولهذا تم ابتكار أرض الديار التي تطلّ النوافذ عليها وتساعد في تهويتها وتبريدها في الصيف.

للبيوت الدمشقية ميزات خاصة تجعلها نموذجاً للعمارة المستدامة، حيث صُمّمت لتخفيف استهلاك الموارد ومراعاة تغيّرات الطقس في مختلف الفصول، ويتمثّل ذلك في تصميمها إلى الداخل حيث “يقع المركز في الفناء المفتوح الذي يُزرع بالأشجار والنباتات والورود بالإضافة للبحرة، ما يجعل هذا المركز مكاناً تتوفّر فيه عناصر الطبيعة”، فالأشجار تحجب الشمس قي الوقت الذي تعمل فيه الفتحة السماوية على تبريد الهواء وسحبه إلى الغرف، إضافة إلى الرطوبة التي توفّرها النافورة في البحرة، إلى جانب ذلك تلعب الأحجار البازلتية التي صُنعت منها الجدران دوراً مهماً في تكييف المنزل مع التغيّرات، إذ لديها القدرة على عزل الحرارة بسبب سماكتها، كما أن هذه العناصر مجتمعة تجعل المنزل معزولاً عن الضجيج الخارجي مهما كان موقعه.

بالإضافة لذلك تمثّل الحارات الدمشقية نموذجاً أكبر لهذه الاستدامة، فالبيوت المتصلة ببعضها البعض والأسطح القريبة تؤدي إلى تقليل المساحات المعرّضة للشمس والبرودة.

على الرغم من الميّزات الخاصة التي توفّرها هذه البيوت إلا أنّ هناك بيوت كثيرة أغلقت وانتقل أصحابها للسكن في البيوت الحديثة، وبقيت بعض البيوت فارغة أو تمّ تحويلها لمشاريع استثمارية وتجارية، ويُبرّر حسان ذلك باختلاف طبيعة الحياة والمجتمع: “قبل سنوات كان يمكن للعائلة مهما كبرت أن تبقى في بيت واحد، الآن أصبح الأفراد يبحثون عن الاستقلال خاصة في حال زواج الأبناء”.

تكثر الأسباب التي تدفع سكان دمشق القديمة للانتقال إلى أماكن أخرى والبحث عن منازل حديثة، منها حاجة هذه المنازل لعناية متواصلة، كما أنّ الخلل في أحد هذه المنازل قد يسبب خللاً في المنازل المجاورة له بسبب الارتباط المعماري بينها، فإزالة أي جزء يؤثّر على باقي المنازل كونها عبارة عن سلسة متصلة ببعضها البعض. يُضاف إلى ذلك مشكلة قانونية، أو ما يسميها السكان “الورثة”، إذ أنّ كلّ منزل من هذه المنازل تعود ملكيته لجدّ واحد، وبعد مرور السنوات يصبح للجد أبناء وأحفاد، ومن الصعب القيام بعملية حصر الإرث حيث تصبح مكلفة للغاية، ولا يمكن أن تورث لشخص دون الآخرين، لذلك يلجأ أصحاب البيوت لتركها أو بيعها، حيث تعتبر أسعار عقود دمشق القديمة عالية، ما يوفّر إمكانية تقسيم الحصص بين الورثة.

هذه المشاكل جميعها دفعت بغالبية أصحاب البيوت لتركها والانتقال لمنازل حديثة مع صعوبة إيجاد الحلول، رغم خصوصية هذه البيوت وتفوّقها معمارياً، وتعتبر مهايني أن المنازل الدمشقية  القديمة أفضل من الحديثة، وذلك لعدة أسباب: “المواد المصنوعة منها  تساعد على التبريد في الصيف وحبس الحرارة في الشتاء فهي تراعي الظروف المناخية أكثر من البيتون المستخدم في المنازل الحديثة”. 

تبرّر مهايني سبب تخلّي الناس عن هذا النوع من المنازل بـ”الحداثة وظهور البيتون والظروف الاجتماعية حيث كان من الممكن للعائلة أن تعيش في المنزل وتقضي حاجاتها في الحارة، سابقاً كانت الحياة أكثر بساطة بالإضافة إلى تغير طبيعة الحياة والميل للاستقلال”.

منذ ظهور البيتون بدأت تُهدم حارات كاملة  وتبنى أبنية حديثة بدلاً منها، تقول: “من الممكن أن تختفي هذه المنازل إذا لم يتم الحفاظ عليها أو سنّ قوانين لعدم هدمها، قبل فترة كان هناك ترويج لفكرة هدم منطقة ساروجا وهي بغالبية منازلها تقليدية”.

كما تبيّن مهايني أن ترميم هذه المنازل صعب لأن قوانين الترميم تفرض تأمين مواد من نفس المواد المستخدمة و”هذا غير متوفّر حالياً، بالإضافة لصعوبة إيجاد اختصاصي في ترميم هذه المنازل وغلاء الأيدي العاملة وقلتها”.

تعتبر البيوت الدمشقية منازل أثرية جاذبة للسياح والزوّار، ما دفع المستثمرين لتحويلها إلى مشاريع تجارية من مقاهي ومطاعم وفنادق أو صالات للعروض الفنية. بدأت هذه الظاهرة في التسعينات، وازدادت انتشاراً في السنوات الأخيرة، وما يميّز هذه الاستثمارات أنها ليست بحاجة إلى تسويق، إذ أنّ دمشق القديمة وجهة دائمة للسياح للتعرّف على التراث والخصوصية المعمارية فيها.

يعتبر سكان المنطقة أن هذه الاستثمارات مفيدة إذ أنها تحافظ على المنازل أكثر من بقائها مهجورة دون عناية، كما أنها قيمة مضافة بالنسبة للسياحة في المنطقة، من ناحية أخرى يتخوّف البعض من الترميمات التي تخضع لها هذه البيوت لأغراض تجارية ما يفقدها أصالتها، تقول مهايني: “معظم المنازل تحوّلت إلى مطاعم وتم ترميمها بطريقة خاطئة، والمنزل الوحيد الذي رمم بطريقة صحيحة هو بيت جبري، حيث حافظ على أصالته، فيما يغلب على الترميمات الأخرى الطابع التجاري لأنها لم تُرمّم لغرضها الأصلي (السكن)”.

كما أن كثرة البيوت المتروكة والمهدّمة تنذر بخطر هدمها بشكل كامل وظهور أبنية مكانها وهذا ما يجعل الاستثمار خياراً أفضل.

يعتبر حسان أن من واجب المحافظة أو وزارة السياحة العمل على إيجاد حلول للمنازل المتروكة والمهدّمة، رغم وجود الكثير من العوائق، إذ تبقى هذه المنازل ملكية خاصة لا يمكن التصرّف بها، ويضيف ” لا يمكننا بناء “دمشق قديمة” مرة أخرى، ولكن يمكننا الحفاظ على ما لدينا، لذلك يتوجّب علينا حماية هذه البيوت والاعتناء بها”.

Scroll to Top