ليلى جروج – مجلة لحلاح (أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة).
على رصيف في بلدة محردة بريف حماة، تستعيد الثمانينية جورجيت حنكليس ما تحفظه من قصة رافقتها عقوداً من الزمن، لا تشبه حكايات الجدّات أو أفلام ديزني، بل تجمع بين تاجر وصياد وعاملة، وشراكتهم مع الضفادع.
في ذاكرة جورجيت، الضفدع ليس أميراً فكّت قبلة تعويذة سحره، أو بديلاً لكرة يلعب بها الأطفال خلال مصادفتهم له في أحد الأزقّة، ولا وسيلة تعليمية في دروس التشريح، بل محطة فارقة في حياتها تجمع بين العمل المربح والمذاق الطيب.
لا تحضر الضفادع في ذاكرة السوريين كغذاءٍ مألوف، فهي، شأنها شأن مئات الحيوانات البرية، بقيت خارج أدبيات المائدة المحلية، ولا تُلاحق بوصفها طعاماً يومياً، بل ظلت حبيسة الدراسات وملاقط التشريح وبعض الحكايات النادرة. لكن ما ترويه جورجيت يكسر هذه القاعدة، ويكشف عن تجربة مختلفة تماماً، حيث تتحول الضفادع من كائن هامشي إلى مصدر رزق وطبقٍ يُقدَّم على الموائد.
ذاكرة العمل
لا تذكر جورجيت متى بدأت عملها في تنظيف الضفادع المخصّصة للطعام داخل ورشة محليّة في محردة بريف حماة، كان يملكها مدحت نجّار ووالده، لكنها توقفت عن هذا العمل مع بلوغها السبعين من عمرها، أي قبل نحو خمسة عشر عاماً.
أسست عائلة نجّار شركة لشراء الضفادع وتصديرها منذ عام 1980، وأدرجتها ضمن قائمة صادرات شملت الحنكليس والحلزون وطيور التين، استجابة لطلب لبناني. كانت هذه الشركة واحدة من شركتين فقط في ريف حماة تولّتا نقل الضفادع إلى لبنان، بإشراف مدحت نجّار ووالده، حتى عام 2012، حين وضعت الحرب حدّاً للصيد الليلي في سوريا.
يقول مدحت نجّار، الرجل السبعيني الذي ورث المهنة عن والده: “تصدير الضفادع عمل نظاميّ ومرخّص، سواء عبر البر أو المطارات”، ويضيف: “يتطلّب إتمامه إجراءات عدّة، منها الحصول على شهادة صحية من طبيب بيطري تُثبت سلامة الضفادع وصلاحيتها للأكل”.
في لبنان، كان تجّار يتولّون توزيع ما ترسله عائلة مدحت على المطاعم والمحال. يقول مدحت: “معظم مطاعم لبنان تقدّم هذا الطبق، بعكس المدن السورية، التي كان تقديم أفخاذ الضفادع فيها يقتصر على عدد قليل من المطاعم في حلب ودمشق”. ويضيف أن “ثمن كيلوغرام واحد من الضفادع كان يعادل ثمن كيلوغرامين من اللحم”.
يبدأ عمل جورجيت بعد وصول سيارة الضفادع التي تحمل غلّة الصياد أبو عادل حميدوش الذي ورث صيد وبيع الأسماك عن أبيه، لكن صيد الضفادع كان عملاً إضافيّاً له.
في حوض إسمنتي مرتفع تفرّغ السيارة حمولتها، يرتفع الحوض بطريقة تمنع الضفادع من القفز خارجه، بجانبه يقف شاباً يحمل سكيناً وأمامه دفة خشب، ينتظر أن تفرّغ السيارة كامل حمولتها لتبدأ مهمته بذبحها.
إلى جواره على كرسي منخفض تجلس جورجيت بانتظار أول دفعة من الضفادع، وعلى الجهة المقابلة تجلس عاملة أخرى، وباستخدام “الكمّاشة والبينسا” يقتلعن أظافر الضفادع، ويقشرن جلدها الخارجي، وبعدها تبدأ مرحلة تنظيف الفم من الأوساخ، ليبقى منها الساقين.
