بذور وأفلام وحكاية البذور المحلية في سوريا

ليدا زيدان –

قبل سنوات كان المزارعون السوريون يتناقلون من جيل إلى آخر أساليب حفظ البذور واختبارها. لم يكن هؤلاء على دراية بالتنوّع الوراثي وقدرة البذور على التكيّف مع التغيّرات المناخية، إلا أنهم كانوا ينجحون في انتقاء أفضلها في كلّ موسم.

كانت العملية تبدأ من وصول الحصاد إلى البيادر، وتمتدّ لأيّام على وقع أغانٍ محلية في كلّ منطقة. يحدث ذلك على عدّة مراحل؛ تبدأ بما يُسمى “الدرس” ومن ثم “التذرية”، تلي ذلك مرحلة ” القطافة” أو اختيار البذور، وفي هذه المرحلة كان المزارع يختار البذرة الأكبر حجماً، إذ كان ذلك يُعتبر مقياساً لصحّتها ومقاومتها للأمراض. بعد ذلك كان البذار يُخزّن في أماكن خاصة مصنوعة من الطين والتبن وبقايا الحيوانات لمقاومة الرطوبة والعفن وحفظه لسنوات.

في بدايات القرن العشرين اختفت ملامح الزراعة التقلدية وأساليبها، وظهر ما يُسمى بالزراعة الحديثة، والتي تعتمد بشكل أساسي على محسِّنات وأسمدة كيماوية لزيادة الإنتاج، ما خلق بذوراً هجينة.

الآن، وبعد سنوات من اعتماد الزراعة الحديثة، تبرز حركات في مناطق مختلفة تشجّع على العودة للزراعة العضوية باعتبارها زراعة مستدامة وقادرة على الحفاظ على مستقبل الزراعة وحماية التربة، فهل من الممكن التخلّي عن ممارسات الزراعة الحديثة والعودة إلى الزراعة التقليدية، أم أنّه يمكننا الجمع بين الأسلوبين للحصول على زراعة أفضل؟

في نهايات القرن التاسع عشر بدأ الإنتاج الزراعي بالتراجع في العالم لأسباب مختلفة، منها ما يتعلّق بالتربة وخصوبتها، وأخرى ترتبط بزيادة السكان والحاجة إلى مضاعفة الإنتاج، وبعد محاولات لخلق الحلول انتشرت الأسمدة النتروجينية إثر عملية هابر–بوش التي تمّ تطويرها بداية القرن العشرين. جاء ذلك بعد قيام الكيميائي الألماني فريتز هابر بتطوير طريقة لصناعة الأمونيا من النيتروجين الموجود في الهواء والهيدروجين، وفيما بعد طوّر كارل بوش الطريقة لتصبح قابلة للتصنيع، ومن ثم بدأ إنتاج كميات كبيرة من الأمونيا تضمّنت اليوريا ونترات الأمونيوم وأنواع مختلفة من الأسمدة النيتروجينية.

هذا التحوّل تسبّب في ظهور ما بات يُعرف بالزراعة الحديثة، والتي تعتمد بشكل أساسي على الأسمدة الكيماوية، فيما بدأت الزراعة التقليدية بالتراجع في مختلف أنحاء العالم، وعلى الرغم من كثافة الإنتاج، إلا أن السماد الكيماوي لم يكن الحلّ الأمثل للزراعة، إذ بدأت تظهر نتائجه السلبية على الأرض والتربة بعد سنوات من استخدامه، وهذا أدّى لظهور حركات معاكسة دعت للعودة للزراعة العضوية واعتمادها لحماية التربة، منها حركة الزراعة العضوية في بريطانيا، وتلتها حركات مماثلة في دول أوروبية أخرى، كان هدفها توضيح الآثار السلبية للزراعة الحديثة وسلبية الاعتماد على الأسمدة وزيادة الاهتمام بالزراعة العضوية.

في سوريا، وبعد سنوات الحرب الطويلة بدأت حركات مماثلة بالظهور، منها ما يدعو للحفاظ على البذور المحلية واعتماد الزراعة العضوية دون استخدام الأسمدة، ورغم قلّة انتشارها إلا أن هذه المبادرات بدأت تحقّق بعض النتائج على الأرض، وإن كان بنسب قليلة.

