عجلتان وصديق أخضر

رؤى النايف

لم تعد الدراجة الهوائية في شوارع سوريا مجرد لعبة أطفال أو وسيلة ترفيهية عابرة تقتصر على المتنزهات، بل تفرض نفسها اليوم كضرورة قصوى وأداة صمود في وجه واقع معيشي معقد، فمع تفاقم أزمات الوقود الخانقة التي شلّت المحرّكات، والارتفاع الجنوني في تكاليف صيانة السيارات، فضلاً عن الازدحام الخانق الذي بات سمة ملازمة لقطاع المواصلات العامة، خلع بعض السوريين عن الدراجة ثوبها التقليدي كأداة للرياضة أو التسلية، لتتحوّل من خيار بديل إلى حلّ جذري ومنقذ يومي للموظف والطالب والعامل على حدّ سواء.

هذا المشهد الجديد بدأ يغير ملامح حركة المرور في المدن من شرق البلاد إلى غربها، حيث باتت الدراجة الهوائية (البسكليت) القاسم المشترك في الطرقات، معلنةً عن ولادة ثقافة تنقّل اضطرارية صاغتها الحاجة، وفرضتها ظروف الحرب والحصار الاقتصادي، لتقدّم حلاً بيئياً بانبعاثات صفرية يساهم في خفض التلوث السمعي والبصري، ويحوّل الشوارع المكتظّة إلى فضاءات أكثر هدوءاً ونقاءً.

بداية الرحلة من أقصى الشمال الشرقي، حيث تعكس تجربة سهى يوسف (طالبة بكالوريا في مدينة القامشلي) هذا التحوّل الجذري. تقول للحلاح: “بالنسبة لي، الدراجة لم تعد مجرّد وسيلة تنقّل، بل أصبحت جزءاً من يومي، أستخدمها للذهاب إلى المعهد وحضور دوراتي، وأشعر أنّها منحتني حريّة كبيرة بعيداً عن توتّر الازدحام وانتظار الحافلات”.

تضيف سهى أن ّركوب الدراجة كسر كثيراً من الأفكار المجتمعية القديمة، فبعد أن كان من الغريب رؤية فتيات يقدن الدراجات في القامشلي، أصبح المشهد اليوم طبيعياً ومقبولاً، ما ساهم في تغيير النظرة نحو هذا النمط من الحياة.

بالانتقال إلى وسط سوريا، ترى ليمار عيسى (طالبة جامعية من سكان مدينة حمص) أنّ الدرّاجة باتت خياراً اقتصادياً لا يمكن الاستغناء عنه، وتوضح لمجلة لحلاح: “مع ارتفاع تكاليف النقل، وجدت أنّ الدرّاجة توفّر عليّ الكثير من المصاريف، خاصة أنّ صيانتها بسيطة”، لكن لا تخفي ليمار مخاوفها من التحدّيات الميدانية في حمص، مشيرة إلى أنّ الشوارع غير مهيّأة وتفتقر للمسارات المخصّصة، ما يجعل التنقّل محفوفاً بالمخاطر بين السيارات والشاحنات، في ظلّ “غياب الثقافة المرورية التي تحترم راكبي الدراجات كشركاء في الطريق”.

في العاصمة دمشق، تحدث فريق لـحلاح إلى بسام الهواري، مدير فريق “رود رايد” (Road Ride)، وهو أول تجربة سورية رائدة في العمل الرياضي الجماعي انطلقت عام 2018. يشير الهواري إلى أنّ التحديات في دمشق تتركّز في غياب التخطيط العمراني وسوء إضاءة الشوارع والازدحام الخانق، ويضيف أن التحدي يمتدّ للجانب الإجرائي والقانوني، حيث يتطلّب كلّ نشاط في العاصمة الحصول على تراخيص معقّدة في ظلّ غياب أطر تشريعية تنظّم هذه الرياضة.

ولأنّ أسعار الدراجات ارتفعت، أوضح الهواري أنّ الفريق وضع نظام تأجير ميسّر لضمان مشاركة كافّة الفئات، مراهناً على الأثر البيئي والصحي الإيجابي الذي يتركه الفريق في المجتمع كهدف تنمويّ يسعى لتغيير وجه المدينة.

كذلك في مدينة سلمية، يرى المهندس علي م. الخطيب، المسؤول التنفيذي في جمعية أصدقاء سلمية، في حديثه للحلاح أنّ أزمة التخطيط العمراني تجاوزت الجانب الهندسي لتمسّ صلب الأمن الصحي. ويؤكّد الخطيب أنّ الطرقات تفتقر للتخطيط الشمولي، حيث تحوّلت الأرصفة إلى مساحات للاستثمار والإشغالات التي تشرعنها مجالس المدن لتعويض نقص مواردها.

يشدّد الخطيب على أنّ تهيئة البنية التحتية في سلمية وغيرها من المدن تتماشى مع توصيات منظمة الصحة العالمية، مؤكّداً على أنّ “توفير مسارات الدراجات الهوائية ليس ترفاً جمالياً، بل هو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تقليل نسب الأمراض وتخفيف الأعباء عن القطاع الصحي، وهو ما ينعكس مباشرة على زيادة إنتاجية الأفراد وتحسين مؤشرات التنمية المستدامة”.

انتشار الدراجات الهوائية، من القامشلي إلى دمشق، مروراً بحمص وسلمية، هو بمثابة رسالة بيئية سورية تكتب بجهود فردية، فهي ليست مجرّد وسيلة للهرب من أزمة المواصلات، بل هي خطوة واثقة نحو مدن أنظف، وأجساد أصحّ، ومجتمع مرن يمكنه تطويع الأزمات لخلق أنماط حياة أكثر استدامة.

Scroll to Top