“التكتيف” آخر مرحلة من مراحل العمل قبل الحفظ والتبريد، تحاول جورجيت تشكيل وردة بيدها عبر ضم سبابتها باتجاه الإبهام، لكنها لا تنجح بذلك، تمشي على الرصيف باحثةً عن وردة صغيرة لتقرّب شكل الضفدع بعد التكتيف إلى أكثر صورة مألوفة في ذهنها، تقول “شكله يشبه الوردة”.
بعد تنظيف الضفادع بشكل كامل وغمرها بالثلج، تترك في الثلاجة ليلة كاملة ثم ترتب في أكياس أو علب، أما ما يتبقى من الضفدع (الأظافر والجلد والأوساخ ورأس الضفدع)، فكانت تستخدم كطعم من قبل صيادي السمك.
كان العمّال يعافون تنظيف الضفادع، ما دفع التجّار إلى ترغيبهم بأجور أعلى. يقول مدحت: “من النادر أن يعمل شخص ما في تنظيف الضفادع، وكانت الأجور تُحتسب بحسب كمية إنتاج كل عامل من السطول، لكنها كانت تصل إلى ضعف راتب الموظف في ذلك الوقت”.
أما جورجيت، التي وجدت في هذا العمل مهرباً من الاستيقاظ المبكّر الذي يرافق العمل الزراعي، وهو الخيار الأكثر شيوعاً للنساء آنذاك، بما يحمله من ساعات طويلة وشاقّة، فتقول: “كانت خمسة سطول من الضفادع المُنظّفة تأتي بعائد 100 ليرة في ذلك الزمن”.



ذاكرة الصيد
اكتسب الصياد أبو عادل خبرة واسعة بحياة الضفادع، وهو يميّز بين ثلاثة أنواع، “أحدها أملس، لونه صخري أو أخضر”، وهو النوع الصالح للأكل، لذلك يُصطاد، أما النوع الصحراوي الجبلي فلا يُؤكل، لذلك لا يقترب منه الصيادون، وكذلك الحال مع الضفدع الأخضر الصغير الذي يُسمع نقيقه في أغلب الأحيان.
ويشير هذا الصياد إلى أن الضفادع من الكائنات المرتبطة مباشرة بدورة المياه والفصول، إذ تعيش في الشتاء سباتاً شتوياً ثم تنشط عادة مع ارتفاع درجات الحرارة، فتلجأ إلى البرك والسواقي والمياه الهادئة لوضع البيوض، ما يجعل مواسم ظهورها وتكاثرها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسلامة الأراضي الرطبة واستقرار منسوب المياه فيها.
بعد انتهاء سباتها بداية الربيع تظهر الضفادع في سواقي سهل الغاب، وتتخذ من النباتات النامية على سطح الماء موطئاً لأقدامها الطويلة ومكاناً تستقر عليه ليلاً. يقول أبو عادل: “لذلك تتطلب عملية الصيد زورقاً ومجدافاً وضوءاً وصيّادين اثنين”.
يقف الصياد الأول في مقدمة الزورق، يحمل ضوءاً ساطع البياض عُرف قديماً باسم “اللوكس”، وخلال سير الزروق يمسك بالضفادع النائمة بيده الثانية ويضعها في حقيبة مثبّتة على ظهره، بينما يتولى الصياد الثاني أمر التجديف وتحديد مسار الزورق الذي يبلغ طوله أربعة أمتار تقريباً.
لا تصلح الزوارق لكل مناطق الصيد، فمع توّسع العمل توّجه أبو عادل إلى روافد الفرات وسواقيه وقنواته. في دير الزور قضى أياماً وليالٍ يصطاد الضفادع من مصارف يصل ارتفاع الماء فيها إلى نصف المتر، يقول: “يكفي وجود صيادَين ولوكساتهم وسائق للسيارة لتسير جانب سيل الماء، وبعد قضاء ثلاثة أو أربعة أيام نعود بحمولة تصل إلى 300 كغ من الضفادع”.