في مشهد مختلف، وعلى وقع الموسيقا الحديثة والأفلام، جرى تبادل وتوزيع البذور المحلية في الحديقة البيئية ضمن مبادرة “بذور وأفلام” والتي اختتمت فعّاليّتها يوم الأحد الفائت في مدينة جرمانا بريف دمشق. المبادرة كانت قد قامت بجولة على عدة مناطق في سوريا محمّلة بالبذور لتوزيعها على المشاركين، وبأفلام تُعرض على الشاشات في محاولة لخلق وعي بأهمية هذه البذور وضرورة الحفاظ عليها. 

أحد أعضاء المبادرة، صياح الأزوق، تحدّث لمجلة لحلاح عن هذه الفعّالية، لافتاً إلى أنّها “يقول “المبادرة هي “إحدى نشاطات مزرعة بذورنا جذورنا، التي تأسّست في لبنان، وهي  تعتمد على الزراعة البيئية وحفظ البذور بشكل أساسي”.

بدأ العمل على إنشاء مزرعة “بذورنا جذورنا” بعد التعرّف على مجموعة من الناشطين الفرنسيين في ديرتعنايل في لينان عام 2015، حيث بدأت المبادرة بأخذ قطعة أرض صغيرة من مؤسسة ديرتعنايل تبلغ مساحتها 2000 متر مربع، وقام مجموعة من الشباب السوريين واللبنانيين بجمع البذور، يوضح الأزوق: “كنّا نجمع البذور من معارفنا ومن الأصدقاء، وفي عام 2017 بدأنا العمل في (سعدنايل) وكانت كميّات البذور تكثر، وبدأنا بزراعة الأرض”.

يعتبر الأزوق أنّ هناك اهتمام واضح بهذه الزراعة: “يوجد أشخاص يجلبون لنا البذور ونجرّبها. لدينا الآن بذور من سوريا ولبنان وفلسطين والعراق. في البداية كانت الكميّات قليلة جداً، أحياناً 2 غرام، لكن الآن أصبح لدينا منها عشرات الكيلوغرامات”. 

ما يميّز هذه المزرعة أنّها تضم بذوراً متنوّعة من عدّة بلدان عربية ومن فرنسا وأيّ بلد يمكن الوصول إليه. ” لدينا تعاون وتعامل مع عدد كبير من المؤسّسات، وهناك طلب على هذه البذور، كما أننا نقوم بتوزيع البذور بدون مقابل بهدف التنمية وزيادة الوعي في المجتمع، ويترافق ذلك بعرض أفلام خاصّة بنا”، يضيف الأزوق، الذي يعمل بشكل أساسي في تطعيم وتقليم الشجر إلى جانب عمله في الزراعة، ويعتبر أنّ الهدف الأساسي من العمل في الزراعة البيئية هو “توفير التكاليف على المواطنين”، حيث يمكن لأيّ فرد أن يزرع بجانب بيته بذوراً محلية دون تكاليف سماد أو نقل وغيرها. 

تتمثّل فكرة مبادرة “بذور وأفلام” في توزيع البذور وعرض أفلام توعوية بأهمية البذور المحلية والزراعة العضوية. بدأت الجولة من داريا إلى درعا، ومن ثم طرطوس ودريكيش، وانتقلت إلى سلحب وإدلب، وإلى ريف حماة وريف حلب، وسلمية والرقة والقامشلي وعامودا، ومن ثم عادت أخيراً في جرمانا.

أما عن النتائج التي وصلت إليها مزرعة “جذورنا بذورنا” حتى الآن، يقول: “بالنسبة للقمح كان يأتينا كيلو ونصف الكيلو من البذور، أما الآن فأصبح لدينا كميّات هائلة ومساحات الأرض بدأت تزداد. كنا نزرع عشرين دونم قمح متنوّع، كلّ نوع نصف دونم، والآن نزرع 300 دونم قمح، ويبقى لدينا أنواع لا يمكننا زراعتها بسبب عدم توفّر المساحة”، كما يشير إلى توفّر أنواع مختلفة من البذور في المزرعة، تصل إلى سبعين نوعاً من بذور القمح والخضار والبقوليات، بالإضافة للشعير، وعشرين نوعاً من بذور البندورة. 

