رؤى النايف –
حين تتوجّه الأنظار إلى حقول القطن في شمال وشرق سوريا خلال موسم 2026، تتجلّى مفارقة قاسية وموجعة، فخلف الهطولات المطرية والثلجية الوفيرة، التي غسلت التربة وأحيت آمال المزارعين مطلع العام، تختبئ أزمة هيكلية أعمق بكثير من مجرّد تقلّبات الطقس العابرة.
ليست مشكلة القطن (الذهب الأبيض) اليوم في شحّ الهطولات المطرية، بل في كلفة الوصول إلى المياه، وغياب المظلّة الاقتصادية التي تحمي المزارعين من آبارٍ تستنزف جوف الأرض، وتكاليف إنتاج باهظة تبتلع موسم الجهد بأكمله.
مقارنة بموسم 2025 الذي جرّ خلفه ذيل الجفاف وتراجع الأمطار الحادّ، بدا موسم 2026 وكأنّ الطبيعة فتحت خزائنها لتعويض الأرض وإرواء ظمأ السهول، لكنّ القطن، هذا النبات الشره للماء والاحتياج الدقيق، لا يكتفي بأمطار الشتاء مهما بلغت غزارتها أو توقيتها، ومع غياب تغذية كهربائية منتظمة تمدّ الجوف بنبض الحياة، وجد المزارعون أنفسهم رهينة للآبار الارتوازية ومضخّات الوقود التي تلتهم الموارد المالية.
المعادلة المعاكسة والصعبة
كلّ سقاية صيفية تحوّلت إلى فاتورة جديدة تثقل الكاهل، ووقود مرتفع الثمن، وأجور عمال ونقل، وصيانة مضخّات، لتتراكم الأعباء فوق ظهر المزارع، حتى قبل أن يبلغ محصوله أبواب السوق أو تجفّ ندى سُقياه.
في ريف الرقة، يقف المزارع أبو أحمد، البالغ من العمر 55 عاماً، في أرضه متأمّلاً محصوله. يقول بحرقة إنّ الموسم بدأ في ظروف مناخية جيّدة بفضل الهطولات المطرية، لكن القطن بقي رهناً للرّي المُنتظَم من الآبار الارتوازية في ظلّ انقطاع الكهرباء وارتفاع تكلفة المحروقات.
يوضّح أبو أحمد أنّ مع كلّ عملية ري ترتفع كلفة الإنتاج وتتراكم الديون، ليجد المزارع نفسه أمام خيارين مرّين؛ “إما تقليل الري وتحمّل خطر تراجع الإنفاق، أو زيادة الإنفاق على المياه والدخول في مزيد من الديون من دون ضمان بيع المحصول بالسعر الذي يغطّي التكاليف”.

أزمة التسويق
تتكرّر المأساة بصورة مشابهة في قرية الكيطة بريف القامشلي. المزارع محمد الحسين يؤكّد أن تحسّن الهطولات المطرية لم يلغِ حاجة القطن الملحّة للري في مراحل النمو الحرجة، ويشير إلى أنّ ارتفاع تكاليف المحروقات والنقل وغياب الدعم جعل الإنتاج عبئاً ثقيلاً، مضيفاً أنّ “المزارع قد يُضطر مُكرَهاً إلى طرح محصوله في السوق الحرّة لتسديد أجور العمّال والمستلزمات، حتى عندما يكون السعر متدنيّاً ولا يتناسب أبداً مع حجم الجهد والإنفاق طوال الموسم”.
وبين السعر المقترَح حكومياً للدعم بنحو 85 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام الواحد، وتذبذب السعر في السوق الحرّة بين 0.75 و0.85 دولاراً، يقف المنتجون عاجزين عن تقدير جدوى تعبهم قبل أن يبدأ قطاف الزرع، لتضيع أتعاب أشهر طويلة في مهبّ الريح.
في محافظة الحسكة، تقلّصت المساحات المزروعة بالفعل إلى نحو 11,898 هكتاراً بإنتاج إجمالي قارب 45 ألف طن. هذه الأرقام تبيّن خطورة الانكماش، فالأمر لا يتعلّق بمساحة انحسرت فحسب، بل بانهيار مستمرّ في حلقة اقتصادية كاملة تصل بين العمالة الريفية والتجارة والصناعات المحلية المرتبطة بالموسم الزراعي.
كيمياء الحقل
لا تتوقّف تداعيات الأزمة عند دخل المزارع وميزانيته العائلية، بل تمتدّ لتفتك بالبيئة الزراعية بصمت وبطء. هنا يلفت المهندس الزراعي سامر العلي إلى أنّ “الاعتماد المكثّف على المياه الجوفية يعرّض الخزّانات لاستنزاف خطير يهدّد بتراجع المناسيب ونشر الملوحة، لا سيّما في الأراضي التي تفتقر لشبكات صرف سليمة تراكم الأملاح القاتلة تحت جذور النباتات”.
يضاف إلى ذلك “لجوء المزارعين إلى استخدام الأسمدة والمبيدات بشكل مكثّف وغير منظّم لمواجهة الآفات، وهو ما يخلّ بالتوازن البيئي الدقيق داخل الحقول، ويحوّل التربة تدريجياً من شريك معطاء إلى بيئة مُستنزَفة تفقد خصوبتها ونقاءها موسماً بعد الآخر، ما يهدّد ديمومة الإنتاج المستقبلي برمّته”.
يختم العلي حديثه بأنّ “أزمة القطن في شمال وشرق سوريا لم تعد مرتبطة بغيوم الشتاء وحدها، بل بتحوّل جوهري في بنية الزراعة وأزمات التسويق”.
بناءً على ذلك، فإنّ إنقاذ “الذهب الأبيض” لا يكمن في انتظار موسم مطري جديد فحسب، بل في بناء منظومة متكاملة تضبط أسعار المستلزمات، وتحمي المياه الجوفية من الاستنزاف الجائر، وتضمن تسويقاً عادلاً يقي المزارع مرارة الخسارة وضياع التعب.
أما إذا استمرّ الحال على ما هو عليه، فلن يختفي المحصول بضربة واحدة مفاجئة، بل سيتراجع ببطء مع كل بئر تجفّ مياهه، وكلّ حقل يقلّصه صاحبه مرغَماً، لتفقد الأرض روحها الزراعية تدريجياً وتترك المزارع وحيداً في مواجهة العطش والخسارة.



