بشار يوسف – ترجمة فريق لحلاح –
هذا النص ترجمة كاملة لمقال بعنوان “Thirst and Geopolitics: How Conflict Actors Threaten Syria’s Water Security” المنشور في موقع الجمهورية بتاريخ 11 تموز 2025.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يواجه ملايين السوريين، الذين أنهكتهم الحرب، تهديداً وشيكاً يتمثّل في فقدان إمكانية الوصول إلى مياه شرب آمنة، وقد تكون عواقب هذا النقص في المياه كارثية على مختلف جوانب الحياة في البلاد.
لكن، من الضروري إدراك أن أزمة المياه الحالية في سوريا ليست نتيجة لتغيّر المناخ أو انهيار مؤسسات الدولة فحسب، بل تغذّيها أيضاً سياسات سياسية وعسكرية ممنهجة بعضها لا يزال مستمراً، بمعنى آخر، لم تتحوّل المياه إلى حاجة إنسانية ملحّة فقط نتيجة الحرب والنزوح، بل أصبحت أيضاً أداة استراتيجية يستخدمها أطراف النزاع للسيطرة أو فرض عقاب جماعي.
بناء على ذلك، من المهم دراسة الأسباب الكامنة وراء هذه الأزمة لفهم واقع الأمن المائي في سوريا حالياً، واقتراح توصيات قد تخفف من آثارها على المدى القصير، مع السعي نحو حلول طويلة الأمد.
خفض متعمّد لتدفق مياه الفرات
يُعدّ حوض البحر المتوسط أحد أكثر المناطق في العالم معاناةً من “الإجهاد المائي“، إذ يشهد فجوة متنامية بين الموارد المائية المتاحة والطلب المتزايد، ومن أبرز قضايا المياه الخلافية في المنطقة سيطرة تركيا على تدفّق نهر الفرات، الذي يُعتبر أهم مصدر مائي لسوريا ويعتمد عليه ملايين السكان في الشرب والري وتوليد الكهرباء.
منذ سبعينيات القرن الماضي، تصاعدت الخلافات حول تقاسم المياه نتيجة استخدام تركيا الأحادي لمياه النهر، خصوصاً بعد إطلاق مشروع “GAP” (مشروع جنوب شرق الأناضول)، وهو مبادرة تنموية ضخمة منحت أنقرة سيطرة واسعة على الفرات من خلال بناء 22 سداً و19 محطة كهرومائية.
في 29 آذار 1987، وق~عت تركيا وسوريا بروتوكولاً مؤقّتاً حول مياه الفرات، كجزءٍ من اتفاقٍ للتعاون الاقتصادي، لكن هذا البروتوكول لم يكن معاهدة طويلة الأمد ملزمة قانونياً. بموجب الاتفاق، التزمت تركيا بالسماح بتدفّق لا يقلّ عن 500 متر مكعب في الثانية إلى سوريا، لكنّها احتفظت بحقّ تعديل التدفّق وفقاً لاحتياجاتها الوطنية.
من المهم الإشارة هنا إلى أن تركيا لم تعترف رسمياً بحقوق سوريا أو العراق التاريخية في مياه الفرات، بل تصرّ على اعتبار النهر مياهاً عابرة للحدود وليست دولية، ولم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية لغير الأغراض الملاحية، ما جعل اللجوء إلى القانون ضدّ سياساتها المائية أمراً بالغ الصعوبة.
رغم بروتوكول 1987، خفّضت تركيا منذ عام 2020 بشكل متكرّر كميات المياه المتدفقة إلى سوريا –أحياناً إلى أقلّ من نصف الحد المتفق عليه– للضغط على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ويُبرز هذا النهج كيف تحوّلت المياه إلى أداة في الاستراتيجيات الجيوسياسية بدلاً من أن تكون مورداً عاماً ومضموناً.

استهداف البنى التحتية المائية
خلال أربعة عشر عاماً من الصراع، سُجلت عشرات الهجمات على منشآت مائية رئيسية في سوريا، وقد نُفّذت هذه الهجمات بشكل أساسي من قبل ثلاثة أطراف: النظام السوري السابق، الجيش التركي، وفصائل “الجيش الوطني السوري” المدعومة من أنقرة.