المبادرة التي شهدتها الحديقة البيئية في جرمانا جرت بالشراكة بين “بذور وأفلام” وجمعية روّاد البيئة. رئيس الجمعية، ماجد سلوم، أكّد لمجلة لحلاح على أهمية مثل هذه المبادرات للمجتمع المحلي. يقول: “شعرنا أنّ هذا الموضوع يمسّنا بيئياً على الأقلّ. موضوع توطين البذور البيئية مسألة مهمّة لأننا رأينا مسارات البذور المهجَّنة وغيرها وتأثيرها على الصحّة والبيئة”.

بحسب سلوم، قامت الجمعية بعدّة تجارب بيئية وزراعية، منها مشروع “جنينة الشيخ صالح”، الذي تضمّن إعادة توطين المشمش الكلابي وزراعة مجموعة من الأشجار، بالإضافة لزراعة الجوز البلدي، وهو من الأشجار المعمّرة وابنة البيئة في جرمانا. يضيف موضحاً: “في هذه المبادرة قمنا بتبادل بذور المشمش والجوز، وتمّ توزيعها على الضيوف والمشاركين. المبادرة مميّزة، وخاصة لاحتوائها على جزء ثقافي وتوعوي، وهذا جزء من هدفنا في توظيف الحديقة اجتماعياً وبيئياً”.

يرى سلوم أنّ الجانب التوعوي جزء هام من العمل البيئي، ومن الضروري الربط بينهما، إذ لا يمكن القيام به بشكل منفصل، ويردف: “نحن نحاول الربط بين العمل الميداني والتوعية، نقوم بحملات تشجير تتخلّلها حملة توعوية، أو مسير للتحدّث عن التلوّث والزراعة والتصحّر، وكلّ موضوع يرافقه نشاط بالتشارك مع المجتمع المحلي، وهذا ساعدنا في بناء علاقة مع المجتمع المحلي”.

إحدى السيدات المشاركات في الفعّالية (طلبت عدم ذكر اسمها) قالت للحلاح إنّ الحالة التي خلقتها المبادرة بداخلها مختلفة، “تمنّيت لو أنني أملك هنا أرضاً لأزرعها، لكن مشهد البذور تنتقل بين أيدي الحاضرين كان جميلاً، شعرت بضرورة التفكير بالأرض والطبيعة بطريقة مختلفة”. 

من جهته اعتبر عضو المكتب التنفيذي في بلدية جرمانا وعضو لجنة العمل الأهلي في المدينة، سالم المغربي، أنّ هذه المبادرات مهمّة “فهي توضّح الوجه المدني للمدينة والتنوّع فيها، ومن الضروري تبادل البذور بين المناطق السورية المختلفة، ومثل هذه المبادرات لها تأثير اجتماعي كبير للتقريب بين أبناء المناطق المختلفة”.

أما بالنسبة لتأثير المواضيع البيئية والزراعية على المجتمع المحلي في المدينة، قال المغربي إنّ المشاركة “جيّدة رغم أن فترة الدعوة كانت قصيرة، وهذا يدلّ على اهتمام الناس، فجرمانا بالأصل كانت منطقة زراعية، ولكن المساحات الخضراء بدأت بالاختفاء”، لافتاً إلى وجود مشاريع مستقبلية “لإعادة إحياء الزراعة مخصّصة للنفع العام”.

لم يعد الحديث عن البذور المحلية حديثاً عابراً في سوريا، إذ بدأ المزارعون يبدون اهتماماً أكبر بكيفيّة الحصول عليها والعمل بالزراعة العضوية في مناطق مختلفة، وعلى الرغم من أن الزراعة الحديثة استطاعت تحقيق كميّات كبيرة من الإنتاج، لكن اعتمادها على مواد خارجية جعلها عبئاً على التربة والمزارعين. لا يمكننا القول إن الزراعة الحديثة أخفقتت ولم تحقّق نجاحاً، لكنّ التغيّرات المناخية وسنوات الحرب الطويلة خلقت وعياً بأهمّية البذور المحلية وقدرتها على التكيّف وتقليل تكاليف الإنتاج، بما يسمح للمجتمعات الزراعية بأن تلجأ للأساليب الأكثر أمناً واستدامة.

Scroll to Top