حقول التضامن في جرمانا.. عودة لإنتاج البذار المحلي

ليدا زيدان –

على مساحة صغيرة في إحدى المزارع الواقعة على أطراف مدينة جرمانا بريف دمشق تحوّلت الأرض إلى مكان لإعادة إنتاج البذار البلدي. في تناقض صارخ مع واقع المدينة المزدحم، تشكّل المساحات الخضراء في هذه المنطقة خروجاً عن المألوف ومحاولة للعودة إلى الحياة الريفية والطبيعة والزراعة. من هذه الأرض انطلقت مبادرة “حقول التضامن في جرمانا” مطلع شهر آذار الفائت، إذ بدأ مجموعة من القائمين على المبادرة والمهتمين بالزراعة بإعادة إحياء إنتاج البذار البلدي والمحلي من خلال تهيئة التربة وزرع البذار ومن ثم تغطيتها وسقايتها، بهدف استعادة الأصناف التي كادت أن تختفي، في ظل الظروف الاقتصادية المتردية وتراجغ الزراعة في البلاد.

تعتبر مبادرة حقول التضامن في جرمانا امتداداً لمبادرة “حقول التضامن والكرامة” التي تنجز مشاريعها في مناطق مختلفة من سوريا بهدف دعم الزراعة وإعادة العلاقة بين الإنسان والأرض، ولمنحه القدرة على إنتاج غذائه بالإضافة إلى مشاركة المحاصيل مع من يحتاجها، ويركّز هذا المشروع على خلق نموذج مختلف من العمل المشترك، في الوقت الذي تتزايد فيه التحديات البيئية والتغيرات المناخية التي تؤثر على الأرض والزراعة.

منسق مبادرة حقول التضامن في جرمانا، الفنان مهند ديب، تحدّث لمجلة لحلاح عن انطلاقة المشروع التي جاءت “نتيجة التقارب بين مبادرتي “شغل وفن” و”حقول التضامن والكرامة في سوريا التي تأسست عام 2025″، والتي جاءت بدورها كامتداد لمشروع حقول التضامن في اليونان الذي تأسس عام 2017 عقب إغلاق الحدود مع الاتحاد الأوروبي على مبدأ الاكتفاء الذاتي من خلال تنظيم إقامات عمل ومزارع وتربية دواجن وجني المحاصيل الزراعية وتسويقها، بالإضافة لتصنيع منتجات غذائية من ألبان وأجبان ومشروبات والحاجات المعيشية المختلفة، كما أنشأ محال تجارية لتسويق الفائض منه.

فيما تأسست مبادرة “شغل وفن” عام 2008 كمبادرة فنية ثقافية تنموية تهدف لتوعية المجتمع السوري بدوره في المحافظة على الفضاء الحياتي، وإدراك مدى تأثير الفن على خلق بيئة حياتية أفضل، وذلك باستهداف الأهالي في المجتمع بالتشارك مع المؤسسات الحكومية ودعم دور الفنانين في المجتمع وتوضيحه. هذا التقارب في الرؤية والأهداف أدى إلى التواصل وإنشاء مبادة حقول التضامن في جرمانا.

يتابع ديب: “بعد التواصل واللقاء مع المنسق العام لحقول التضامن في سوريا، سليمان كدوك، تم إنشاء حقول التضامن في جرمانا في آذار 2026 وبدء العمل في الحقل، ودعوة المهتمين والمزارعين والمتطوعين والأصدقاء للاطلاع على التجربة”.

تكمن أهمية البذار المحلي في كونه يشكّل المصدر الرئيسي للبذور، إذ تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إلى أن من 80 إلى 90 بالمئة من البذور التي يستخدمها المزارعون تاتي من الأنظمة المحلية، كما أنّ توفير البذور يسهم في تقليل الاعتماد على المساعدات الغذائية.

