رؤى النايف –
“نقف اليوم على أعتاب موسم زراعي جديد وأيدينا فارغة تماماً، سلّمنا محصول القمح كاملاً في الموسم الماضي إلى المراكز الرسمية، ولم نستلم حتى اللحظة سوى ربع قيمته فقط.. كيف يريدون منا أن نحرث الأرض ونشتري البذار والسماد ونحن غارقون في الديون حتى آذاننا؟”
بهذه الكلمات الممزوجة بالحرقة والأسى يشرح لمجلة لحلاح أبو محمد، وهو مزارع من قرية الحديدية بريف الحسكة، الشلل التام الذي أصاب أرضه مع انطلاق عمليات التجهيز لموسم القمح الجديد، ويختصر حال الآلاف من مزارعي المحافظة، الذين يجدون أنفسهم اليوم مكبّلي الأيدي، عاجزين عن بدء خطوة واحدة نحو حراثة أراضيهم أو بذارها، وذلك بعد أن تحوّلت مستحقّاتهم المالية عن الموسم المنصرم إلى مجرّد أرقام، لا تسدّ رمقاً، ولا تشتري لتراً واحد من المازوت.
مستحقّات مُعلَّقة
تتفاقم الأزمة المعيشية والزراعية في “سلّة سوريا الغذائية” مع استمرار احتجاز وصرف المستحقّات المالية للمحاصيل الاستراتيجية بشكل شحيح وبطيء، ورغم الوعود الرسمية المتكرِّرة بإتمام تسديد أثمان القمح والشعير للجهود التي بذلها المزارعون طوال عام كامل، إلا أن الواقع يُظهر أن الغالبية العظمى من المزارعين لم يتسلّموا سوى نحو 25% فقط من إجمالي قيمة فواتيرهم المُعتمَدة.
هذا التأخير تسبّب في تجفيف السيولة النقدية في أيدي المزارعين، الذين يعتمدون كلياً على أرباح محاصيلهم السابقة لتمويل وتغطية مصاريف التأسيس للموسم الجديد. ومع حبس الـ 75% المتبقية من حقوقهم، بات المزارع عاجزاً عن تسديد ديون التوتريات والكتّان وتجار البذار، ناهيك عن العجز التام عن دفع أجور الجرّارات والآليات الثقيلة المخصّصة للفلاحة والحراثة الأولى، ما يجعل انطلاقة موسم القمح الجديد مفخخة بالصعوبات ومعرّضة للفشل قبل أن تبدأ.
غياب الدعم والمحروقات
لا تتوقّف المعاناة عند احتجاز أموال المزارعين، بل تتعدّاها إلى الغياب التام للدعم الزراعي الحكومي والمؤسّساتي، وفي مقدّمته مادة المازوت المخصّصة للفلاحة والرّي، ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه تقديم حصص مدعومة للمزارعين بسعر تشجيعي مع بداية فصل الخريف، جرى حرمان الزراعة من أي توزيع مجدٍ، ليُترك المزارعون في مواجهة غول السوق السوداء بأسعار محروقات حلقّت بعيداً عن متناولهم، حيث يتجاوز سعر الليتر الواحد آلاف الليرات بدون أيّ رقابة.
من ريف ديرك (المالكية) في أقصى شمال شرقي الحسكة، يضمّ المزارع سليمان الحسين صوته إلى صرخات زملائه، موضحاً التداعيات الكارثية لغياب الوقود والسيولة النقدية: “الزراعة في مناطقنا حاسمة وتعتمد على المحروقات خطوة بخطوة، من حراثة الأرض وتفكيك التربة، وصولاً إلى تشغيل مضخّات السقي في المساحات المروية. اليوم، المحروقات الزراعية المخصصة والمدعومة غائبة كلياً، والمازوت المتوفّر في الأسواق الحرّة ارتفعت أسعاره لدرجة أنّ حراثة هكتار واحد أصبحت تتطلّب ميزانية تعادل دخل عائلة لأشهر”.
يضيف سليمان متسائلاً: “كيف يمكننا الشراء والتأمين ونحن لم نستلم سوى 25% من فواتيرنا؟ التجار والمؤسّسات يرفضون إعطاءنا البذار والأسمدة بالدين هذا العام لأن ديون الموسم الماضي ما زالت معلّقة في ذمم المزارعين. نحن أمام انكسار حقيقي للقطاع، وإذا لم يُفرَج عن المستحقات فوراً ولم يتم توفير المازوت الزراعي بسعر مدعوم، فإن مئات الآلاف من الهكتارات ستتحوّل إلى بور قاحلة هذا العام”.

