دلير يوسف –
صراعات وحروب متواصلة في بلادنا، حرب إسرائيل على غزة ما زالت مستعرة والاحتلال يقضم جنوب لبنان، وإيران تُقصف ليل نهار، والدول الأخرى المحيطة بها نالت ما نالته من قذائف وصواريخ، وسوريا تدور في دوامات من العنف والأزمات الاقتصادية، ورغم ذلك نتحدّث عن البيئة.
نُتّهم دائماً بانفصالنا عن الواقع، على الرغم من ذكرنا الدائم لأثر الحروب على البيئة. قيل لي مؤخّراً وبشكل مباشر إنّ الحديث عن البيئة هو ترف فكري لا تملكه بلادنا، وقيل لي إنّ قضية البيئة قضية مؤجَّلة أمام أولويات أكثر إلحاحاً، كالأمن والاستقرار، وإنّ الحديث عن البيئة لا معنى له حين تكون حياة البشر نفسها مهدَّدة بشكل مباشر.
تبدو هذه الأسباب معقولة للوهلة الأولى، لكن عند التأمّل فيها قليلاً نعرف أنّ مثل هذه الأفكار تغفل عن حقيقة عميقة مفادها أنّ الأزمات البيئية لا تنفصل عن الأزمات السياسية والاقتصادية، بل كثيراً ما تكون سبباً أو عاملاً مضاعفاً لها. تغفل هذه الأفكار عن حقيقة أنّ البيئة والإنسان لا ينفصلان، وأنّ الممارسات البيئية اليومية لا تعدّ أمراً ثانوياً، بل جزءاً من بناء عالم أكثر استقراراً وقدرة على تجنّب الأزمات، حتى وإن كان العالم من حولنا يحترق.
حجر أساس
نعتقد أنّ الممارسات اليومية العادية التي يقوم بها الأفراد (أشياء بسيطة كعدم رمي النفايات في الشارع وعدم قطع الأشجار مثلاً)، تمثّل حجر الأساس في أيّ تحوّل بيئي حقيقي، إذ نعتقد أنّ كلّ شخص يمكن أن يساهم في حماية البيئة، كأن يقوم بترشيد استهلاك المياه والطاقة أو أن يقوم بالتقليل من استخدام المواد البلاستيكية.
رغم أنّ هذه الأفعال التي ذكرناها تبدو صغيرة في تأثيرها الفردي، إلّا أنّ أهميتها تكمن في اعتقادنا في أثرها التراكمي، فعندما يتبنّى عدد كبير من الأفراد هذه السلوكيات، يتحوّل الأمر إلى ظاهرة مجتمعية تؤثّر بشكل مباشر في القرارات السياسية وفي السوق والاقتصاد.
مع ازدياد الوعي البيئي بين الأفراد، تتشكّل ضغوط اجتماعية وسياسية تدفع الحكومات إلى تبنّي سياسات أكثر صرامة في مجال حماية البيئة، وهناك عدد لا نهائي من الأمثلة في العالم على ذلك؛ مثلاً في مجتمعات عاشت أزمات أدّت مبادرات بسيطة مثل حملات تنظيف الأحياء وتقليل استخدام البلاستيك إلى خلق وعي جماعي تدريجي. لم تغيّر هذه المبادرات الواقع بين ليلة وضحاها، لكنّها أسّست لثقافة مختلفة، وأثبتت أنّ التغيير لا يبدأ دائماً من أعلى الهرم، بل يمكن أن ينشأ من تراكم الأفعال الصغيرة.
الممارسات البيئية اليومية تساهم في تشكيل ثقافة عامة تقوم على أسس المسؤولية والاستدامة، فحين يصبح الحفاظ على البيئة جزءاً من السلوك اليومي، تنتقل هذه القيم إلى الأجيال القادمة، ويكتسب الأطفال الذين ينشأون في بيئة واعية بيئياً عادات إيجابية تجعلهم أكثر حرصاً على الموارد الطبيعية وأكثر دعماً للسياسات البيئية في المستقبل، وقد يكون بعض هؤلاء الأطفال في مراكز صنع القرار، فيأخذون قرارات اعتماداً على ما تربّوا عليه من قيم، فيساهمون في تعزيز استمرارية الجهود البيئية على المدى الطويل.
أفراد وحكومات
من المهم القول إنّنا لا نحمّل عبء السياسات الحكومية والشركات العابرة للقارات للأفراد، لكن من المفيد التذكير، وخاصة في بلاد مثل سوريا، أنّ العلاقة بين الفرد والحكومة ليست علاقة تبعية، فنظام الحكم يحتاج إلى دعم المواطنين لتطبيق السياسات البيئية، وفي نفس الوقت يحتاج الأفراد إلى بنية تحتية وإلى تشريعات تسهّل عليهم تبنّي سلوكيات مستدامة.
لا يمكن مثلاً للأفراد الاعتماد على وسائل النقل العامة إن لم تكن متوفّرة وآمنة وفعّالة، ولا يمكنهم فرز النفايات وإعادة تدويرها إن لم تتوفّر أنظمة مناسبة لجمع وفرز النفايات، لذلك نقول إنّ التغيير الحقيقي يتطلّب تفاعلاً مستمراً بين المبادرات الفردية والسياسات الحكومية.
الحفاظ على ما تبقّى
الوضع في سوريا (وينطبق هذا على كلّ دول المنطقة) أصعب من أن يستطيع المرء شرحه بكلمات قليلة، فبعد عقد ونصف من الحرب والأزمات، دُمِّرت الموارد الطبيعية وازداد التلوّث وتدهورت البنية التحتية البيئية، وبالتالي فإنّ الحفاظ على ما تبقّى مسؤولية جماعية تتطلّب وعياً وسلوكاً رشيداً من قبل الأفراد ومن قبل الحكومة على حدّ سواء، ولو اعتمدت سوريا ممارسات بيئية مستدامة فنعتقد، وكلّنا ثقة بهذا الاعتقاد، أنّ هذه البلاد ستكون أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات المستقبلية، سواء أكانت حروباً أم أزمات اقتصادية أو طبيعية.
الممارسات البيئية الفردية اليومية ليست مجرّد أفعال بسيطة معزولة، بل هي أفعال سياسية وجزء من منظومة متكاملة تؤثّر في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.
رغم التحديات العالمية الحالية، بما في ذلك حروب المنطقة وصراعاتها، فإنّ الاهتمام بالبيئة يظلّ ضرورة لا يمكننا الاستمرار في تجاهلها، فالمستقبل الآمن يبدأ من سلوكيّاتنا اليومية، ومن إدراكنا لأهميّة كلّ فعل، مهما كان صغيراً، وتأثيره في رسم ملامح العالم الذي نعيش فيه، وسيعيش فيه أبناؤنا وبناتنا.



