فريق لحلاح –
منذ بداية النزاع السوري، لم تقتصر آثار الحرب على المواجهات العسكرية المباشرة، بل امتدّت لتشمل البنية التحتية المدنية الأساسية، وعلى رأسها المياه. تكشف تحقيقات الأرشيف السوري وموقع تأكد أنّ المياه لم تعد مجرّد مورد طبيعي حيوي، بل تحوّلت في العديد من المناطق إلى وسيلة ضغط سياسي وعسكري، وأداة للسيطرة على السكان المحليين. توثّق التحقيقات أنّ أطرافاً متعدّدة في النزاع استخدمت التحكّم بإمدادات المياه لتحقيق مكاسب ميدانية أو فرض واقع سياسي جديد.
اعتمدت التحقيقات على منهجية التحقّق المفتوح المصدر التي يستخدمها الأرشيف السوري، وتشمل تحليل الصور ومقاطع الفيديو، ومطابقة الشهادات الميدانية، والتحقّق من المواقع الجغرافية وتوقيت الأحداث. ووفقاً لهذه المنهجية، جرى توثيق حوادث استهداف منشآت مائية أو تعطيلها في أكثر من منطقة سورية، مع تحليل آثار ذلك على السكان المدنيين.
المياه سلاح حرب
تشير التحقيقات إلى أنّ السيطرة على محطّات ضخّ المياه ومرافقها شكّلت وسيلة ضغط مباشرة خلال مراحل مختلفة من النزاع. ففي مناطق خضعت لتبدّل السيطرة العسكرية، أصبحت خدمات المياه مرتبطة بالوضع الأمني والعسكري أكثر من ارتباطها بالحاجة الإنسانية. أدّى ذلك إلى انقطاع المياه عن آلاف المدنيين، أو تقنين وصولها لفترات طويلة، ما أجبر السكان على الاعتماد على مصادر بديلة أقلّ أماناً.
وثّقت التحقيقات أنّ حرمان المدنيين من المياه لم يكن دائماً نتيجة أضرار جانبية للعمليات العسكرية، بل ظهر في بعض الحالات كإجراء مرتبط بالتفاوض أو الضغط لتحقيق مكاسب سياسية أو ميدانية. هذا الاستخدام جعل المياه تتحوّل من حقّ أساسيّ إلى أداة يمكن توظيفها لإخضاع المجتمعات المحلية.

في التحقيق المعنون بـ “المياه ورقة ضغط وسلاح حرب خلال سنوات الصراع في سوريا”، يوثّق الأرشيف السوري وموقع تأكد كيف أدّى استهداف منشآت المياه أو تعطيلها إلى خلق أزمات إنسانية واسعة. شملت هذه الحوادث محطات ضخّ، ومنشآت معالجة، وشبكات توزيع رئيسية يعتمد عليها السكان المدنيون.
يُظهر التحقيق أنّ الأثر لم يكن مقتصراً على فقدان مياه الشرب فقط، بل امتدّ إلى الصحّة العامّة والنظافة والزراعة والخدمات الأساسية الأخرى. انقطاع المياه أدّى في بعض المناطق إلى ارتفاع مخاطر الأمراض المرتبطة بالتلوّث ونقص خدمات الصرف الصحي، إضافة إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على الأسر التي اضطرت لشراء المياه من مصادر خاصّة.
كما يشير إلى أنّ مدينة حلب كانت واحدة من أبرز الأمثلة على استخدام المياه كأداة حرب، حيث أدّى تعطيل محطّات الضخّ خلال المعارك إلى حرمان مئات آلاف المدنيين من المياه لفترات متكرّرة. كما سُجّلت حوادث مشابهة في دمشق ومناطق أخرى، حيث أصبحت البنية التحتية المائية جزءاً من ميزان القوى على الأرض. وتؤكّد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنّ المياه استُخدمت مراراً في سوريا كوسيلة ضغط بين الأطراف المتحاربة، ما تسبّب بأزمات إنسانية واسعة.
لم يقتصر تأثير هذه الممارسات على نقص المياه فقط، بل امتدّ إلى الصحّة العامة والأمن الغذائي. فمع تعطّل شبكات المياه، اضطرت عائلات كثيرة إلى اللجوء إلى مصادر غير آمنة أو شراء المياه بأسعار مرتفعة، في وقت كانت فيه الظروف الاقتصادية والمعيشية تتدهور بشكل مستمرّ.

