الزراعة الصفرية وحماقة الحرث

ليدا زيدان –

قبل آلاف السنين بدأ أسلافنا بزراعة الأراضي القريبة من مساكنهم؛ كانت تلك تجربتهم الأولى للانتقال من الصيد إلى زراعة محاصيلهم الخاصة. في البداية ابتكروا أسهل الطرق لتلبية حاجاتهم، إذ استخدموا عصا لثقب الأرض ووضع البذار في حفر صغيرة ومن ثمّ تغطيتها بالتربة. كانت تلك أولى الخطوات في عالم الزراعة وإنتاج المحاصيل، بعد ذلك ظهر الشكل البدائي للمحراث، وكان يسمى “محراث الخدش”، وهو مؤلّف من إطار يحمل عاموداً خشبياً رأسياً يتم سحبه في التربة، حيث يقوم أحد الأشخاص بجرّه والآخر يقوم بتوجيهه، من ثم بدأ تدجين الحيوانات لحمل المحراث وجرّه، بعد ذلك ظهرت أشكال متنوّعة وأكثر حداثة للمحراث منها الجرّارات التي يمكنها جرّ أكثر من محراث في وقت واحد.

استمر المزارعون بحراثة أراضيهم حول العالم، إلى أن كتب إدوارد إتش. فولكنر كتابه “حماقة الحرث”، والذي أحدث انقلاباً في مفهوم الحرث والزراعة، إذ أوضح من خلاله الآثار المدمّرة للحراثة على التربة، وكانت تلك أولى بدايات ظهور أفكار حول الزراعة الصفرية أو الزراعة بدون حرث.

تُعتبر الزراعة الصفرية تقنية زراعية حديثة ومستدامة، بدأت تظهر أولى ممارساتها في منتصف ستينات القرن الفائت، في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، وظهرت لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكننا القول إن هذا الابتكار لطرق جديدة في الزراعة تأثّر بشكل كبير بكارثة Dust Bowi أو ما يسمى “قصعة الغبار” التي ضربت مناطق واسعة من الأراضي الزراعية في ثلاثينات القرن الفائت، حيث شهدت بعض الولايات مثل “تكساس” و”أوكلاهوما” عواصف غبار شديدة دمرت المحاصيل بشكل كامل، وحوّلت التربة إلى وعاء من الغبار، ما تسبّب بهجرة آلاف العائلات التي كانت تعتمد الزراعة كمصدر رزق لها، بالإضافة لخسائر اقتصادية كبيرة. حينها أرجع الخبراء هذه الكارثة لأساليب الحراثة الخاطئة، وإزالة الغطاء النباتي الطبيعي والجفاف الطويل، وهذا ما أدّى إلى تغيير الولايات المتحدة لسياسات الزراعة والبحث عن طرق مبتكرة وأكثر استدامة.

بدأت الولايات المتحدة بابتكار آليات جديدة لحماية الأراضي الزراعية، ففي العام 1935 قامت الحكومة بتأسيس جهاز صيانة التربة، والذي يهدف لترك بقايا المحاصيل في التربة، ومن ثم بدأت بصناعة ماكينات خاصة لذلك، ومن هنا بدأت تظهر ما يسمى الزراعة الصفرية بشكل عملي، وتستخدم فيها ماكينة خاصة بالإضافة لمبيدات الأعشاب الكيميائية، وتتمثّل طريقة الزراعة الصفرية بحفر أخدود يتراوح عرضه بين نصف بوصة إلى ثلاث بوصات في كلّ صف مزروع يتم إسقاط البذور بداخله.

تعتمد هذه الزراعة الصفرية بشكل أساسي على تقنية الاحتفاظ ببقايا المحاصيل السابقة وتغطية التربة بها بعد الزراعة، وبحسب السجل الوطني للموارد التابع لوزارة الزراعة الأمريكية فإن لهذه البقايا عدد كبير من الفوائد، منها انخفاض تآكل التربة بفعل الرياح والمياه.

تعتبر الزراعة الصفرية من الأساليب التي تساهم في زراعة أكثر استدامة بالإضافة لقدرتها على خلق نظام يسهم في إنتاج الغذاء بشكل متوازن وتلبية الحاجات البشرية، وبدأ المزارعون في السنوات الأخيرة في دول كثيرة بالتخلي عن فكرة الحراثة، فيما لا اتزال معظم الدول النامية تعتمد الحراثة كشرط أساسي لزراعة الأراضي، ويعود ذلك إلى الازدهار الزراعي الذي شهدته مناطق مختلفة في العالم بعد تطوير المحراث واعتماد الحراثة لزراعة مساحات من الأراضي القاحلة والبراري، وبالرغم من أن الحراثة تساهم في تهوية التربة وتقليبها وتدفئتها، والتخلّص من بقايا المحاصيل والأعشاب الضارّة، إلا أن ممارستها لوقت طويل تؤدّي إلى ضعف التربة وافتقارها للمواد العضوية وتعرّضها للتآكل والتعرية. كلّ هذه الأسباب أدّت إلى تصنيف الحراثة كواحدة من أسوء المشاكل البيئية في العالم.

في المقابل تساهم الزراعة الصفرية في الحفاظ على التربة والحياة الموجودة بداخلها عن طريق توفير الغذاء للكائنات الدقيقة، وزيادة المواد العضوية فيها، كما أنّها تسهم في تقليل التبخّر وزيادة تسرّب المياه والتقليل من الجريان السطحي، وتقليل التلوّث في مصادر المياه القريبة الناتج عن تسرّب الأسمدة والمبيدات الحشرية إليها، بالإضافة لزيادة عزل الكربون داخل التربة الناتج عن عملية التركيب الضوئي بتحويله إلى مواد عضوية ما يسهم في التقليل من خطر الاحتباس الحراري.

حتى الآن لم تتوفّر تجارب الزراعة بدون حرث في سوريا، وينطبق ذلك على معظم دول آسيا وأفريقيا وحتى أوروبا، ويعود ذلك لعدّة أسباب، منها ذلك المرتبط بالثقافة الزراعية في هذه المناطق؛ فمثلاً يعتمد المزارعون في سوريا على بقايا المحاصيل السابقة في تغذية الحيوانات أو يستخدمونها كوقود، كما أنّ الأدوات اللازمة للزراعة الصفرية ليست متوفّرة حتى الآن في هذه البلدان.

كما تلعب ثقافة هذه المناطق وبعدها الجغرافي عن المناطق الذي تشهد مثل هذه التحوّلات في مفاهيم الزراعة دوراً أساسياً في الحفاظ على الأساليب القديمة. حتى الآن ينتظر المزارعون في سوريا نهاية الشتاء وتخلّص الأراضي من الرطوبة للبدء بحراثتها وزراعتها بأنواع مختلفة من المحاصيل، ويعدّ التخلّص من هذه العادات الزراعية واستبدالها بأخرى أمراً بالغ الصعوبة، خاصة أن نتائجها تحقّق الإنتاج المطلوب بالنسبة لهم إلى حدّ ما.

Scroll to Top