يذكر أبو عادل يوماً نام فيه على جسر الميادين في دير الزور، ويوماً على حدود العراق، وصولاً إلى سنجار، وفي ليلة لا تُنسى جمع كمية كبيرة من الضفادع، يقول “ليلة واحدة في تل السمن كانت حصيلتها 400 كغ من الضفادع، وبعدها أشرقت شمس يوم عيد الأم”.
العمل في دير الزور لم يكن الخيار الأسهل بالنسبة له، لكن الصيد في سهل الغاب كان لسدّ الرمق، أو كما يقول أبو عادل: “خبزنا وقوت يومنا فقط، أما مشقة العمل والسفر كانت تهون أمام المردود الذي يعادل عمل أسبوع في الغاب”.
ورغم غياب بيانات محلية واضحة عن أعداد الضفادع التي كانت تُصاد في ريف حماة خلال تلك السنوات، فإن الضفادع تُعدّ عالمياً من أكثر الكائنات حساسية تجاه تغيّر البيئات الرطبة، وتراجع جودة المياه، واستخدام المبيدات، ما يجعل أي استنزاف طويل الأمد لمواطنها الطبيعية عاملاً مقلقاً بيئياً.
ذاكرة النكهة
“لا فرق بين الشقرق ذكر الضفدع والشقرقة أنثاه إلا في حجم الأفخاذ” تقول جورجيت وهي تقارب بين أصابعها السبابة والوسطى محاولةً تشكيل الحجم المثاليّ لفخذ الضفدع، لتجد أن أصابعها باتت صغيرة بفعل الزمن فتضيف معهما البنصر.
تتذكر جورجيت صدمتها الأولى حين دعتها عمتها في دمشق إلى تناول وجبة ضفادع. تقول: “شعرتُ بالقرف”، قبل أن تدرك لاحقاً أن عمتها كانت تحاول “تدليلها بوجبة مرتبة”. وتضحك وهي تستعيد مفارقة أن ينتهي بها الأمر إلى حمل بعض الضفادع النحيلة معها إلى المنزل ليلة السبت، لتعدّ منها طبقاً مقرمشاً للعائلة.
ضعف شعبية طبق الضفادع في سوريا أدى إلى الاعتماد بشكل كامل على تصديرها، يقول مدحت، “العمل في سوريا غير مربح اقتصادياً، إذ لا تكفي عائداته أجرة العمّال”.

يتذكّر مدحت طعم الضفادع جيداً، ويقول: “سيغرم بطعمها كل من يتذوقها”. وقبل أن ينتهي من وصف لحمها الأبيض الشهي، على حدّ قوله، يأتيه صوت زوجته، التي رافقته خلال سنوات عمله في هذه المهنة، لتقول: “الضفدع نظيف، لا يأكل أي شيء ميت، لذلك لحمه شهي جداً”.
يتبادلان الحديث قليلاً حول طريقة تحضيرها كما كانا يفعلان سابقاً. يقول مدحت: “كنّا نقليها بعد تغطيتها بالطحين والبيض والبهارات”، لكن زوجته تقاطعه قائلة إن البيض ليس ضرورياً، وإن الطحين المبهر وحده يكفي لقلي الضفادع. ثم تمضي في شرح أهمية قليها على نار متوسطة، حتى تبقى طرية من الداخل ومقرمشة من الخارج، وتقول: “تشبه الكريسبي”.
يعود مدحت إلى أيام بعيدة، قبل أن يبدأ والده هذا العمل، ويقول: “على ضفة العاصي، اعتدتُ أنا وأصدقائي صيدها، وبعد تجهيزها كنّا نشويها على ما نجمعه من أخشاب وحطب”.
اليوم فرغت حقيبة أبو عادل، وورشة مدحت، ويدا جورجيت من الضفادع، لكن قصتها بقيت محفوظة في ذاكرتهم. تتكئ جورجيت على عربة أطفال، وتتجول أمامنا باحثةً بعينيها عن عمل تفتقده، ولا تمانع في استئنافه، فهو “شغل عالقاعد، كويس وبيجيب مصاري، الشغل بدياتي ودياتي ما فيهن شي”، تقول وهي تضم أصابعها على شكل وردة.