دراسة حالة: جنوب سورياّ
ركّزت إحدى الدراسات الميدانية على جنوب سوريا، حيث حلّل فريق التحقيقات تأثير الهجمات أو الانقطاعات المرتبطة بالبنية التحتية المائية على السكان المحليين. أظهرت الدراسة أن المجتمعات في الجنوب واجهت تحدّيات مضاعفة بسبب الجمع بين النزوح، وضعف الخدمات، واستهداف المنشآت الحيوية.
تشير البيانات المستخدمة في الدراسة إلى أنّ تراجع الوصول إلى المياه النظيفة أثّر بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، بما في ذلك استخدام المياه للشرب والطهي والنظافة الشخصية والزراعة. كما أدّى تضرّر الشبكات إلى اعتماد كثير من السكان على حلول مؤقّتة وغير مستقرّة.

يذكر التحقيق كيف أصبحت مصادر المياه في الجنوب السوري جزءاً من التداعيات المباشرة للتطوّرات العسكرية في المنطقة، خصوصاً مع التوغّل الإسرائيلي في المناطق الحدودية جنوب البلاد. بحسب التحقيق، ركّزت القوات الإسرائيلية خلال عمليّاتها وتحرّكاتها العسكرية في الجنوب السوريّ على مناطق استراتيجية قريبة من المرتفعات الحدودية والقرى المحاذية للجولان المحتلّ. وتشير المادة التوثيقية إلى أنّ هذا التوسّع العسكري لم يكن مرتبطاً فقط بالاعتبارات الأمنية، بل امتدّ تأثيره إلى الموارد الطبيعية والبنية التحتية المدنية، وفي مقدّمتها مصادر المياه التي يعتمد عليها السكان المحليون في حياتهم اليومية والزراعة.
كما أنّ عدداً من القرى في ريف القنيطرة ودرعا تأثّرت بشكل مباشر نتيجة وجود القوات الإسرائيلية وتحرّكاتها داخل مناطق قريبة من الينابيع ومحطّات الضخّ وشبكات التوزيع. هذا الوجود العسكري قيّد وصول بعض السكان إلى مصادر المياه التقليدية، كما خلق حالة من عدم الاستقرار دفعت كثيراً من الأهالي إلى تغيير طرق الوصول إلى المياه أو الاعتماد على بدائل أكثر كلفة وأقلّ استقراراً.
كما وثّق التحقيق أنّ السيطرة على المناطق المرتفعة والقريبة من الموارد المائية منحت القوات الإسرائيلية نفوذاً عملياً على نقاط حيوية في الجنوب، ما انعكس على النشاط الزراعي الذي يعتمد بشكل أساسي على المياه الجوفية والينابيع المحلية. بالنسبة للعديد من العائلات في المنطقة، لم تعد أزمة المياه مرتبطة فقط بتضرّر البنية التحتية بسبب الحرب، بل أيضاً بالواقع العسكري الجديد الناتج عن التوغّل الإسرائيلي.
الآثار الإنسانية طويلة المدى
أدّى استخدام المياه كسلاح في النزاع السوري إلى آثار إنسانية تجاوزت فترات القتال المباشر، وامتدّت لتشكل أزمات طويلة الأمد على مستوى الصحّة العامة والمعيشة اليومية، فحرمان السكان من الوصول المنتظم إلى المياه النظيفة أجبر آلاف العائلات على الاعتماد على مصادر غير آمنة أو تخزين المياه لفترات طويلة، ما زاد من مخاطر انتشار الأمراض المرتبطة بتلوّث المياه وضعف خدمات الصرف الصحّي. كما أثّر انقطاع المياه بشكل مباشر على عمل المستشفيات والمراكز الطبية والمدارس، الأمر الذي فاقم هشاشة المجتمعات المدنية في المناطق المتضرّرة.
على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، تسبّب تدمير محطّات الضخّ وشبكات التوزيع أو استخدامها كورقة ضغط في تراجع النشاط الزراعي، خاصّة في المناطق التي تعتمد على المياه لريّ الأراضي وتربية المواشي. كثير من العائلات فقدت مصادر دخلها الأساسية نتيجة صعوبة الوصول إلى المياه أو ارتفاع تكاليف تأمينها من مصادر بديلة، ما أدّى إلى زيادة معدّلات الفقر والاعتماد على المساعدات الإنسانية. كما ساهمت هذه الظروف في دفع مزيد من السكان إلى النزوح الداخلي بحثاً عن مناطق تتوفّر فيها الخدمات الأساسية.
أما على المدى البعيد، فقد خلّف استهداف البنية التحتية المائية آثاراً عميقة على فرص التعافي والاستقرار بعد النزاع. إعادة تأهيل شبكات المياه تحتاج إلى موارد مالية وتقنية كبيرة، بينما تعيش العديد من المناطق المتضرّرة نقصاً في الإمكانيات والاستقرار الأمني. ونتيجة لذلك، لم تعد أزمة المياه مرتبطة فقط بفترة الحرب، بل تحوّلت إلى تحدٍّ مستمرّ يهدّد الأمن الصحي والغذائي ويؤثّر على قدرة المجتمعات المحلية على إعادة بناء حياتها واستعادة استقرارها.