في السنوات الأولى للثورة السورية، ومع خروج مساحات واسعة عن سيطرة النظام، اعتمد الأخير استراتيجية “الأرض المحروقة”، مستهدفاً البنى التحتية في المناطق الخارجة عن سيطرته ضمن حملته لهزيمة خصومه المسلحين، ومن أبرز تلك الهجمات: قصف سد الفرات (سد الطبقة) في أيلول 2013 الذي أثار مخاوف من انهيار هيكله، وقصف محطة الضخ الرئيسية في حلب في أيار 2014، واستهداف نبع عين الفيجة في وادي بردى عام 2016 ما أدى حينها إلى قطع المياه عن أكثر من خمسة ملايين شخص في دمشق وريفها.
بشكل مماثل استهدفت القوات التركية وحلفاؤها السوريون مراراً منشآت مائية حيوية في شمال وشمال شرق سوريا، ضمن حملتهم العسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فمنذ عملية “نبع السلام” في تشرين الأول 2019، وحتى الأشهر الأولى من 2024، تركزت الهجمات على مرافق رئيسية مثل محطة مياه علوك وشبكاتها، وسد تشرين، وكلاهما تعرض للاستهداف عدة مرات منذ 2020. بعض تلك الهجمات وقع خلال جائحة كوفيد-19، ما أثّر بشكل مباشر على وصول آلاف الأسر إلى المياه والكهرباء.

لم يقتصر الضرر على الضربات المباشرة، إذ تضرّرت أيضاً البنى التحتية المساندة، مثل خطوط الأنابيب وقنوات الري، ففي أيار الماضي على سبيل المثال، سمّم مسلحون مياه بحيرة ميدانكي بريف عفرين، ما أدى إلى نفوق كميات كبيرة من الأسماك وأثار مخاوف من حدوث كارثة بيئية بسبب اعتماد السكان على مياه البحيرة للشرب والري.
إلى جانب ذلك، ساهم النزوح الجماعي والاكتظاظ السكاني في بعض المناطق، وانتشار الألغام ومخلفات الحرب، إضافة إلى غياب الصيانة لشبكات المياه المتهالكة أصلاً، في حدوث أعطال متكررة وتعميق الأزمة.
السيطرة على الموارد المائية في الجولان
مع احتلال هضبة الجولان عام 1967، استولت إسرائيل على عدة مصادر مائية حيوية ودمجتها في شبكتها الوطنية للمياه، ومن أبرزها نهر بانياس، الذي ينبع من الجولان ويعد أحد الروافد الأساسية لنهر الأردن.
كما سيطرت إسرائيل على نهر اليرموك، الذي يشكل جزءاً من الحدود السورية–الأردنية، وعلى بحيرة طبريا (بحر الجليل) التي تعتمد جزئياً على مياه تنبع من الجولان، فضلاً عن استيلائها على العديد من الينابيع والروافد الجبلية المغذية لنهر الأردن.
نتيجة لذلك، حُرمت سوريا من نحو 30% من مواردها المائية السطحية في الجنوب، ما أعاق التخطيط الوطني لشبكات المياه والتوزيع العادل بين المناطق، وزاد الضغط على المياه الجوفية في درعا، كما أصبحت سوريا أكثر اعتماداً على مياه الفرات، ما جعلها أكثر تأثراً بسياسات تركيا المائية.
التغير المناخي وسوء الإدارة
إلى جانب العوامل العسكرية، شهدت سوريا أزمة مناخية حادّة خلال العقد الأخير، إذ ارتفعت درجات الحرارة بشكل كبير، وزادت معدلات التبخّر، فيما انخفضت كميات الأمطار –خصوصاً شتاءً وربيعاً– بنسبة 50–75%، وكان شتاء 2024–2025 الأكثر جفافاً منذ عام 1956.
هذا التدهور المناخي، إلى جانب ضعف إدارة الموارد المائية وغياب السياسات البيئية الفعالة، أدّى إلى جفاف مساحات واسعة من المسطحات المائية، ما أثر سلباً على الإنتاج الزراعي وأضعف القدرة الشرائية لشرائح واسعة من السكان.
أحد أبرز الأمثلة هو شبه الجفاف الكامل لنبع عين الفيجة، المصدر الرئيس لمياه الشرب في دمشق وريفها، وقد حذّرت السلطات من انقطاع المياه عن أكثر من 1.2 مليون مشترك هذا الصيف نتيجة الانخفاض الكبير في تدفّق النبع، بالتزامن مع تراجع الأمطار إلى 30% فقط من متوسطها السنوي، وازدياد غير مسبوق في الطلب، وتعطّل العديد من الآبار الاحتياطية.
