الأمطار تكشف هشاشة البنية التحتية في سوريا

** تم إنجاز هذا التقرير بالتعاون مع شبكة الصحافة الحرة

شهدت سوريا خلال الأيام الأخيرة موجة قاسية من الأحوال الجوية “المتطرّفة” ترافقت مع أمطار غزيرة وعواصف رعدية، ما أدّى إلى حدوث سيول وفيضانات في عدد من المحافظات، مخلفةً ضحايا وأضراراً واسعة في المنازل ومخيمات النازحين، ما دفع السلطات المحلية ومنظمات الإغاثة إلى إطلاق تحذيرات عاجلة للسكان مع استمرار تأثير المنخفض الجوي على البلاد.

بدأت موجة الطقس العاصف منتصف شهر آذار الجاري تحت تأثير منخفض جوي قوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح شديدة أسفرت عن ارتفاع منسوب المياه في الأودية والأنهار، وتشكّل سيول مفاجئة في عدة مناطق، خاصة في شمال وشرق البلاد.

الأمطار الغزيرة تركّزت بشكل خاصّ في محافظات الحسكة والرقة وإدلب، إضافة إلى مناطق متفرقة في دمشق وريفها، ومع ضعف البنية التحتية، تحوّلت الأمطار إلى سيول جارفة اجتاحت الأحياء السكنية والطرق، وتسبّبت في انهيارات جزئية لبعض المباني.

أسفرت العاصفة عن سقوط عدد من الضحايا، بينهم أطفال، في عدة مناطق من البلاد، إذ  توفي 4 أطفال من عائلة واحدة في قرية البوحمد بريف الرقة الشرقي إثر انهيار سقف منزلهم الطيني نتيجة العاصفة المطرية.، كما تحدثت مصادر أخرى عن سقوط ضحايا إضافيين في المناطق الشمالية بسبب انهيار منازل أو انجرافها بالمياه.

كذلك توفيت امرأة في حي غويران بالحسكة بعد أن جرفتها المياه، ولا تزال جهود البحث مستمرة من قبل الأهالي والمتطوعين للعثور على جثتها المفقودة حتى هذه اللحظة، كما فقد طفل حياته غرقاً في نهر الخابور أثناء رعيه للأغنام، وتوفي شاب آخر من أهالي حي النشوة الغربية إثر انزلاقه في مجرى النهر خلف منطقة السكن الشبابي.

إلى جانب الوفيات، أصيب عدد من السكان بجروح مختلفة نتيجة الحوادث المرتبطة بالسيول، مثل انهيار الجدران أو حوادث الطرق التي تسبّب بها تجمّع المياه على الطرقات، كما اضطر العديد من الأهالي إلى مغادرة منازلهم مؤقّتاً بعد أن غمرت المياه الأحياء السكنية.

مدينة الحسكة

تشير التقارير إلى أن الفيضانات لم تقتصر على منطقة واحدة، بل شملت عدة محافظاتK ففي محافظة الحسكة، أدت الأمطار الغزيرة إلى ارتفاع منسوب الأنهار المحلية وتجمع المياه في الشوارع والأحياء السكنية. كما تضررت بعض الطرق والجسور الصغيرة، ما أدى إلى صعوبات في حركة التنقل.

غمرت مياه الفيضانات عشرات المنازل في أحياء مختلفة، كحي الناصرة، والمفتي، والصالحية، وغويران حوش البعر، ما دفع الأهالي لإطلاق مناشدات عاجلة لفرق الدفاع المدني والبلديات للتدخّل وإنقاذ ممتلكاتهم.

كما أطلقت لجنة مهجري رأس العين (سري كانيه) نداء استغاثة بعد وقوع كارثة إنسانية في مخيمي واشوكاني وسري كانيه (الطلائع)، حيث غمرت السيول خيام المهجرين وأتلفت أمتعتهم وموادهم الغذائية، تاركة آلاف العائلات، وبينهم أطفال وكبار سن ومرضى، بلا مأوى يحميهم من البرد القارس والرطوبة، وسط انتشار الأوحال التي أعاقت الحركة تماماً داخل المخيمات.

مياه الأمطار تغمر خيم النازحين

في محافظة الرقة، تسببت السيول بأضرار في المنازل والبنية التحتية، إضافة إلى حالات انهيار في بعض المباني القديمة. فقد أدّت السيول إلى انهيار جسر الشريدة الحيوي الواقع على طريق الرقة–معدان، ما تسبّب بانقطاع كامل في حركة المرور.