توقّعات متقلّبة
في الوقت الذي تتراكم فيه الضغوط الاقتصادية على كاهل المزارعين تزداد التعقيدات الفنية والمناخية للحدّ الذي يجعل هذا الموسم المتبوع بالديون محفوفاً بالخطر من كافّة جوانبه.
في هذا السياق، وتأكيداً على حرج الموقف الزراعي، يرى المهندس الزراعي عمار النعمان، من دائرة زراعة القحطانية، في حديث خاص لمجلة لحلاح أن الموسم الزراعي الجديد (2026-2027) يحمل طبيعة متقلّبة فرضتها التغيّرات المناخية الإقليمية، منوّهاً إلى أن “التوقعات تشير إلى هطولات مطرية قد تكون غير منتظمة في توقيتها وتوزيعها الجغرافي”، ويضيف: “تُعتبر القحطانية شرياناً رئيسياً للإنتاج الزراعي وسلة غذاء حقيقية للمنطقة، ولهذا فإن أيّ تغيّر في النمط المطري ينعكس مباشرة على حقولنا ومواسمنا، ما يضعنا أمام سيناريوهين يحملان فرصاً حقيقية ومخاطر لا بدّ من التحسّب لها”.
الجانب الإيجابي هو أن هطول الأمطار في أوقاتها المناسبة وبكميات متوازنة يمنح التربة الرطوبة الكافية لإنبات بذور القمح والشعير بقوة وسرعة، وهو ما يخفف عن المزارع تكاليف الرّي المبكر بالمازوت والمحرّكات. كما أن هذه الأمطار تُعيد الروح للمراعي الطبيعية وتنعش مخزون المياه الجوفية والآبار التي تم الاعتماد عليها لسنوات.
“أما الجانب المظلم الذي نخشاه، فيتمثّل في سيناريو الهطولات الغزيرة المفاجئة التي قد تغرق الأراضي المنخفضة وتسبّب انجرافاً للتربة والبذور، أو تخلق رطوبة عالية تشجع على ظهور الأمراض الفطرية كالصدأ الأصفر”، يوضح النعمان، ويضيف: “كما أن الخوف الأكبر يكمن في حدوث انحباس مطري مفاجئ خلال فصل الربيع، وتحديداً في مرحلة طرد السنابل وامتلائها، وهي المرحلة الحرجة التي تحدد وزن المحصول ووفرته”.
يتوّجه النعمان بنصيحة للمزارعين على الرغم من كل الصعوبات السابقة: “لا تتسرّعوا في الزراعة قبل التأكّد من جاهزية التربة ورطوبتها، واحرصوا على اختيار البذور المغربلة والمعاملة بالمعقّمات الفطرية، وضِعوا في حساباتكم دائماً تجهيز آبار الرّي التكميلي لتكون السند للمحصول في حال انحبس المطر في أواخر الموسم”.
سلة الخبز في خطر
تضافر عاملَي تأخير صرف الفواتير وغياب دعم المحروقات يشكّل تهديداً مباشراً لإنتاج القمح في محافظة الحسكة، التي تُعدّ الخزان الرئيسي للغذاء وأمن الخبز في البلاد، كما أنّ تقليص المساحات المزروعة بالقمح هذا العام لن يضرّ بالمزارع وحده، بل سيمتدّ ليعصف بالدورة الاقتصادية الكاملة في المنطقة، مسقطاً أصحاب الحصادات، والجرارات، والعمال المياومين، وتجّار المستلزمات، في دائرة البطالة والركود.
هذه الصورة القاتمة والمطالب الملحّة يمكن نقلها في كلمات تختزل صرخة الشارع الزراعي في الحسكة على لسان المزارع أبو محمد، الذي ختم حديثه بالقول: “القمح ليس مجرّد زرع نضعه في الأرض لنكسب منه رزقنا، القمح هو أمن البلد وخبز أطفالنا وشرف أراضينا، نحن لا نطلب مكرمة ولا معونة من أحد، بل نطالب بحقّنا وعرق جبيننا، أفرجوا عن فواتيرنا المحتجزَة ووفّروا لنا مازوت الحراثة بسعر عادل، حتى نتمكّن من زرع أرضنا قبل أن يفوت الأوان وتتحوّل سلة غذاء البلاد إلى أرض جافّة لا تنبت إلا الفقر والندم”.