في الجنوب، تبدو آثار الاعتماد المفرط على الآبار واضحة بسبب الحرب وتغير المناخ والإهمال الإداري، فبحيرة مزيريب في ريف درعا الغربي جفّت تدريجياً منذ عام 2018، بعد أن كانت تُستخدم للري وتغذية المياه الجوفية وتأمين جزء من مياه الشرب.

تتكرّر الأمثلة المشابهة في عموم المناطق، ما يجبر السكان على شراء المياه بأسعار مرتفعة، فمدينة القامشلي تعاني أزمة حادة منذ أيار الماضي بسبب تعطّل عدد من الآبار نتيجةً لانقطاع الكهرباء، وكذلك يعاني سكان النبك من صعوبات في تأمين مياه الشرب بسبب ضعف الضخّ، كذلك يواجه أهالي مدينة اللطامنة في ريف حماة الشمالي تحديات مماثلة، ما دفع المعهد العالمي للموارد (WRI) إلى تصنيف سوريا عام 2023 ضمن 25 دولة تواجه أكبر التحديات في تحقيق الأمن المائي.
المخاطر والتوصيات
تتجاوز عواقب أزمة المياه في سوريا مجرّد النقص في مياه الشرب، إذ تشمل أيضاً التلوّث وتهديد الصحة العامة، ففي 2022 سُجلت عشرات الوفيات ومئات الإصابات بالكوليرا في الحسكة والرقة ودير الزور، كما تشير تقارير إلى أن سدي الفرات وتشرين عملا في عام 2021 بقدرة منخفضة جداً، ما أدى إلى تراجع إنتاج الكهرباء بنسبة 70% تقريباً، وانخفاض مخزون المياه خلف السدود بنسبة 85%.
بالتوازي مع ذلك، ارتفعت معدلات البطالة الزراعية، وانخفض إنتاج القمح والشعير، وازدادت موجات النزوح الداخلي بسبب الجفاف، وتضرّرت النظم البيئية عبر تملّح التربة والتصحّر وتراجع التنوّع الحيوي.
إزاء ذلك، تبرز الحاجة إلى جهود منسّقة محلياً ودولياً لتطوير حلول فعّالة ومستدامة، وفي هذا السياق أصدرت أصدرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” (STJ) بالتعاون مع منظمة (PAX) الهولندية مطلع نيسان المنصرم سبع توصيات سياسية للحكومة السورية الانتقالية وداعميها الدوليين، اعتُبرت أولويات وطنية لمرحلة التعافي المبكر، وهي: حماية الموارد المائية من العسكرة والأعمال العدائية، دمج البنى التحتية للمياه والصرف الصحي في خطط التعافي وإعادة الإعمار، تحسين إدارة المياه على جميع المستويات الإدارية، تطوير سياسات استخدام مستدامة تراعي التكيف مع تغير المناخ، تنظيف مصادر المياه الملوثة بمخلفات الحرب السامة، ضمان وصول عادل إلى مياه نظيفة لجميع المجتمعات المحلية، وتعزيز التعاون الإقليمي والعابر للحدود في إدارة المياه.
إضافة إلى تلك التوصيات، من الضروري تطوير آليات للتوثيق والمساءلة، ليس فقط لتحقيق العدالة، بل أيضاً لضمان أن تصبح الموارد المائية ركيزة أساسية في أي تسوية سياسية مستقبلية عادلة ومستدامة.
مراجع أكاديمية ومؤسساتية:
- El-Fadel, M., & Maroun, M. (2000). The Middle East water crisis: The conflict and its resolution. Desalination.
- Gvirtzman, H. (2002). Israel water resources. The Truman Institute.
- Kibaroglu, A., & Scheumann, W. (2011). The Euphrates-Tigris River Basin: Political rapprochement and transboundary water cooperation.
- UN-ESCWA, & BGR. (2013). Inventory of shared water resources in Western Asia.
- Zeitoun, M., & Warner, J. (2006). Hydro-hegemony – A framework for analysis of trans-boundary water conflicts. Water Policy.