بالتزامن مع ذلك، شهدت أحياء المشلب، والرميلة، والدرعية، والنهضة، كارثة بيئية نتيجة أعطال في شبكة الصرف الصحي التي فاضت مياهها بارتفاعات كبيرة داخل منازل المدنيين، كما تضرّرت بعض المنازل في أحياء اخرى.

أما في إدلب وشمال غرب سوريا، فقد تأثرت مخيمات النازحين بشكل كبير بسبب هشاشة الخيام والبنية التحتية في تلك المناطق، والتي تُعدّ (مخيمات النازحين) من أكثر المناطق عرضة للأضرار خلال الأحوال الجوية القاسية، إذ تغمر المياه الخيام بسهولة، ما يؤدي إلى تلف الممتلكات القليلة التي يملكها السكان، فضلاً عن زيادة مخاطر الأمراض المرتبطة بالمياه والبرد.

لم تقتصر آثار العاصفة على المناطق السكنية فحسب، بل امتدّت أيضاً إلى بعض المرافق الحيوية. فقد تسبّبت الفيضانات والأمطار الغزيرة تسببت بتعطل معبر سيمالكا الحدودي الذي يربط شمال شرق سوريا بإقليم كردستان العراق، حيث أدت المياه إلى إيقاف الحركة مؤقتاً في المعبر، الذي يعدّ من المنافذ المهمّة للحركة التجارية والإنسانية في المنطقة، ولذلك فإن تعطلّه ولو بشكل مؤقت يؤثّر بشكل مباشر على حركة نقل البضائع والمساعدات الإنسانية.

كما أثّرت الأمطار على بعض الطرق الرئيسية والفرعية، ما أدى إلى تعطيل حركة النقل في عدد من المناطق، خصوصاً تلك التي تضررت جسورها أو تعرّضت طرقها للتآكل بفعل السيول.

صورة متداولة لمعبر سيمالكا

مع استمرار هطول الأمطار، حذّر خبراء الأرصاد والسلطات المحلية من احتمال حدوث فيضانات إضافية، خصوصاً في المناطق القريبة من الأنهار. وصدرت تحذيرات خاصة بشأن ارتفاع منسوب نهر الخابور في شمال شرق سوريا، حيث قد يؤدي استمرار الأمطار إلى فيضان النهر وغمر الأراضي المحيطة به.

كما دعت السلطات السكان إلى توخي الحذر، وتجنب الاقتراب من مجاري الأودية والأنهار خلال فترة العاصفة، إضافة إلى الابتعاد عن المناطق المنخفضة التي قد تتجمّع فيها المياه بسرعة.

نهر الخابور

يرى مراقبون أن الأضرار الناتجة عن السيول في سوريا تتفاقم بسبب عدة عوامل، في مقدمتها تضرّر البنية التحتية خلال سنوات الحرب الطويلة. فالعديد من شبكات الصرف الصحي والقنوات المائية تعرضت للتدمير أو الإهمال، ما يجعل المدن أقلّ قدرة على تصريف مياه الأمطار.

كما أن انتشار مخيمات النازحين، التي غالباً ما تكون مقامة في مناطق مفتوحة أو منخفضة، يزيد من حجم المخاطر خلال العواصف الشتوية. وتعتمد هذه المخيمات في الغالب على خيام بسيطة لا توفر حماية كافية من الأمطار الغزيرة أو الرياح القوية.

بالإضافة إلى ذلك، تعاني بعض المناطق من نقص في المعدات والموارد اللازمة للتعامل مع الكوارث الطبيعية، مثل آليات سحب المياه أو فرق الطوارئ المتخصصة، ومع تزايد الأضرار، بدأت بعض المنظمات الإنسانية والجهات المحلية في التحرّك لتقديم المساعدة للمتضررين. وتشمل هذه الجهود توزيع مواد إغاثية عاجلة مثل البطانيات والمواد الغذائية، إضافة إلى العمل على تصريف المياه من بعض المخيمات والمناطق السكنية.

كما تسعى فرق الطوارئ المحلية إلى تقييم حجم الأضرار وإصلاح بعض الطرق المتضررة، في حين تعمل فرق الدفاع المدني في مناطق الشمال السوري على مساعدة السكان وإجلاء العائلات التي غمرت المياه منازلها.

رغم تراجع شدة الأمطار في بعض المناطق، إلا أن التوقعات الجوية تشير إلى احتمال استمرار تأثير المنخفض الجوي لفترة قصيرة أخرى، ما يعني بقاء خطر السيول قائماً في بعض المناطق، ويرى خبراء أن مواجهة هذه الظواهر المناخية تتطلب تحسين البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، إضافة إلى تطوير أنظمة الإنذار المبكر لمساعدة السكان على الاستعداد للكوارث الطبيعية.

Scroll to Top