تمتاز البذور المحلية بأنها متكيّفة مع المناخ ومناسبة لأنظمة الزراعة منخفضة المدخلات، وتحتوي على تنوّع جيني واسع ما يجعلها مقاومة للأمراض ومتكيّفة مع التغيّرات المناخية، وبحسب المنظمة فإن أنشطة نظام البذور المحلي تميل إلى التكامل والتنظيم والتي تشمل الطرق التي ينتج بها المزارعون البذور وينشرونها ويحصلون عليها مباشرة من محاصيلهم، أو من خلال التبادل والمقايضة بين الأصدقاء والجيران والأقارب، وعبر الأسواق المحلية.

يقول ديب إن جوهر العمل في مشروع حقول التضامن  يعتمد على “خبرات متنوّعة في الزراعة يتم تبادلها لإغناء التجربة، وتعتمد المبادرة للحصول على البذور على المزارع المنزلية، حيث يعتمد معظم الناس على حدائق منازلهم لإنتاج الخضروات”.

بحسب ديب يمكن تمييز البذار البلدي عن طريق خبراء، إلا أن الطريقة الأفضل والأكثر موثوقية للحصول عليه هي من ثمرة ناضجة بلدية. تُعتبر زارعة البذار المرحلة الأولى في المشروع، إذ خصصت المبادرة ما يقارب 300 دونم من أرض المزرعة لزراعة الشتلات الناتجة عن البذار فيما بعد، وبعد انتهاء عملية الزراعة وجناية المحصول يتم توزيع الإنتاج بما يضمن استمرار المشروع والحصول على بذور بلدية أصلية.

يمكننا القول إن البذور هي المصدر الأساسي لغذاء الإنسان، وهي الحامل للصفات الورائية لأنواع المحاصيل وأصنافها. عبر الزمن، ومع التحسين والانتقاء والتكيّف، نتجت الأنواع الأكثر جودة من هذه البذور، ويُعدّ تحسين البذور والحصول على الأنواع ذات الجودة العالية ضرورياً لزيادة الإنتاج ومواجهة التحديات البيئية. تشير تقارير فاو إلى أن الأمن الغذائي يعتمد بشكل أساسي على أمن المزارعين أو ماتسميه “الأمن البذري”، إذ تعتمد الزراعة والإنتاج الزراعي على توفّر بذور جيدة ومناسبة للبيئة، لذلك تكتسب هذه المشاريع التي توفّر بذوراً بلدية أهمية كبيرة، تحديداً في الفترات التي تلي الحروب والكوارث.

تسبّبت الحرب في سوريا بتدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق التي شملها النزاع، ما تسبّب بفقدان المخزون من المحاصيل والبذور المحلية، إضافة لذلك تسبّب حصار بعض المناطق بعدم القدرة على نقل البذار، ما دفع المزارعين إلى الاعتماد على بذور مستوردة، وشهدت السنوات الأخيرة انخفاضاً في الإنتاج الزراعي وتراجع جودة المحاصيل وغياب أساليب الزراعة التقليدية التي تحفظ البذار.

يعتبر ديب أن هذه المبادرة ذات أهمية خاصة بعد سنوات الجفاف والحرب إذ أنها “تساعد في زيادة عدد المزارعين الذين يعتمدون هذه الطريقة، وبالتالي تؤدّي لزيادة المساحات المزروعة بالبذار المحلي، خاصة مع انخفاض تكاليف الإنتاج حيث لا يتم استخدام أدوية أو أسمدة كيميائية”.

كما يذهب ديب إلى أن هذه المبادرة قادرة على إحداث تغييرات في واقع الزراعة والتأثير على المزارعين والمجتمع المحلي، ويوضح: “غالبية المزارعين يعتمدون على التجربة قبل اعتماد أي طريقة في عملهم، لذلك من الممكن لنتائج هذه التجربة أن تؤثّر على المزارعين والمجتمع المحلي لتصبح أكثر انتشاراً”.

نظراً للتحديات التي تواجهها الزراعة في البلاد، ومع تراجع الإنتاج الزراعي في السنوات الأخيرة، يُعتبر إنتاج البذار المحلي خطوة هامّة لضمان إنتاج زراعي مستدام، كما أنّه يعيد إحياء علاقة المزارع بأرضه واعتماده عليها كمصدر لغذائه في ظلّ الأزمات المناخية والسياسية.

Scroll to Top