بشار يوسف –
خلال الأسبوع الأخير من شهر أيّار الفائت شهد غرب أوروبا واحدة من أشدّ موجات الحرّ المبكرة المسجلة في هذه الفترة، حيث تجاوزت درجات الحرارة 35 درجة مئوية في المملكة المتحدة واقتربت من 39 درجة مئوية في فرنسا، وبينما يبدو الحدث للوهلة الأولى ظاهرة جوية استثنائية، فإن تقارير المناخ الدولية تشير إلى أنّ ذلك قد يكون مجرّد لمحة عن المستقبل القريب الذي ينتظر العالم.
في الوقت ذاته، حذّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) في تقريرها السنوي الجديد من أنّ درجات الحرارة العالمية ستبقى عند مستويات قياسية أو قريبة منها خلال الفترة بين عامي 2026 و2030، كذلك توقّعت المنظمة باحتمال يبلغ 86% أن يشهد العالم عاماً أكثر حرارة من عام 2024، وباحتمال 91% أن يتم تجاوز مستوى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية خلال سنة واحدة على الأقل في السنوات الخمس المقبلة.
مؤشر خطير
يرى علماء المناخ أن موجة الحرّ التي ضربت دول أوروبا الغربية ليست حادثة معزولة، بل تمثّل نموذجاً مبكراً لما يمكن أن يصبح “الوضع الطبيعي الجديد”. خبراء المناخ أوضحوا أن القبّة الحرارية التي تشكّلت فوق غرب أوروبا أدّت إلى ارتفاع درجات الحرارة بما يتراوح بين 10 و15 درجة مئوية فوق المعدلات المعتادة، وهو حدث وصفه بعض الباحثين بأنه كان شبه مستحيل الحدوث في مناخ القرن الماضي.
من جانبها تؤكّد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أنّ كلّ جزء إضافي من درجة الاحترار العالمي يزيد من احتمالات موجات الحرّ والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات وارتفاع مستوى البحار.
وفق آخر تحديث من المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بالتعاون مع هيئة الأرصاد البريطانية، من المتوقّع أن تتراوح الزيادة السنوية في متوسط حرارة الأرض بين 1.3 و1.9 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية خلال الفترة 2026-2030. كما أصبح من المرجح بنسبة 75% أن يتجاوز متوسط الاحترار العالمي خلال السنوات الخمس المقبلة مستوى 1.5 درجة مئوية.
رغم أنّ تجاوز هذا الحدّ خلال سنة أو عدّة سنوات لا يعني رسمياً فشل اتفاق باريس للمناخ الذي يعتمد على متوسطات طويلة الأمد، إلا أنّ العلماء يرون أن تكرار تجاوز هذه العتبة يمثّل مؤشراً خطيراً على اقتراب العالم من مرحلة مناخية أكثر اضطراباً.
كما تشير التوقّعات إلى استمرار الاحترار الشديد في المناطق القطبية بمعدلات تفوق المتوسط العالمي بأكثر من ثلاثة أضعاف، وهو ما قد يؤدّي إلى تغييرات واسعة في أنماط الطقس العالمية، بما في ذلك منطقة البحر المتوسط.
ارتفاع متسارع في حرارة البحر المتوسط
تُعدّ منطقة غرب المتوسط إحدى البؤر العالمية الساخنة للتغيّر المناخي. وتشير التقارير الأوروبية والأممية إلى أن البحر المتوسط يسجل ارتفاعاً متسارعاً في درجات حرارة المياه والهواء، مع زيادة واضحة في تواتر وشدة موجات الحر البحرية والبرية.
الآثار المتوقّعة لذلك تشمل زيادة عدد أيّام الحرّ الشديد كلّ صيف، وارتفاع مخاطر حرائق الغابات، وتراجع الموارد المائية بسبب زيادة التبخّر، بالإضافة إلى انخفاض إنتاجية بعض المحاصيل الزراعية التقليدية و تزايد الضغوط على المدن الساحلية والبنية التحتية الصحية.
كذلك الأمر بالنسبة لسوريا، التي تقع ضمن إحدى أكثر المناطق تعرّضاً للمخاطر المناخية في شرق المتوسط، إذ تعاني خلال السنوات الأخيرة من موجات جفاف طويلة الأمد وتراجع في الموارد المائية، وتشير دراسات حديثة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في سوريا سيؤدي إلى زيادة شدّة موجات الحرّ ومدّتها، وارتفاع معدّلات التبخّر وفقدان المياه السطحية، إلى جانب تراجع الهطولات المطرية الشتوية في أجزاء واسعة من البلاد، ما يعني مزيداً من الضغوط على الأمن الغذائي نتيجةً لزيادة التصحّر وتدهور الأراضي الزراعية.
هنا لا بدّ من التذكير بأنّ سوريا تواجه تحديّاً مزدوجاً يتمثّل في التغيّر المناخي من جهة، وتبعات سنوات الحرب الطويلة على البنية التحتية المائية والزراعية من جهة أخرى، ما يجعل قدرتها على التكيّف أكثر محدودية مقارنة بالعديد من دول المنطقة.



